| 

حدّدت "كتائب القسام" الساعة التاسعة من مساء يوم السبت 12 - 7- 2014، موعدًا لتضرب فيه تل أبيب بالصواريخ. وفي اللحظة ذاتها بالضبط، ومع انطلاق صفارات الإنذار وقبيل سقوط الصواريخ، تم اختراق صفحة "أحوال مغرّدة" على موقع "فايسبوك" - وهي أكثر الصفحات الإسرائيلية شعبيةً، ويتجاوز عدد المعجبين بها أكثر من نصف مليون إسرائيلي.

بمجرد انطلاق صفارات الإنذار في تل أبيب، لاحظ مدير صفحة "أحوال مغردة" آفي لين أنه فقد السيطرة على صفحته التي يتابعها أكثر من نصف مليون شخص، حسبما قال للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي. وراحت إدارة الصفحة الجديدة تنشر بلغة عبرية سليمة: "تحذير حول انتحاري يعتزم تفجير نفسه في الملاجئ التي هرع إليها الإسرائيليون خشية الصواريخ".
بعد عشر دقائق، اكتست الصفحة بصور ضحايا القصف الإسرائيلي لغزّة وشعارات بالعربية والانجليزية، بالإضافة لنشر فيلم "يوتيوب" يظهر تدمير مدرّعة إسرائيلية بصاروخ "كورنيت" المتطور المضاد للدبابات. وتضمن التعليق على الفيديو نصاً بالعبرية يتوعّد جنود سلاح المدرعات بالموت، إذا شاركوا باجتياح غزة.

اتصل بدبلن

انتقلت الإشاعة حول "الانتحاري" الذي يعتزم استهداف أحد الملاجئ إلى مجموعات كثيرة عبر تطبيق المحادثة الفورية "وآتس آب"، علماً أن ظاهرة اشتراك الإسرائيليين في مجموعات "وآتس آب" منتشرة. فهناك مجموعات لطلبة المدراس، وأخرى لزملاء العمل، وبعضها لمشجعي فرق كرة القدم الكبرى، إلخ.
وفي التوقيت ذاته، تمت السيطرة على صفحة أخرى على "فايسبوك" تُدعى "رجال متوسطون عاقلون"، يتابعها أكثر من 50 ألف إسرائيلي. تم فيها نشر صور ضحايا القصف الاسرائيلي في غزة، وشعارات مؤيدة لحركة "حماس".
وفي اليوم التالي للسيطرة على "صفحة أحوال مغردة"، خصصت القناة الثانية من التلفزيون الإسرائيلي جزءاً من تغطيتها المباشرة لتطورات الحرب للحديث عن الحرب النفسية التي تشنها المقاومة للتأثير على معنويات الإسرائيليين.
في مقابلة صحافية أجراها الصحافي اهارون برنيع مع آفي لين، أكد الأخير أن جهة متآلفة مع حركة "حماس" استولت على صفحته باستخدام حيلة ذكية جداً، وبعد تقمّص هوية إدارة "فايسبوك". ولمّح إلى أنه استعاد الصفحة بعد الاستعانة بجهات أمنية إسرائيلية نصحته بالاتصال بإسرائيليين يعملون في مقر شركة "فايسبوك" في العاصمة الإيرلندية دبلن.

أنا "هآرتس"

في حوار مع إذاعة جيش الاحتلال، قال الدكتور رون هوفمان، المتخصص بـ"سياسات مكافحة الارهاب": "يحاول الفلسطينيون شنّ حرب نفسية على إسرائيل، ليس فقط عبر أشرطة الفيديو، وإنما باستخدام الشائعات أيضاً". وأضاف: "منذ بداية عملية الجرف الصامد، نشرت حماس عبر الهواتف الخلوية رسائل نصية كثيرة، تضمنت شائعات تشير الى إصابة منشآت حساسة ومقتل الكثير من الجنود والمواطنين".
وجاءت أقوال هوفمان بتاريخ 9-7-2014، تعقيباً على رسالة نصية وصلت إلى هواتف الكثير من الإسرائيليين، انتحل/ت مرسلها/تها صفة صحيفة "هآرتس" العبرية واسعة الانتشار.
وتضمنت الرسالة النص الآتي: "مقتل 25 مواطناً إسرائيلياً جراء سقوط صاروخ في حيفا". بعد ساعة من الزمن، بعثت الصحيفة رسالة نصية أعلنت فيها عدم مسؤوليتها عن تلك الرسالة. بطبيعة الحال، أتى التوضيح متأخراً، إذ كانت "الرسالة الإشاعة" قد انتقلت إلى "وآتس آب" وتداولها الإسرائيليون على النحو الآتي: "صاروخ أطلق من غزّة أصاب المصانع الكيميائية، وقد يتم إخلاء السكان خشية تسرّب مواد سامة".

