| 

كان يشرد أحياناً بينما رفاقه يتحدثون عن محطّات الخطر التي مرّوا بها. توتّرت عيناه بكل الدهشة، الضيق، الفرج، التي حملها مشهدٌ بدا يتراءى أمامه مجدداً: "حين صرنا فوق البارجة التي أنقذتنا، رأيت للمرة الأولى المركب المتهالك الذي حملنا. كان صغيراً مثل نقطةٍ في البحر. لم أصدق، لا كيف ركبنا فيه لأيام ولا كيف وصل بنا. انتهت عملية الإجلاء، ثم فجروه".
في معسكر "إيكلو" لطالبي اللجوء، شرق بلجيكا، يتعافى جهاد (23 سنة) راهناً من الصدمة التي خلّفتها رحلته الطويلة. تساعده صحبة شبّان فلسطينيين سبقوه إلى اللجوء. يقول محمد أبو قبلان، الذي التقاه فور وصوله قبل أسبوع: "كان جلده محروقاً من الشمس والملح".


"منظمة العفو الدولية"، ومفوضية الأمم المتحدة للاجئين، نشرتا إحصائيات حول حوادث الغرق المتكاثرة. تواصلت "السفير" مع المعنيين فيهما، لكنهم أكدوا أنهم لا يمتلكون معطيات محددة حول الوضع الفلسطيني. أرقام مفوضية اللاجئين تورد أنه خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، عَبَر البحر المتوسط 90 ألف لاجئ، مات منهم 2200 شخص. يكشف هذا الرقم ارتفاعاً كبيراً في المهاجرين، بالمقارنة مع الأشهر الستة الأولى من هذه السنة، إذ عبر البحر خلالها 75 ألف شخص، قضى منهم 800 شخص.

الهوية المصرية المزورة

رحلة هذا الشاب هي نسخة عن تجربة يمرّ بها الكثير من أقرانه الآن. بدأ كل شيء خلال العدوان على غزّة. غير الهرب من الحرب، كان هناك الحصار كأساسٍ تبنى فوقه عمارة اليأس المستدام: البطالة مطبقة، الدخل محدود، المصروف من الأهل. المعارف الذين غادروا، كانوا يقدّمون حوافز أخرى: "خرج الكثير من الشبان إلى أوروبا، كانوا يشجعوننا ويقولون إن رحلتهم بالمجمل كانت سهلة".
اتفق جهاد وشبان آخرون مع مهرّب من غزّة، مرتبط بشبكة تعمل في مصر. حاولوا التسلل عبر القفز عن السياج الحدودي في رفح، لكن محاولاتهم فشلت ولاحقتهم شرطة "حماس". قرّروا أخيراً التسلّل عبر الأنفاق.
بعد مسير شاق في ظلام كامل، لم يكن هناك بصيص ضوء يدلّ على نهايةٍ للنفق. انتبه الشبان إلى أن "عين" النفق تم ردمها في الجانب المصري. لحسن الحظ أن الردم جرى بالرمل، لذلك تطلب فتح ثغرة، على مقاس الجسد، ربع ساعةٍ من الحفر. يقول جهاد إنهم وصلوا منهكين تماماً: "حين خرجنا، قلت للشباب: لو قوصتوني لن أعود في النفق. كان هذه المرة الأولى التي أنزل فيها إلى الأنفاق".
لتجاوز حواجز الجيش المصري، يلجأ كثيرون لتزوير ختم الدخول الذي يعطى عادة على معبر رفح. مغادرة جهاد بلا وثائق شخصية، اضطرته إلى تزويرٍ شامل، فأتاه المهرّبون ببطاقة هوية شخصية لشاب مصري. يضحك ممسكاً أطراف شعره القصير جداً: "عندما غادرت غزة، كان شعري طويلاً. لكن في شقة المهربين حلقته لكي أشبه الشخص المصري الذي أعطوني هويته". هناك، أجرى أعضاء شبكة التهريب بروفة تدريبية كاملة للشبان، فحفظ البيانات الشخصية لا يكفي وحده للمرور على الحواجز. ما ساعدهم أن أهل منطقة العريش، من حيث جاءت الهويات المزورة، يتحدثون بلهجةٍ مختلطة وقريبة من لهجة أهل غزة.
مع ذلك، أمسك أحد الحواجز بجهاد. ليس لأن الهوية مزورة، بل لأنها منتهية الصلاحية منذ سنوات. لحسن حظه أن عنصر الحاجز سمح له بالمرور، مكتفياً بتحذيره من أنه سيوقف إذا لم يجدد هويته!

