| 

لمّا حرم الاحتلال الأسرى من حريّتهم، اخترعوا السبل بالتواطؤ مع زوجاتهم وعائلاتهم ليؤسسوا عائلات، ويكون لهم أبناء وبنات، كأنهم في الحرية، كأنهم في فلسطين وليس في سجن إسرائيل. ما يزيد عن خمسة آلاف أسير فلسطيني مقيّدين في السجون الإسرائيلية، لكن مجموعة صغيرة منهم، بضع عشرات أو أقل، اخترعت الطريق، وهرّبت النطف وكان لأسراها، بعد تسعة أشهر، طفل أو طفلة. ولأن الذرية كانت نطفاً أسيرة وأصبحت روحاً شبه حرّة، حُمّلت لقب "سفراء الحرية".

تهريب النطف من السجون أثار غضب مصلحة السجون الاسرائيلية. بدأ عناصرها بتحقيقٍ حول كيفية انجاز عملية تهريب حيوانات الأسرى المنوية إلى زوجاتهم. وقد بدأ التحقيق لمّا سلّط الإعلام المحلي والعربي، وحتى الإسرائيلي، الضوء على ولادة أطفال النطف. قبلها، ما كانوا يعرفون. لكن التحقيق لم يكن أقصى رد الفعل. كان مجرد خطوة أولية. وهذه قصة تدلّ على القصص، وقد جرت بعد مرور أسبوعين على ولادة الطفل مجد عبد الكريم الريماوي، لمّا أخذته والدته ليزور والده في الأسر. فهناك، أخذت الأمور منحى آخر.

مجد يربك الجنود

ليديا الريماوي هي زوجة الأسير عبد الكريم، من قرية بيت ريما، وهو محكوم بالسجن 25 عاماً. تروي ليديا لـ"السفير" ما حدث معها في الزيارة الأولى التي أجرتها لزوجها في الأسر، بعدما أنجبت طفلها مجد: "بعد أسبوعين من ولادة مجد، ذهبنا لزيارة عبد الكريم في سجن نفحة الإسرائيلي. الأمور في البداية كانت ميسرة، لكن عند وصولنا إلى المحطة الأخيرة في سجن نفحة، وبعدما نادوا على اسم عبد الكريم في الفوج الذي يجب أن يدخل للزيارة، رأوا مجد بين يدي. سألني الجندي: طفل من هذا؟ أجبته: طفل عبد الكريم، فرد عليّ قائلاً: مستحيل، أنا أعلم أن عبد الكريم مسجون لدينا منذ 12 عاماً وليست لديه سوى ابنة، فكيف يمكن أن ينجب طفلاً وهو في الأسر؟".
بدأ الجنود بالتوافد إلى الساحة التي يتواجد فيها أهالي الأسرى ليروا طفل الأسير، ويشاهدوا بأم عينهم ما سمعوه. وراح كلّ جنديّ يقترب من ليديا ويكشف الغطاء عن مجد ليتأكدوا من أن الماثل بين يديها طفل وليس لعبة.
ابن الأسبوعين شكّل صاعقة لجنود مصلحة سجون الاحتلال. فمجد الريماوي كان الطفل الثاني الذي أنجب عن طريق تهريب النطف من مجموع 17 طفلاً تكوّنوا على هذا النحو، من بينهم طفلان ولدا في غزّة. وكان من المقرّر أن تزور ليديا زوجها عبد الكريم في أول فوجٍ للزيارة، لكن، بعدما علموا بوجود طفلٍ لأسيرٍ
فلسطينيّ قرّروا أن يحرموها من الزيارة. وبقي عبد الكريم ينتظر زوجته وابنته رند في وقت الزيارة، غير مدركٍ لما يحدث في الخارج.
تقول ليديا: "شعرت بفرحة عارمة عندما رأيت خوف الجنود الاسرائيليين وارتباكهم بسبب وجود مجد في السجن. لم أبك رغم كل الاجراءات التي مورست بحقنا، وإنما شعرت بالفخر، بأنني استطعت أن أحصل على أبسط حقوقي كزوجة أسير، وأن أنجب طفلاً وأرى عائلتي تكبر. وشعرت بفخرٍ أكبر عندما رأيت تعابير وجوههم تدلّ على الهزيمة، مجد استطاع أن يكسر إرادة السجّان الإسرائيلي".

