| 

أثار العدوان الأخير على قطاع غزّة مجموعة من التساؤلات المشروعة لقراءة المشهد الفلسطيني ما بعد هذه الحرب، أو بالأحرى بعد انتهاء هذه الجولة من الحرب. وقد جاءت هذه الحرب تحت وطأة الأزمة المستفحلة في المجتمع الفلسطيني، حيث يقبع المجتمع برمته في حالة فرجةٍ، في ظلّ مؤسسةٍ رسميةٍ فلسطينية تتخبط، وانقسامٍ فلسطينيّ متعاظم بين طرفَيْ إدارة الصراع (حركتا "فتح" و"حماس")، وأزمة ثقة في قدرة القوى السياسية على إدارة هذه المعركة.
هذه الحرب كانت الثالثة في أقل من خمس سنوات على قطاع غزّة المحاصر منذ ثماني سنوات. وهي تعيد مشاهد الحروب السابقة، مع مجموعةٍ من الفروق التي نحاول قراءتها هنا.

العدوان كحدثٍ مؤسّس جزئيّ

لكلّ مجتمع حدث "مؤسّس" بمنطق آلان باديو (الكينونة والحدث L’Être et l’Événement, 1988)، وتحديداً لما قد يؤديه من دور كانقطاع في مجرى الأشياء أو انعطاف في مسار الأفعال أو تحوّل في مصائر الذوات والهويات. ولأن الحدث المؤسس قادر على إحداث تغيير في علاقات القوّة وخريطة السلطة، فإن قراءة هذا الحدث تكتسب أهمية بالغة في الحالة المستعمرية الفلسطينية. فالنكبة كانت وما زالت حدثاً مؤسّساً تقوم عليه ذاكرة المجتمع، وتمثّل مصدر حقوقه ومخزن ذاكرته العابرة للأجيال. وهذه الذاكرة تؤسس أيضاً لتمثلات الفلسطينيين عن ذواتهم وهويتهم، وسقفاً لأي مشروع فلسطيني جمعي. وعلى النحو ذاته، يُعتبر العدوان على غزّة حدثاً مؤسّساً جزئياً في ما يخص مجموعة من المحدّدات.
أول هذه المحدّدات هو حدوث انتصارٍ في مستوى الوعي، حيث أطلقت الحرب مجموعة من التساؤلات المشروعة لدى الناس عن فكرة السياسة كـ"فن الممكن" وليس كـ"استجابة لإرادة". بمعنى إنها أدّت إلى تنامي شعور الناس بفشل مدرسة "الواقعية السياسية" والتعقّل القائم على مقولات موازين القوى المختلّة لمصلحة إسرائيل، التي على أساسها يتم تبرير إهدار عشرات آلاف الساعات من المفاوضات العبثية التي تشلّ حركة المجتمع الفلسطيني وتجعله ينتظر مشروعاً قائماً على تصوّرٍ قانونيّ.
ما حدث إذاً هو استعادة فكرة المقاومة كنموذج لمجموعات كبيرة في المجتمع الفلسطيني، حيث أدّت هذه الاستعادة إلى كسر مركّب الخوف. ليس فقط من خلال قدرة المقاومة على إمطار دولة الاستعمار بالصواريخ، وانما أيضاً من خلال قدرتها على امتلاك أسلحة جديدة مضادة للدبابات والدروع. وهكذا، أدت معارك الشجاعية وبيت حانون وخزاعة إلى استعادة فكرة "قدرة المقاومة"، وإعادة النظر في التخيّل الذاتيّ لفكرة الضعف والضعفاء. إذ أظهر العدوان الأخير أن الضعفاء أيضاً يمتلكون أدوات مقاومة.
إلى ذلك، فقد مثّلت الأنفاق أداةً أساسية بيد الضعفاء للتغلّب على أدوات المراقبة التي فرضها المستعمر، للأشكال العينية الظاهرة. بالأنفاق، تم تحييد التكنولوجيا والذهاب إلى الاختفاء والتواري بدلاً من الظهور والتمظهر الذي عملت وفقه حركات المقاومة لفترات طويلة. فجلّ عمليات المقاومة، بعكس الحربين الأولى والثانية، كانت غير مرئية: منصات إطلاق الصواريخ تحت الأرض، مهاجمة أرتال الجنود والدبابات والآليات العسكرية الاسرائيلية، تنقّل المقاتلين، الاختفاء، الخ. كلها تمت تحت الأرض.
هذا النموذج الذي استلهم من تجارب فييتنام و"حزب الله" اللبنانيّ، يعتبر جزءاً أساسياً من استحضار نموذج المقاومة غير المتكافئة والتي تحدث في آن تغييراً في علاقات القوّة. وعليه، فإن فكرة النفق هذه، تأتي بمثابة طريقة تتجاوز شكل المقاومة الذي يحدّده المستعمِر للمستعمَر، كما هي الحال في ما يخصّ الجدار في الضفّة الغربية. هناك، أقام المستعمر جداراً وتعايش مع أدوات مقاومته أيضاً، ما أدّى إلى الوقوع في فخ المقاومة المحدّدة الشكل والأدوات مسبقاً، بما يتيح للمستعمر جعلها مرئيةً وتحت السيطرة. وتُظهر لنا العديد من استطلاعات الرأي المجتمعية والأشكال الاتصالية المختلفة أن المجتمع الفلسطيني تماهى مع هذا الشكل من الاشتباك مع المستعمر، في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه.