تفاصيل رحلة البحر!

خطوط الاتصال الساخنة مفتوحة بين الشبان اللاجئين مع الأصحاب في غزّة. إلى الاطمئنان، هناك الكثيرون الذين يريدون المغادرة، يتصلون لتلقي النصائح والارشادات. ينبّه جهاد محدثه على الهاتف: "أبو حمادة السوري مطلوب للانتربول". الرجل المذكور صار من أشهر الشخصيات بين الهاربين عبر مصر. يقولون إنه فلسطيني سوري. تعامل الجميع مع مهربين مرتبطين به، لكن أحداً لم يره.
مشاكل أبو حمادة زادت تعقيد رحلة تهريب جهاد وأصحابه. كان يفترض بهم أن ينزلوا في إحدى شقق المهرّب الكبير، وينتظروا هناك إشارة المغادرة إلى الشاطئ. لكن الجيش المصري كان مستنفراً لمداهمة تلك الشقق، خصوصاً بعد غرق زورق يقلّ لاجئين في الإسكندرية.
هذه الضجّة جعلت الشبان ينفكّون عن شبكة أبو حمادة. رموا حقائب ثيابهم كي لا يشتبه بهم أحد. مشوا بين السياح، ونجحوا في التشبيك مع مجموعة مهرب آخر، بعد توهان واتصالات. انتظروا يومين في شقة، ثم غادروا في باصات كبيرة إلى الشاطئ.
من هناك، نقلهم زورقٌ صغير إلى آخرٍ كبير، ليسير بهم يوماً ونصف اليوم في عرض البحر، حيث جاءت جرعة تفاؤل. فقد كان في انتظارهم يخت كبير بهيكل حديدي، انتقلوا إليه مطمئنين إلى المتانة التي يوحي بها. هذه مسألة حاسمة لمن سيسرح في مجهول البحر. بعد مسير أيام، فوجئوا بأن عليهم التعريج على محطة وقوف أخرى، قبالة سواحل ليبيا.
هناك، تبخرت جرعة الاطمئنان تماماً. كان ينتظرهم عشرات اللاجئين فوق مركبٍ كبير: "كان مركباً من خشب، خرباً جداً"، يقول جهاد متذكراً القلق الذي أثقل صدورهم لحظتها. انتقل الجميع إلى ظهر المركب المتهالك المتوجه إلى ايطاليا. بعد مسير طويل، التقط خفر السواحل نداء قاربهم قبالة سواحل مالطا. أخبروهم بأن بارجة فيليبينية تبحر بالقرب منهم وستتولى مهمة إنقاذهم. رفض اللاجئون الفكرة تماماً. لم تفلح محاولة طاقم البارجة الفيليبينة لإجلائهم، فآخر ما أرادوه بعد هذه المشاق أن ينتهوا في مالطا. خفر السواحل أشار للبارجة بمرافقتهم حتى وصلوا قبالة السواحل الايطالية.
رغم كل المتاعب، يقول جهاد إن آخر 24 ساعة كانت "الأصعب في حياتي". كان معهم فلسطيني من مخيم اليرموك في سوريا مع عائلته. الرجل الخمسيني كان مريضاً بالسكريّ، ويبدو أن دواءه فسد في الشمس والرطوبة. ساءت حالته ومات في الليل، ليبقى يوما كاملاً جثةً على القارب: "كانت زوجته وأولاده يبكون حوله طوال الوقت. غطيناه بالستر الواقية وشراشف كي نقلل من تأثير الشمس".

فتاوى ساذجة ضد "بلاد الكفار"

