| 

تقدّم هذه المشاهدات الواردة في مذكّرات الجنديّ البريطانيّ آرثر لين نموذجًا مصغّرًا قابلًا للتعميم عن التكتيكات والوسائل التي اتّبعها الجيش البريطانيّ في جهوده الحربيّة الرامية لإنهاء الثورة الفلسطينيّة الكبرى على امتداد الأعوام 1936 - 1939، والتي كان سحقها الوحشيّ مقدّمة لازمة لولاها لما كانت نكبة العام 1948 بالشكل والكمّ اللذين كانت عليهما، ولربّما ما كانت من الأساس.

تلاحم المتناقضات المركّبة

لا يستقيم أيّ فهم لروافد الاستفحال الصهيونيّ على أرض فلسطين وما تلاه من نكبة وتهجير، من دون التمعّن في ثورة 1936 الكبرى ومسبّباتها والنتائج التي انتهت إليها. إذ كانت السنوات ما بين 1936 - 1939 المداد الزمني الذي أتمّت فيه بريطانيا تثبيت الوجود اليهوديّ في فلسطين؛ حيث وصلت الهجرة اليهوديّة إلى ذروتها، وانكبّت الحركة الصهيونيّة على إحكام سيطرتها على مكامن الاقتصاد في فلسطين، وشرعت في عمليات تصنيع حربي وتجنيد للمتعاونين ومدّ لشبكات الطرق على نطاق واسع.
ومن بين كتابات كثيرة، يبرز تحليل غسّان كنفاني، بما احتواه من إضاءات اجتماعيّة واقتصاديّة باعتباره الأقدر على الامساك باللحظة التاريخيّة التي سبقت اندلاع الثورة. ولقد دعّم هذا التحليل مساهماتٌ لاحقة لباحثين كثيرين أكّدوا، في ظلّ طرد شرائح واسعة من الفلاحين من أراضيهم ولجوئهم إلى حيفا ويافا، على مركزيّة العامل الاقتصادي في نشأة الهبّة الشعبية التي سرعان ما تحوّلت إلى ثورة وطنيّة.
كانت فلسطين حالة نادرة ينشأ فيها، بسرعة مهولة وماهيّة سرطانيّة، مجتمع صناعيّ رأسمالي يهوديّ على تخوم مجتمع فلسطينيّ زراعي في سواده الأعظم. ولمّا كان الاستعمار البريطانيّ قد فضّل التحالف مع الحركة الصهيونيّة، وغابت البرجوازيّة الوطنيّة الفلسطينيّة التي أعيقت عمليات تشكلها بفعل نموّ الماكينة الصهيونيّة، فإن القيادة العربية الإقطاعيّة اضطرت تحت وقع احساسها بالغبن إلى أداء دورٍ ثوريّ تمثّل في التحريض على العصيان المدنيّ والإضرابات بغية الحصول على موقع أفضل تحت سقف انتداب «الحليفة» بريطانيا.
ردّ تقريرُ «لجنة بيل الملكيّة» التي تشكلت بعد اندلاع الثورة أشهَرَ أسباب اندلاعها إلى رغبة العرب الفلسطينيين في نيل الاستقلال، وقد ثبّت الصبغة القوميّة للثورة حقيقة أنها كانت، في معظمها، ثورة فلاحين جانبت الحركات النقابية العربيّة المتضائلة النفوذ، بالإضافة إلى رفض الشعب العربي الفلسطينيّ إنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين.
وبعد رضوخ اللجنة العربيّة العليا التي ترأسها الحاج أمين الحسيني لرغبة «أصحاب الجلالة والسمو من ملوك العرب» وقرارها إنهاء إضراب الستة أشهر ، وهو الإضراب الجماعيّ الأطول في تاريخ حركات التحرّر، بدأت الثورة تعيد موضعة نفسها وتتمدد أفقيًا وتنتقل، تدريجيًا، من المدن الفلسطينيّة إلى مختلف أركان فلسطين الريفيّة المليئة بفلاحين غاضبين من إفقارهم المنظّم وعمال فقدوا وظائفهم نتيجة الإحلال اليهوديّ والانحدار الحادّ في الأنشطة الاقتصاديّة العربيّة.
وما أن انتفت فترة الهدوء النسبيّ ما بين تشرين الأول / أكتوبر 1936 وأيلول / سبتمبر 1937 باغتيال مفوض منطقة الجليل البريطانيّ لويس أندروس، حتى انعتقت الثورة من محدّداتها الأوليّة، لأسبابٍ ذاتيّة وخارجيّة، وصارت لها ديناميّتها الخاصّة القائمة، بالدرجة الأولى، على الكوادر التنظيميّة والمثقفين والفلاحين الفلسطينيين، وبدأت فترة المدّ الثوريّ المسلّح (1937 - 1938)، الذي واجهته بريطانيا بمنظومة عنف وعقاب جماعيّ وقصف جوّي وعشرات آلاف الجنود.

