| 

خلافاً للفلسطينيين من سكّان الضفّة الغربية وقطاع غزّة، حرم اتفاق أوسلو الفلسطينيين المقدسيين من الحصول على جواز السفر الفلسطيني، فواصلوا السفر مستخدمين جواز السفر الأردني أو وثيقة السفر الإسرائيلية ("ليسّيه باسّيه"). ومَن أراد منهم الحصول على جواز سفرٍ أجنبيّ فقد وجد نفسه محروماً من حق الإقامة في المدينة. أما من خالف الفتوى الدينية والقرار الوطني وحصل على جواز السفر الإسرائيلي فقد وجد نفسه خارج الصف الوطني.

رسمياً، تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع ما يزيد عن 370 ألفاً من سكّان القدس الشرقية على أنهم فلسطينيون، غير أنها لا تعاملهم كذلك على مستوى وثائق السفر الصادرة عن وزارة الداخلية الإسرائيلية المحدّدة بعامين كمدة صلاحية، يمكن تمديدها لعامين إضافيين، فهي تذكر فيها أنهم أردنيون.

ثلاثٌ في واحد

يحمل جميع سكان القدس الشرقية جواز السفر الأردنيّ، ولكنهم لا يعاملون في الأردن كأردنيين، إذ توصف جوازات سفرهم بأنها "موقتة". وعلى الرغم من أن مدّة صلاحيتها خمس سنوات إلا أنها لا تمكّنهم من الإقامة الطويلة أو العمل أو التملّك في الأردن.. وحتى بطاقات تنقّلهم عبر جسر الكرامة (اللنبي) بين الأردن والضفّة الغربية لونها أخضر، في حين أن بطاقات الأردنيين صفراء اللون.
وباعتبار القدس إحدى قضايا الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن اتفاق أوسلو نصّ على صلاحية السلطة الفلسطينية بإصدار جوازات السفر للفلسطينيين من سكّان الضفّة الغربية وقطاع غزّة وليس سكّان القدس الشرقية، رغم أنهم كغيرهم من الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة يشاركون في الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية.
ويمكن تخيّل كمية المواقف الغريبة التي تصادف المقدسيين في تجوالهم، لعل قصة المواطن المقدسيّ زكي تقرّبها من الأذهان: "في إحدى المرات، وأثناء خروجي من فرنسا، سألني ضابط الحدود: هل يمكن أن تفسر لي كيف أنك كفلسطينيّ تحمل وثيقة سفر إسرائيلية مكتوبا فيها أن جنسيتك أردنية؟ فأجبته: لو أردت أن أفسر لك فإنني بحاجة إلى ساعات لأحكي قصة مدينتي التي احتلت في العام 1967، فقال لي ضابط الحدود الفرنسي: ربما في وقت آخر، وختم الوثيقة وسرت في طريقي".
وخلافاً لحال سكّان الضفّة الغربية، الذين يحتكر طريقهم إلى الخارج معبر الكرامة (اللنبي) بين الضفّة والأردن، وخلافاً لحال سكان قطاع غزّة الذين يحتكر طريقهم إلى الخارج معبر رفح الحدودي بين القطاع ومصر، فإنه يسمح لسكان القدس بالسفر من خلال "مطار بن غوريون الدولي" الواقع في مدينة اللدّ القريبة من تل أبيب، ومن خلال معبر طابا البرّي بين إسرائيل ومصر، بالإضافة إلى معبر الكرامة.
ويفضل الكثير من المقدسيين السفر إلى الدول الغربية من خلال مطار بن غوريون، على الرغم مما يتخلل هذا السفر من إذلال في الذهاب وفي الإياب. وتقول لمياء، وهي معلمة ثلاثينية اختارت أن تقضي إجازتها السنوية خلال الصيف الماضي في تركيا: "قيل في وسائل الإعلام إنه تمّ تخفيف إجراءات التمييز ضد العرب في مطار بن غوريون، فقررت السفر من خلاله إلى تركيا. صحيح أنه تم وقف إجراءات تفتيش الحقائب عند دخول المطار، ولكن، حال وصولي إلى المنطقة التي تسبق مرحلة ختم الجوازات، طلب مني ومن عدد آخر من العرب والأجانب الذهاب إلى ركنٍ مغلق وهناك بدأت المعاناة".