فشل الوحدة

على الرغم من أن الإنجازات الهامة التي تحقّقت على مستوى هذا الحدث المؤسّس الجزئيّ، إلا أن قراءة متأنية للمشهد الفلسطيني العام تفرض علينا مجموعة من الاستخلاصات، لعل أبرزها فشل مشروع المقاومة الموحّدة. فعلى الرغم من حدوث بعض الاستثناءات الميدانية التي شهدت على اتحاد بعض الفصائل في مناطق مختلفة من قطاع غزّة في أثناء العدوان، إلا أن الكثير من الممارسات القتالية صبغت لا بل وقدّمت باسم فصائل بعينها. وبقي المنطق الفصائلي هو المنطق المسيطر، واعتبرت بعض المعارك تجسيداً او قياساً لقوة هذا الفصيل أو ذاك. وبقيت التجاذبات بين الفصائل والقوى قائمة، وساد منطق احتكار العمل المقاوم.
استخلاص ثانٍ من الحرب يتجلى في كون العدوان، رغم تحقيقه إعادة اللحمة بين فئات المجتمع وتجاوز الانقسام على المستويات المجتمعية غير الرسمية في الضفّة والقدس والأراضي المستعمرة منذ 1948، أظهر أن التجمعات الفلسطينية خارج القطاع لم تنجح في فتح جبهات اشتباك مختلفة مع الاستعمار، ولم تنجح في تخفيف وقع العدوان على غزة. كما فشلت الشرائح السياسية المختلفة بالتعامل مع الحدث/ العدوان كفعل مقاومة مجتمعي شامل. كان الحراك المجتمعي خجولاً، رغم أنه قياساً بعدوان 2012 يعتبر متطوراً من حيث عدد المشاركين. إذ شهدت الضفة الغربية مجموعة من التظاهرات والاشتباكات المتفرقة. مسيرة "48 ألف" الجامعة، التي شارك فيها ما يقارب 20 ألف متظاهر، ضمت ممثلين عن شرائح عريضة واسعة ومتنوعة. وأتت بمثابة "تنفيس" لحالة الاحتقان التي شهدتها الضفة، وإن بقي الحراك فيها (كما في مناطق 48 وفي الشتات) خجولاً بالمقارنة مع الحراكات الهائلة في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية وفي مناطق المغرب العربي. في المقابل، بقي الحراك في مناطق دول الطوق المجاورة لفلسطين خجولاً، وبل شائكاً في حال الشقيقة الكبرى مصر. وكان ذلك لأسباب لها علاقة بتزاحم الأحداث في الوطن العربي وانشغال المجتمعات العربية في قضايا معقدة داخلية في كل بلد منذ 2011. وربما الحراك الأهم والأكثر اشتباكاً كان في القدس، وهو خارج سيطرة السلطة الفلسطينية.

"الرسميّ" ينأى بذاته عن الاستهداف

على المستوى الرسميّ الفلسطينيّ، وعلى الرغم من تلمّس بعض التغيّرات الطفيفة على مستوى الخطاب والتصريحات بضرورة الخروج عن الصمت، ونجاح تشكيل وفد موحد لمباحثات القاهرة - عاد ليكون ثنائياً لطرفي إدارة الانقسام "فتح" و"حماس" في المباحثات الدائرة حالياً في القاهرة-، إلا أن العديد من التصريحات تظهر تشوّه التشكيل السياسي الرسمي الفلسطيني، الذي وصف بعض تياراته قطاع غزة بالمنطقة المنكوبة. أيّ، جرى التعامل مع الحدث/العدوان وكأن قطاع غزة تعرض لانفجار بركان أو حادثٍ طبيعيّ أو مناخيّ، وليس عدواناً استعمارياً لا يرى فارقاً بين غزة والضفة، لا بل يرى كل الشعب الفلسطيني هدفاً لها.
ما أوحى بأن "الرسميّ" ينأى بنفسه عن التعامل مع ذاته كطرفٍ مستهدَف، حتى بعدما صرّحت أطراف سياسية في دولة الاستعمار أن المعركة المقبلة ستكون في الضفّة الغربية. أما الورقة الأخرى التي لوحت بها السلطة وأنقذتها من موقفها الضعيف فهي ورقة الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، فإن السلطة الفلسطينية لم تقم باستخدامها حتى اللحظة، ولم تشرع بتقديم أيّ بلاغ ضد أيّ من المسؤولين الإسرائيليين لمحاكمتهم دولياً بتهم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
في المقابل، وعلى مستوى الخلاصات أيضاً، فإن المعركة أظهرت أن شعاراتها ضعيفة. إذ، على رغم من انجازات المقاومة، أتى شعار المعركة منخفض السقف، ما يعكس حجم الأزمة. فكان السقف الأعلى هو رفع الحصار وتحسين الشروط الحياتية الدُنيا المشروعة والمرتبطة بحق التنقل والسفر والحصول على الكهرباء وتوسيع الصيد وحل مشكلة المياه وفتح المعابر التجارية الخ.. ما معناه أن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني انعكست حتى على قدرة المقاومة على إعادة الخروج من عباءة شروط التفاوض. وكان ذلك لأسباب عديدة مرتبطة بظروف جيوسياسية لها علاقة بتحالفات إقليمية، ولغياب اللحمة الفلسطينية الداخلية، ولانفراد دولة الاستعمار المتمتعة بتغطية دولية للعدوان بقطاع غزة باعتباره خارج منطقة "المسؤولية".