"الصليب الأحمر" يطلب فحص DNA

فور إعلام "الصليب الأحمر" بوجود طفلٍ حديث الولادة لأسيرٍ فلسطينيّ، وفد العاملون فيه سريعاً إلى سجن نفحة وراحوا يسائلون ليديا عن الكيفية. طُلب منها إجراء فحص الحمض النووي (DNA) للتأكد من أن مجد هو فعلاً طفل الأسير عبد الكريم. لكن ليديا رفضت الطلب. في المقابل، بدأت مصلحة السجون الإسرائيلية التحقيق مع عبد الكريم عن كيفية تهريبه الحيوانات المنوية رغم تلك الاجراءات المشدّدة في الزيارة، بينما عائلته تنتظر في الخارج، وفي ظل استمرار دخول وخروج أفواج عائلات الأسرى لزيارة أسراهم.
تقول ليديا: "أثناء التحقيق مع عبد الكريم، كان الصليب الأحمر يخرج إلي ويقول ان عبد الكريم موافق على أن أجري فحص DNA وسيُسمح لي بزيارته في حال موافقتي على الفحص". لكن الصليب الأحمر كان ينقل من الكلام عكس ما كان يقوله عبد الكريم. وهي شعرت بذلك، كانت تعرف أن عبد الكريم لم يوافق على الفحص. شكّت ليديا في كلام "الصليب الأحمر" إذاً، وبقيت على موقفها الرافض. وبعدما اصطدم "الصليب الأحمر" بتعنّت عبد الكريم وزوجته، سمح لها وحدها بزيارة زوجها لخمس دقائق فقط، بينما بقيت ابنته رند وابنه مجد في الخارج. في تلك الدقائق القصيرة، سألت ليديا عبد الكريم سؤالاً واحد: "هل تريد أن أجري هذا الفحص؟"، فأجابها والدموع تملأ عينيه لعدم قدرته على رؤية ابنه: "لا".

يراه كل ثلاثاء، على الشاشة

بعد هذا الظهور لطفلٍ وُلِد عن طريق تهريب الحيوانات المنوية من داخل الأسر، وبعدما أصبحت مصلحة السجون الإسرائيلية والصليب الأحمر في مأزقٍ مخرجه ليس بديهياً، خاصة بعد تعنّت عبد الكريم وزوجته وعدم رضوخهما لمطلب إجراء فحص DNA، كان اللجوء إلى المحكمة الاسرائيلية لتكون صاحبة القول في المسألة.
استمرت القضية لثمانية أشهر. بدأت أولى جلسات المحكمة في شهر آب / أغسطس 2013، وتم تأجيلها. واستمر عقد الجلسات وتأجيلها، بينما يتمّ تزويد المحكمة بأوراقٍ تثبت أن مجد هو طفل الأسير عبد الكريم الريماوي، كشهادة ميلاده وشهادة من "مركز رزان لعلاج العقم وأطفال الأنابيب" حيث قامت ليديا بزراعة الأجنة.
استمرت القضية، ولم يسمح خلالها لمجد بزيارة والده. ولم يتمكن عبد الكريم من رؤية طفله الذي أبصر النور بعد 12 عاماً من الأسر عن طريق التهريب، لكنه استطاع أن يراه عبر شاشات التلفزيون. إذ كانت ليديا تشارك، كل ثلاثاء، في الاعتصام الأسبوعي لأهالي الأسرى أمام مقرّ "الصليب الأحمر" في مدينة البيرة. وكانت وسائل الإعلام تغطي الاعتصام، ما مكّن عبد الكريم من رؤية طفله. وقد رآه أيضاً في الصور التي يُسمح بإدخالها إلى الأسرى خلال الزيارة.