تكمل لمياء، التي فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي بسبب الإذلال الذي مرت به: "بدايةً، تم تفتيش حقيبتي اليدوية بالكامل، لم يتركوا شيئاً لم يفحصوه بحثاً عن "آثار متفجرات". ثم طلبوا مني الدخول في آلة حديثة تجري مسحاً آلياً كاملاً للجسم. البعض كان محظوظاً بالمرور بسرعة من خلالها، أما أنا فقد طلبوا مني، كإجراء إضافي، الدخول إلى غرفة منزوية حيث طلبت مني ضابطة الأمن الإسرائيلية خلع ملابسي بما فيها القسم الأعلى من ملابسي الداخلية للتفتيش اليدوي، قبل السماح لي بالمرور".
آنذاك، كانت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل تشرح في أحد بياناتها: "كل مسافرٍ عربيّ يمرّ بمطار بن غوريون، أو بالمطارات الداخلية، يعرف حق المعرفة الإجراءات المعقدة فيها: استجوابات طويلة، أسئلة مشككة، تفتيش الأمتعة أمام الجميع، تفتيش جسدي مُذلّ، وأحيانا مرافقة رجل أمن للمسافر حتى وصوله إلى الطائرة، بل ويؤدي ذلك كله أحياناً إلى تفويت ميعاد الطائرة". وأضاف البيان: "في أعقاب المعركة التي خاضتها جمعية حقوق المواطن من أجل إلغاء كل هذه الإجراءات المشددة والمهينة بحق المواطنين العرب، أعلنت سلطة المطارات والشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي) عن بعض التغييرات في سياسة التفتيش. تشمل هذه التغييرات، بحسب سلطة المطارات، إلغاء التفتيش المشدد للمواطنين العرب عند المدخل الرئيس للمطار، وتبني نظام جديد لفحص الأمتعة سيُسهل عملية التفتيش الأمني وسيكون استخدامه أدعى للمساواة بين المسافرين".
وتابع البيان: "بحسب النظام الجديد، سيتم فحص أمتعة جميع المسافرين عبر نظام تكنولوجي حديث يتم تشغيله في مكان منفصل بعيداً عن مكان تواجد المسافرين. وبهذا، تعلن السلطات الإسرائيلية إنه لن يُجرى أي فحص أمني علني لأي كان سواء للمسافر أو لحقيبته في صالة المسافرين، ولن يتم تأخيره بعد دخوله "التيرمنال" في طريقه لاستلام تذكرته من مكتب الطيران. يشكل هذا التغيير خطوة مهمة في نضالنا لإلغاء التمييز العنصري في التفتيش الأمني. ولكن هذه الأهمية تقاس من خلال فحص مدى تطبيقها على أرض الواقع، ولذلك نحن بحاجة إلى مساعدتكم".
بحسب جمعيات حقوقية، ما زالت الشكاوى تصل من مسافرين عرب، تروي عن إجراءات تمييزية في المطار، رغم إدعاء إدخال هذا النظام الجديد.
على مدى سنوات كانت إجراءات التفتيش التي يتبعها الأمن الإسرائيلي في مطار بن غوريون بحق العرب من سكان القدس الشرقية والداخل الفلسطيني، محل نقاشٍ حاد، وأحياناً محاكمة بين جمعيات حقوقية عربية وإسرائيلية وبين الأمن الإسرائيلي، إلى أن تم التخفيف من وطأتها. ولكن، ما زال الكثير من العرب يشتكون من الإذلال بسببها.
ولكن، قبل إدخال هذا النظام الجديد، حتى خلال العام الماضي 2013، كان الأمن الإسرائيلي في المطار يجري عمليات التفتيش للحقائب التي يحملها المسافرون العرب عنوةً في قاعة المطار، بما في ذلك إخراج الملابس الداخلية من الحقائب أمام أعين المسافرين في عمليةٍ لا تقل مدتها عادةً عن نصف ساعة.
ومع ذلك، يرى الكثيرون أن عناء السفر عبر مطار بن غوريون يخفّف عنهم الكثير من المصاريف التي كانوا سيتكبدونها في حال سفرهم عبر الأردن من خلال "معبر الكرامة" (اللنبي)، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات الكثيرة العدد.
تبدأ المصاريف من إمكانية الحاجة للمبيت في الأردن، إذا كان موعد الطائرة مبكراً. فسفر الفرد المقدسي الواحد عبر "معبر الكرامة" يتكلف نحو 150 دولاراً أميركياً يذهب أغلبها لتصريح العبور ورسومه في الجانب الإسرائيلي من المعبر. وهي قيمة لا تختصر كلفة السفر، وإنما مجرد العبور إلى مطار آخر غير بن غوريون.