حرب العصابات

على الرغم من افتقادهم القيادة الموحّدة وتضافر توليفة من العوامل الداخلية والخارجيّة ضدّهم، إلّا أنّ الأداء المسلّح للثوّار كان مميزًا وقادرًا على إرباك المنظومة الأمنية البريطانيّة التي ارتفعت النفقات التي تتكبدها بسبب الثورة من 826 ألف جنيه في العام 1935 إلى أكثر من مليوني جنيه في العام التالي، واستمرّت بالزيادة على امتداد سنوات الثورة. ساعد على ذلك اتّباع الثوّار أساليب الهجمات الخاطفة والتنقل في مجموعات محدودة العدد وتمتّعهم بالدعم الشعبيّ الجارف. ومع نهاية العام 1937، بدأ البريطانيون يشعرون بأنهم يواجهون «عدوًا غير مرئيّ».
أورد تقرير الحكومة البريطانيّة لإدارة فلسطين والأردن للعام 1937 أكثر من 300 «حادثة تخريبيّة» استهدفت، بالدرجة الأولى، المصالح البريطانيّة والصهيونيّة على امتداد مساحة فلسطين. استمرت هذه الهجمات الثوريّة في العام 1938، وراح ضحيّتها في هذا العام وحده، بحسب تقارير الإدارية الكولونياليّة، أكثر من 77 جنديّاً بريطانياً.
حاول الثوّار إحداث أضرارٍ بالبنى التحتيّة للإدارة البريطانية والحركة الصهيونية النامية، واستهدفوا، إلى المستعمرات اليهوديّة، خطوط النفط وسكك الحديد وأفراد الإدارة المدنيّة والمتعاونين مع السلطات البريطانيّة. كما خاضوا معارك واجهوا فيها، بشكلٍ مباشر، الجيش البريطانيّ في كثيرٍ من قرى فلسطين وبلداتها، وتمكّنوا في شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام 1938 من تحرير البلدة القديمة في القدس وإحكام السيطرة عليها لمدة خمسة أيام متواصلة.
ومع حلول العام 1939، واستشهاد معظم القادة الميدانيين للثورة، وقد برز من بينهم اسم عبد الرحيم الحاج محمّد الذي استشهد في آذار من العام المذكور، بدأ المد الثوريّ بالانحسار تحت وطأة التوحّش البريطانيّ والعوامل المتكافلة ضدّ الثورة، من شحّ المعونات العربيّة وتآمر نظام إمارة شرق الأردن وإنشاء سياج فاصل على حدود فلسطين مع سوريا ولبنان. ومع اندلاع الحرب العالميّة الثانية، أضحت الثورة الفلسطينيّة الكبرى التي قدّم فيها الشعب الفلسطيني أكثر من خمسة آلاف شهيد بحكم المنتهية.