العائلات تراقب التتمات

صدر حكم القضية في شهر نيسان/أبريل الماضي. تشرح المحامية عبير بكر، التي تولت قضية عبد الكريم، لـ"السفير" الحكم. تقول ان المحكمة الإسرائيلية حكمت على الأسير عبد الكريم بدفع غرامةٍ مالية قدرها 5000 شيكل لمخالفته القانون، بالإضافة إلى عقابه مدة شهرين يمنع خلالها من تلقي زيارة عائلته، بسبب تزويده المحكمة بمعلومات غير صحيحة. لكن العقاب تجدّد مفعوله ثلاث مرات، وكان من المفترض أن ينتهي في 30-9-2014. إلا ان الثلاثين من أيلول قد حلّ من دون حق الزيارة. تقول المحامية لـ"السفير": "تم تخفيف العديد من العقوبات التي اتخذت بحقه لكن تم تمديد عقابه من الزيارة حتى شهر 03/2015، وقالوا لها أنه ممنوع من زيارة الأولاد والزوجة حتى التاريخ المذكور". لكن المحامية ستقدذم التماساً لإلغاء القرار أو تخفيض المدة.
وما قصة "تزويد المحكمة بمعلومات غير صحيحة"؟، وهل اعترفت المحكمة بمجد؟ توضح المحامية بكر أن المحكمة في البداية رفضت الاعتراف بالطفل بحجة أن مجد ليس ابن الأسير عبد الكريم. ولكن، بعدما اعترف عبد الكريم أمام المحكمة بأنه قام فعلاً بتهريب عينة خلال فترة أسره، وليس قبل أن يسجن مثلما كان يقول سابقاً، اعترفت المحكمة بوجود مجد. لكنها، رغم ذلك، لم تسمح له بزيارة والده في السجن طيلة فترة حكمه المتبقية، وهو ما دفع بالمحامية إلى تجديد الإجراءات القانونية. وهي تؤكد أنها مستمرة في القضية حتى يسمح لمجد بزيارة والده.
وبينما أصحاب الشأن يتابعون القضية، كانت زوجات الأسرى السبع عشرة يتعرّفن إلى ما ينتظرهن. الزوجات يواكبن ليديا، ابتداءً من الزيارة الأولى وحتى انتهاء المحكمة، يتمنين أن يربح عبد الكريم ومجد القضية، سيقمن باصطحاب أطفالهن إلى السجن لو حصل ذلك، وفي حال اصطدمن بمصلحة السجون، ستكون المحكمة هي الفاصل.
تقول والدة الأسير رأفت القروي أنها ستستمر في متابعة تطورات فترة العقاب لترى ما إذا ستسمح المحكمة لمجد بزيارة والده. ولو حصل ذلك، ستقوم هي وزوجة ابنها باصطحاب الطفل عامر الذي ولد أيضاً عن طريق تهريب الحيوانات المنوية إلى السجن ليراه رأفت. وفي حال رفضت مصلحة السجون إدخال الطفل، سترفعان القضية في المحكمة الإسرائيلية.
حكاية سفراء الحرية هذه لم تنته بعد. فزوجات الأسرى سينجبنّ المزيد منهم، وزوجات الاسرى سيهرّبن المزيد من الحيوانات المنوية. وهو ما أكّد/ت حصوله راهناً متحدّث/ة باسم "مركز رزان لعلاج العقم وأطفال الأنابيب" لـ"السفير". فهذا المركز يتيح لزوجات الأسرى الاستفادة من هذه العينات المجمّدة لعشر سنوات تولد خلالها حياة جديدة من خلف قضبان السجّان.