الأرنونا في المرصاد

لكن الكلفة، بدورها، لا تختصر مشاكل سفر المقدسيين. فيشرح مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري أن آلاف المقدسيين لا يتمكنون من السفر عبر أيّ من المعابر بسبب الملاحقة الضرائبية التي تنفذها السلطات الإسرائيلية بحقهم. وقال: "إذا علمنا أن الحسابات المصرفية لأكثر من نصف المقدسيين محجوزة من قبل سلطات الضرائب وبلدية القدس الغربية والتأمين الوطني الإسرائيلي، يمكن إدراك حجم هذه المأساة".
وأضاف الحموري: "نبلغ يومياً عن حالات لمقدسيين يضطرون إلى العودة من الجانب الإسرائيلي من معبر الكرامة (اللنبي) بحجة عدم دفع ما عليهم من ضرائب. فتبدأ الاجراءات بحجز الحساب المصرفي، وتصل إلى حدّ المنع من السفر. وفي بعض الأحيان، يتم منع مقدسيين من السفر بسبب عدم تسديد ضرائب تصل قيمتها إلى 200 دولار فقط".
من الواجب هنا لفت النظر إلى أن بلدية القدس الغربية تلجأ إلى معاقبة مقدسيين على عدم دفع ضريبة الممتلكات (الأرنونا)، التي تفرض على المنازل والشقق السكنية المملوكة والمستأجرة، بمنعهم من السفر كوسيلة لإجبارهم على دفع هذه الضرائب. ويقول عوض، وهو مواطن مقدسي عمره 44 عاماً: "في كل مرة أرغب فيها بالسفر عبر معبر الكرامة (اللنبي)، أتصل برقم خصّصته الشرطة الإسرائيلية، بعد قرار قضائي، لأعرف مسبقاً ما إذا كان مسموحاً لي بالسفر. ففي الكثير من الأحيان، يتم إصدار قرارات بمنع السفر بسبب عدم تسديد ضرائب من دون إبلاغنا مسبقاً بذلك".
أما خليل، وهو مواطن مقدسي عمره 46 عاماً، فيروي: "وصلت إلى معبر الكرامة (اللنبي) لأفاجأ بمنعي من السفر. ولدى سؤالهم عن السبب، قالوا لي أنه يتوجب عليّ مراجعة بلدية القدس الغربية. ذهبت إلى هناك، ووجدت أن ثمة خطأ في تسجيل (أرنونا) منزل على اسمي، رغم أن لا علاقة لي به. ولكن استغرق الأمر نحو شهرٍ كامل من المراجعات في البلدية وبواسطة محامٍ حتى تم تصحيح الخطأ".
وخلافا للفلسطينيين من سكّان الضفّة الغربية وقطاع غزّة، فإن حصول المقدسيّين على جواز سفرٍ أجنبي قد يكلفهم خسارة إقامتهم في مدينة القدس نهائياً.

بالسفر، يسقط حق الإقامة!