ولكن كيف؟ إلى أين؟

أتى الحراك المجتمعي الهام على مستوى الحملات التضامنية التي نظّم بعضها طوعياً وبعضها الآخر رسمياً، لجمع المساعدات العينية، من مواد غذائية ونقود وألعاب أطفال وحاجيات، مروراً بأشكال التضامن الأخرى من اتصالات وتحويل أموال إلخ. ولكن الحدث الأهم هو حملات المقاطعة للبضائع الإسرائيلية التي تعيد الفلسطينيين إلى مربع المجابهة الأول. ولكن، رغم نجاحاتها، إلا أنها لم تتحوّل بعد إلى مشروعٍ مجتمعيّ مقاوم شامل، لأنها لا تعمل وفق رؤيةٍ تضعها كمعركة في سياق المعارك ضد المشروع الاستعماري، لا بل يجري التعامل معها كردّ فعل وليس كمشروع جامع ممأسس ضد - استعماري.
وقد كشف العدوان أن المجتمع الفلسطيني ما زال يعيش أزمةً بسبب سياسات الأحزاب التي تدير الانقسام، وغياب مشروع يشخّص عدوه باعتباره العدو الأوحد، تناقضه يحلّ مع الكل الفلسطيني وليس ضد منطقةٍ بذاتها. وقد ردّد الكثيرون في غزّة مقولة "يا وحدنا"، مستحضرين النموذج الدرويشيّ "كم كنت وحدك"، إذ صبّت آلة الحرب الاستعمارية الاسرائيلية جام غضبها على الفلسطينيين في قطاع غزة ولم يصبّ الفلسطينيون خارج القطاع جام غضبهم على آلة الحرب الاستعمارية.
وتظهر لنا المشاهد القاسية الأخيرة لضحايا التهريب والهجرة نحو المجهول، حجم المأساة التي حلّت بالناس وتعاظم الشعور بالضياع والرغبة بالبحث عن شروط حياة أفضل. هو مشهد مألوف في بلاد الجنوب، لكنه أقل إلفة في السياق الفلسطينيّ، نظراً لكون عمليات الاقتلاع المنظمة التي تعرّض لها الفلسطينيون قد شحنتهم دوماً، ورغم حلكة الظروف، بالقدرة على البقاء في وطنهم.
يتساءل الجميع في فلسطين: إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا سيحلّ بلقاءات القاهرة، وحوارات إدارة الانقسام، ومصير عشرات القضايا العالقة؟ بدءاً من الحريات العامة، مروراً بفتح المعابر وتوسيع المناطق الزراعية وتوسيع مجال الصيد وحلّ مشاكل المياه والكهرباء، والبدء بحلّ "القضايا الكبرى" مثل الميناء والمطار والتنقّل بين الضفة والقطاع، وصولاً إلى إعادة الإعمار التي راكمت الأسى على مجموعات أخرى لم تبن بيوتها منذ 2012. أضف إلى ذلك الدمار الواسع الذي مسّ البنى الاقتصادية والاجتماعية في غزة وآليات تعويض آلاف العائلات، إلخ.
ثم، كيف للمجتمع الفلسطيني أن يعود إلى مربع الاشتباك المفتوح مع المشروع الاستعماري الإسرائيلي، أو بمعنى آخر، كيف يمكن استرداد المجتمع الفلسطيني لقدرته على استعادة البوصلة لإدارة معركته مع الاستعمار خارج نطاق المحلية واليوميّ.. خاصة أنه مع كل جولة حرب جديدة للمستعمر، تراه يذكر الفلسطينيين بأنه يستطيع الذهاب أكثر في دمهم. فالمتتبع يرى أنه مع كل حرب، يزداد المستعمر بطشاً، وتزداد أعداد ضحاياه بين الفلسطينيين.

^ أستاذ في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في "جامعة بيرزيت"