"واتس آب" يهزمنا

كتب موقع "واللا" الإخباري العبري بتاريخ 13- 7- 2014 عن الحرب النفسية التي تشنها "حماس" على الإسرائيليين، قائلة: "إطلاق الصواريخ من غزّة على اسرائيل يتواصل، ومعه أيضاً تتواصل الحرب النفسية التي تشنها حماس. اليوم نشر التنظيم رسائل نصية كاذبة انتحل فيها صفة جهاز المخابرات "الشاباك" كُتب فيها: مخرّب منتحر تابع لحماس تسلل إلى تل أبيب وهو يشق طريقه إلى أحد الملاجئ. التزموا الحذر من الأشخاص الغرباء داخل الملاجئ".
ورسم موقع "واللا" العبري مشهدًا آخر من مشاهد الحرب النفسية التي نفذتها المقاومة، إذ قال: "هذا الصباح، نُشرت رسالة على نطاق واسع في البلاد عبر "وآتس آب" جاء فيها: قيادة الجبهة الداخلية تعلن عن هجوم عنيف سيشنه جيش الدفاع على غزّة في الساعة 12:16 الرجاء البقاء في هذا الموعد في مكان آمن. هذه الرسالة تسري على كل سكان البلاد. الرجاء إرسالها بسرعة الى مجموعات أخرى".
وحول تأثير تداول الإشاعات داخل اسرائيل كتب الصحافي عميت سلونيم بتاريخ 20-7 على الموقع الالكتروني للقناة الثانية من التلفزيون الإسرائيلي: "مئات الآلاف من الإسرائيليين - أهالي الجنود - خافوا من أن يطرق بيوتهم الخبر الفظيع - نبأ مقتل أقربائهم -. وكل هذا الخوف ناجم عن عدم قدرة الإسرائيلي العادي على الامتناع عن نقل الإشاعات التي تصله عبر الهاتف إلى الآخرين".
وتحت عنوان "جيش الدفاع الإسرائيلي ينتصر في غزة ويخسر أمام وآتس آب"، كتب الصحافي درور غلوبرمان على الموقع الإلكتروني للقناة الثانية من التلفزيون الإسرائيلي: "في كل مرة يُضطر فيها المتحدث باسم الجيش على نفي أو تأكيد معلومات وصلت إلينا من واتس آب، فإنه يفقد جزءاً من مصداقيته لمصلحة الإشاعة الرقمية".

إسرائيل تلهو بالماء

من الجانب الآخر، شنّ جيش الاحتلال حربه النفسية المعتادة على الفلسطينيين في قطاع غزّة، موجّهاً التهديدات، عبر رسالة صوتية أرسلت إلى عشرات آلاف الهواتف المحمولة والثابتة التي يمتلكها المدنيون لدفعهم على مغادرة منازلهم، في رفح، خان يونس، ومدينة غزّة. وهو أسلوب "تقليدي" اعتاد عليه الفلسطينيون في القطاع، إذ يتكرر مع كلّ عملية عسكرية إسرائيلية جديدة.
في المقابل، وللمرة الأولى، استخدمت إسرائيل موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" خلال العدوان الأخير، عبر عددٍ من الصفحات الإسرائيلية الناطقة بالعربية التي لا تخفي هويتها. وتعمل هذه الصفحات بتناغمٍ وتنسيق في ما بينها، فتقوم بنشر المضمون ذاته تباعاً، بغية الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين الفلسطينيين. ولتحقيق غايتها، تلجأ هذه الصفحات إلى تمويل انتشار موادها كإعلانات.
وركّزت الصفحات الإسرائيلية في حربها النفسية على التشكيك بجدوى المقاومة، وتكوين انطباع يشير إلى أن الإسرائيليين يعيشون حياتهم بطبيعية تامة.
وفي هذا السياق، حرصت هذه الصفحات على نشر إعلان مموّل يتضمّن تقريراً حمل عنوان "حرب الماء في تل أبيب" يتمحور حول فعالية ترفيهية يقوم المشاركون فيها برشق بعضهم بعضاً بالماء للترفيه عن أنفسهم. الخبر لا يتضمن أي تفصيل حول الزمان أو المكان داخل تل أبيب، وتم تكرار نشره كإعلان مدفوع لأكثر من عشر مرات منذ انطلاق عدوان "الجرف الصامد".
وحرصت إسرائيل في حربها النفسية على أن تنشر مقالات وتحليلات باللغة العربية عبر صفحتها، تهدف إلى إثارة الخلافات بين حركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، من خلال التلميح إلى وجود صراعٍ خفيّ بين الحركتين، بالاضافة إلى إبراز تبني وسائل إعلام عربية لرواية جيش الاحتلال، والإشادة بالإعلاميين العرب الذي تضامنوا مع إسرائيل في عدوانها وشتموا الفلسطينيين.
وبالإمكان الاستنتاج بعد متابعة الحرب النفسية التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين منذ انطلاق عدوان "الجرف الصامد"، إنها لم تتضمن أي تجديدٍ في الأساليب أو المضامين بالمقارنة مع الحرب النفسية التي شنّتها في عملياتها العسكرية السابقة، باستثناء التركيز على استخدام التواصل الاجتماعي لنشر مضامين باللغة العربية، كالادعاء بأن المقاتلين يستسلمون بالجملة خلال المعارك.
ولكن، في المقابل، فإن المقاومة الفلسطينية ابتكرت. فلم تشهد أي حرب سابقة انتحال صفة جهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، وإرسال رسائل نصية للإسرائيليين عبره، وحثهم على تداول تلك الرسائل.. بالاضافة إلى انتحال صفة قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، والسيطرة على صفحات "فايسبوك"، لاستخدامها في ايصال رسائل إلى مئات الآلاف من الإسرائيليين.