دمّر فلسطين من دمّر برلين

تشترك معظم المراجع الإنكليزيّة والعبريّة في إرجاع أسباب هزيمة الثورة الفلسطينيّة الكبرى إلى غياب القيادة الموحّدة، وضعف التنسيق، والدور الذي أدّته الأنظمة العربيّة المحيطة. وعلى الرغم من وجود شيء من الصحّة في الأسباب الآنفة الذكر، إلّا أنّ البحث في تفاصيل الثورة على الأرض لا بد أن يَخلُص إلى أنّ هذه العوامل ليست سوى هامش نشط لعلّة رئيسية هي القرار البريطانيّ بسحق الثورة مهما كانت التكاليف.
بدأ هذا القرار بالتبلور على الأرض في المرحلة الثانية من الثورة (أيلول/سبتمبر 1937 - أيلول/سبتمبر 1939) بعد حظر اللجنة العربيّة العليا واعتقال معظم قيادييها ونفيهم. شرعت الحكومة البريطانيّة في إحداث تغييرات جذريّة في شخوص وسياسات إدارتها الكولونيّالية لفلسطين والتي كان على رأسها قرار لندن نقل دفّة القيادة من يد الإدارة المدنية إلى يد جنرالات وضبّاط الجيش البريطانيّ الذين طبّقوا، بلا تردد، خططًًا عسكريّة كانوا قد استعملوها في قمع تمرّدات في العراق وجنوب الهند وكينيا وشبه جزيرة ملايو.
صدر في أواخر العام 1936 قرارٌ باستجلاب الضّابط أورد وينغيت إلى فلسطين بعد انتهاء خدمته في السودان. وبمجرّد وصوله إلى فلسطين، شكّل وينغيت، وهو صهيونيّ متحمّس، قوّات مسلحة خاصة وقدم الدعم والتدريب لقوّات «الهاغناه»، ما دفع بلفيفٍ من المؤرخين إلى اعتباره المؤسس الفعليّ للجيش الإسرائيليّ.
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام 1937، دفعت حكومة لندن بالسير تشارلز تيغيت إلى فلسطين ليخدم في منصب مستشار لشؤون الإرهاب. شرع تيغيت، الذي خدم سابقًا في البنغال، في تقسيم القرى الفلسطينيّة إلى قرى «خيّرة» وأخرى «شريرة» وأمر بإنشاء السياج الفاصل على حدود فلسطين مع سوريا ولبنان، كما وشكّل دوريات مراقبة مسلّحة لهذه الحدود، واستورد كلابًا مدرّبة من جنوب أفريقيا.
استمرّت هذه التغييرات في شخوص الجيش البريطاني وأعداده وعتاده في فلسطين باستمرار الثورة، ووصل عدد الجنود البريطانيين في فلسطين في نهاية العام 1938، بعد استجلاب فرقة كاملة، إلى أكثر من 20,000 جنديّ بريطاني. كما قاد عمليات القصف الجويّ ضد الثورة السير آرثر هاريس، وهو المعروف في صفوف الجيش باسم «هاريس - القنبلة»، والذي قاد لاحقًا عمليات تدمير المدن الألمانية من الجو في الحرب العالميّة الثانية.
ترافق هذا المجهود الحربيّ مع تعديلات في طبيعة القوانين الحاكمة للتواجد البريطانيّ في فلسطين. وعلى الرغم من أن الأحكام العرفيّة لم تعلن بشكل رسميّ، إلّا أن واحدة من أكثر حالات القوانين الاستعماريّة توحشًا وشذوذًا اتبعت لتوفير الغطاء لعمليات سحق الثورة.
أحد هذه التعديلات كان إصدار «قانون الدفاع في فلسطين» في العام 1937 الذي أسّس للمحاكم العسكريّة، وحظر الصحف، وفرض الضرائب الجماعيّة، والاعتقال بلا مذكّرة، والعقاب الجماعيّ كإجراء وقائيّ. وهي كلّها إجراءات يتبعها بحذافيرها اليوم الجيش الإسرائيليّ. ومع نهاية الثورة، كان الجيش البريطاني قد هدم بشكل كامل أكثر من ألفي منزل فلسطينيّ في حوادث شملت الحرق التام لقرى بأسرها.

حدث مؤسس للمقاومة

كانت ثورة فلسطين الكبرى انفجارًا شعبيًا سعى للانعتاق من منظومات القهر المركّبة المفروضة عليه. وعلى الرغم من الهزيمة التي منيت بها الثورة، والتي مهّدت لنكبة فلسطين وما رافقها من خسارات كبرى، إلّا أن ثورة الثلاثينيّات كانت تحولاً نوعيًا قدّم القاعدة التي ارتكزت عليها ثورات وانتفاضات لاحقة. فإلى مساهمتها في تشكيل الهويّة الجمعيّة، ورفعها مستوى الوعيّ السياسيّ لدى الجماهير الفلسطينيّة، خدمت الثورة، ولا تزال، كحدثٍ مؤسس لثقافة المقاومة عند الشعب الفلسطينيّ. كانت ثورة فلسطين الكبرى، بهذا المعنى، ضربة معول في جدار ما زال قائمًا؛ لكنه مثل كلّ جدار، يملك حدّاً معينًا من التحمّل قبل السقوط.
أسّست هذه الثورة لثقافة لا تزال تتربّص بالمشروع الصهيونيّ إلى هذا اليوم. وعلى الرغم من سحقها عسكريًا، إلّا أنّ مفاهيم هذه الثورة قد تجذرت في الوعي الجمعيّ الفلسطينيّ بانعكاساتها في الشعر والأهزوجة. ففي الثورة الكبرى، غنّى الفلسطينيّون للمرة الأولى: «طلّت البارودة والسبع ما طل»، و «يا عربي يا ابن المجرودة، بيع إمّك واشتري بارودة»، وغيرها من الأهازيج والمواويل التي لا تزال مسموعة إلى اليوم.
وفي البارودة، بمعناها الماديّ والرمزيّ، يكمن الموقع الأمثل لاستحضار هذه الثورة والتمعّن في تفاصيلها وتحليل سياقاتها. ولمّا كانت مشاريع المقاومة ضدّ الوجود الصهيونيّ على أرض فلسطين لم تصل بعد إلى غايتها، فإنّ ثورة فلسطين الكبرى ليست مزارًا للحنين، ولا نموذجًا يمكن إسقاطه بحرفيته على الحاضر. إنّها، بشكل رئيسي، طلقة تستند إليها طلقات أخرى في مخزن البارودة.