في المعسكر الذي يستقر فيه جهاد ورفاقه الجدد، تنتشر الأحاديث عن الإجراءات المشددة التي تتخذها سلطة "حماس" لمنع هجرة الشباب. القضية تشمل حملة ملاحقة المهربين في غزّة، وتتعداها إلى نشر فتاوى تحرّم الهجرة. يقولون إن خطباء المساجد صاروا يكررون الإنذار في عظاتهم على المنابر. أحد قادة "حماس"، وزير الأوقاف السابق صالح الرقب، أصدر فتوى مؤخراً يحرّم فيها "الهجرة إلى بلاد الكفّار". وقد حصر تحليلها بحالات دقيقة، ملمحاً إلى أن المهاجر يحقق أحلام إسرائيل. تحدّث عن "الحرية الدينية التي يرفل فيها أهل قطاع غزة"، شارحاً أن "الإقامة بدار الكفار في الغالب لها مفاسد عظيمة".
الملاحقة هي أمرٌ يحسب له الشبان حساباً، يتهيبون منه. لكن مسألة الفتاوى ليس لها أي تأثير. ينقل شادي (26 سنة) هذا التقدير عن أهله وأصحابه في غزّة. سافر هذا الشاب إلى ليبيا، وعمل لأكثر من سنة هناك، قبل المغامرة في رحلة البحر. والده وشقيقه خاضا الرحلة ذاتها، كل على حدة، وهما لاجئان معه أيضاً. يؤكد اتساع الظاهرة، ويلفت إلى وجود عشرين لاجئاً من عائلته في بلجيكا وحدها.
ويجزم شادي بعدم فعالية هذه الفتاوى، إذ يستحضر حال الشبان الذين يتواصل معهم: "كلهم بلا عمل، وأهلهم يصرفون عليهم. إنهم يعيشون ضغوطاً نفسية كبيرة. في السابق، كانوا يتجمعون على طرف الشارع، صاروا يخجلون من ذلك ولم يعودوا يخرجون من بيوتهم".
هذه حالة لا يقدّرها إلا شخص عاشها، كمحمد أبو قبلان (27 سنة). يحسّ باطمئنان الآن مع حصوله على الإقامة الدائمة في بلجيكا، بعد مرور ثمانية أشهر على لجوئه إليها. عاش البطالة في غزة، ثم عمل لسنة وأشهر في ليبيا. مدة على قصرها صنعت فيه فرقا شاسعا: "في ليبيا، أحسست أني عملت شي في حياتي. إدخرت بعض المال وقدمت شيئا لأهلي. أحسست للمرة الأولى أني عملت شيئاً، فطوال حياتي كانوا يصرفون علي".

نسبة للموت أم نسبة للحياة؟

كان جهاد وشادي ومحمد، مع لاجئين آخرين، يتجولون في حديقة عامة، نزولاً عند طلب مراسل تلفزيون أراد إعداد تقرير عنهم. كان يبحث عن صور تناسب تعليقاً درامياً يتخيله لتقريره: شبكة عنكبوت على شجرة، مقعد وحيد في الحديقة، مكنة قطع عشب. يقول وهو يوجه الكاميرا إلى شجرة مثمرة: "يمكننا هنا القول إنهم رحلوا قبل أن يحل القطاف".
أما محمد فكان مهموماً بتوجيه نداء، عبر التلفزيون، لمن يعرف شيئاً عن ابن عمه هيثم طلال قبلان. أحضر معه صورتين شخصيتين لقريبه. آخر خبر وصلهم عنه هو مغادرته للاسكندرية على قارب يوم 9 أيلول. سمعوا شائعة تقول إنه يعالج في إيطاليا، وأخرى أنه في اليونان، لكن لا معلومة دقيقة. شاب لاجئ آخر كان يريد بدوره إطلاق نداء حول قريب فقدوا أثره.
خلال استراحة من التصوير، كان محمد يذكر أصحابه بشطر من بيت شعرٍ شهير (للمتنبي)، تعلموه في المدرسة: "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". كان مهتماً بإعلامهم أن هناك تتمة مناقضة للقصيدة، وأن المدرسة علمتهم فقط الجزء المحبط. ردّد أمامهم أربعة أبيات دفعة واحدة، آخرها: "فاصعد إلى قمم الأشياء تدركها/ تجري الرياح كما أرادت لها السفن". لم تكن تلك، طبعاً، تتمة صحيحة لأبيات المتنبي. على كل حال، كان واضحاً أن محمد يستمد سعادة من روايته.
أمام هذا الواقع، ليس معروفاً ما إذا كانت تحذيرات مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة ستجدي. كانت تعرض لخطر "قوارب الموت" في تقريرها، مبينةً أن نسبة فقدان الحياة ارتفعت من 1.06 في المئة إلى 2.4 في المئة. لا يمكن الجزم بأن آلاف الشباب اليائس والمحبط سينظرون إلى هذا الرقم كتحذير، أم كحافز.
في معسكر آخر لطالبي اللجوء، شرق بلجيكا، يستقر الآن بكر المصري (25 سنة) بعدما قضى 13 يوماً في رحلة البحر. خلال تبريره لقيامه بتلك المخاطرة، كان يقول: "لم أكن أضع نسبة واحد في المئة بأني سأعيش، خصوصاً بعدما صرنا في البحر. فكرت أني أنتقل من موت بطيء في غزّة إلى موتٍ سريع في البحر، فقلت لنفسي: إما نموت أو نعيش جيداً وبأمن. نعيش بكرامتنا".