آلاف من الفلسطينيين المقدسيين الذين تمكنوا من الحصول على جوازات سفر أجنبية وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التنازل إما عن جوازات سفرهم الأجنبية أو عن هوياتهم المقدسية، حال تكتشف السلطات الإسرائيلية امتلاكهم هذه الجوازات، رغم أن القانون الإسرائيلي لا يمنع ازدواج الجنسية.
يشرح الحموري: "منذ العام 1967، تم شطب إقامات 14800 مقدسي بحجّة تغيير مركز الحياة، أيّ الإقامة خارج مدينة القدس لسنوات عدة، ومن بينهم آلاف تم شطب إقاماتهم في المدينة بسبب الحصول على جنسية أجنبية، خاصة أوروبية أو أميركية أو كندية. وفي حال وجود شكّ لدى السلطات الإسرائيلية بأن شخصاً ما قد حصل على جنسيةٍ أجنبية، يتم سؤاله لدى مغادرته أو عودته عن جنسيةٍ أخرى قد تكون بحوزته. وفي حال ثبت ذلك، إما يطلب منه مراجعة وزارة الداخلية الإسرائيلية أو يتم شطب إقامته في المدينة فوراً، ويتم إرجاعه من حيث أتى. هناك حالات كثيرة خسرت إقامتها في القدس على هذا النحو".
وتبقى قدرة التهرّب من مواجهة هذا التعسّف محدودة، لكنها ممكنة. أمجد (25 عاماً) يحمل الجنسية الأميركية، "ولكنني أخشى اكتشاف السلطات الإسرائيلية ذلك. فأتعمد السفر من خلال معبر الكرامة (اللنبي) ليبدو وكأنني مسافر إلى الأردن. فإذا سافرت عبر "بن غوريون"، سيتم سؤالي عن تأشيرة السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعندها سأضطر للكشف عن جواز السفر الأميركي خاصتي".
عندما يسافر المقدسيّون عبر "مطار بن غوريون"، تتوجب عليهم العودة قبل انقضاء مدة عامين من يوم السفر، وهي مدة صلاحية وثيقة السفر (ليسّيه باسّيه). أما السفر من خلال معبر الكرامة (اللنبي) فيملي العودة قبل انقضاء ثلاث سنوات من يوم السفر، وهي مدة الصلاحية المحدّدة لتصريح السفر الذي يُمنح للمسافرين حال خروجهم من الجانب الإسرائيلي من المعبر. عند تخطّي الفترة الزمنية المحددة، يسقط حق الإقامة في القدس.

الجواز الإسرائيلي يفتح الدنيا

يسمح القانون الإسرائيلي لسكّان القدس الشرقية بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، وبالتالي جواز السفر الإسرائيلي، شرط التخلّي عن جواز السفر الأردني، بموجب كتاب رسمي صادر عن السفارة الأردنية في تل أبيب. كما يشترط أن يكون الملف الأمني لمقدم الطلب "نظيفاً"، بمعنى أنه لم يشارك بأيّ فعالية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا اعتقل سابقاً بتهمٍ أمنية.
ولكن، إثر فتوى صدرت عن مفتي القدس والديار الفلسطينية، وفي ظل قرارات صادرة عن الفعاليات الوطنية الفلسطينية، حرم على المقدسيين حمل الجنسية الإسرائيلية، باعتبار أن من شأن ذلك ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس.
من هنا، يوضح الحموري أن "التقديرات تشير إلى أن ما بين 10-12 ألفاً فقط من سكان القدس الشرقية حصلوا على الجنسية الإسرائيلية في السنوات الماضية، وقد لجأت غالبيتهم إلى هذه الخطوة إما بسبب سهولة التنقل بجواز السفر الإسرائيلي أو لأنهم يعملون في مؤسسات إسرائيلية مثل البلدية أو دوائر رسمية إسرائيلية".
ويسمح لمن يحمل جواز السفر الإسرائيلي بدخول جميع دول أوروبا الغربية والشرقية وروسيا والغالبية العظمى من دول آسيا وأميركا الجنوبية، من دون الحاجة إلى تأشيرة.
يشرح الحموري: "جواز السفر الإسرائيلي يفتح أبواب الكثير من دول العالم التي تكاد تكون موصدة في وجوه المقدسيين. ومع ذلك، فإن المقدسيين ما زالوا يفضّلون، لدواعٍ دينية ووطنية، عدم التقدّم للحصول على جواز السفر هذا، فهم فعلياً يتوقون إلى الحرية ويعتبرون المعاناة التي يواجهونها في سفرهم هي ضريبة إضافية يدفعونها على درب الاستقلال من الاحتلال".