| 

في حوار بينهما عبر "إنبوكس" الفايسبوك، هذه المساحة التي تتحول إلى غرف حياة حقيقية يوماً بعد يوم، سألته يوماً، وهي تجلس أمام شاشة الكمبيوتر في غرفتها في عكّا وهو يجلس، مثلها تماماً، في القاهرة: "من زمان، لما كانت الناس تسافر، وصدفة يحبوا اتنين بعضهن في بلد غريبة، خلال زيارة سياحية، وبعدين يرجع كل واحد منهن على بلده، كيف كانوا يضلهن على تواصل؟ يكملوا يحبوا بعض؟ وفي كتير من المرات، ينجحوا يعملوا عيلة سوا.. قبل ما يكون في إنترنت وهواتف ذكية". فأجابها على الفور، هي التي كانت تعتقد بأن سؤالاً كهذا يحتاج إلى تفكير وفلسفة: "لأن وقتها كانت الناس تسافر عند بعضها من دون فيزا. ومكنش في حدود اتحطت بيناتهم".
في هذا التقرير، سيبدو الحديث موجهاً للنساء، لكن أرجو اعتباره موجهاً لكل الهويات الجنسية. وعموماً، سيتطرق هذا التقرير إلى قصص عاطفية تُحكى على ألسنة نساء فلسطينيات. أضف إلى أنه يرتكز على الداخل الفلسطيني. لكن، وبرغم خصوصيته، فإن قصص الحبّ عبر المسافات تحدث في كلّ مكان، ولكل مكان قصصه.


ما قبل عصر الإنترنت، وما بعد فرض الحدود على المنطقة، نشأت بالتأكيد علاقات عاطفية كثيرة، منها التي نجحت ومنها التي تعرقلت، ما بين أزواجٍ، أحدهما وُلد/ت ويعيش/ تعيش في الأراضي المحتلة العام 1948، والثاني/ة من بلد عربي آخر، غالباً ما يكون بلداً عربياً يقع ما بين صعوبة واستحالة دخول ابن/ابنة الداخل الفلسطيني إليه أو الإقامة فيه. وتتراوح الصعوبة وفقاً للظروف والاتفاقات السياسية التي تحكم حياة أبناء الداخل المحتلّ، بسبب الاستعمار الإسرائيلي وجوازات سفره التي يحملها/ تحملها كل من وُلد/ وُلدت في الأراضي المحتلة العام 1948، فإما هو ممنوع من بلد عربي ما، أو يحتاج إلى تأشيرة دخول.
هذا الواقع السياسي لم يتغيّر (وفي أحيان كثيرة كان يزداد سوءاً)، حتى دخول الإنترنت إلى بيوتنا. فإنّ لم يتعرف اثنان على بعضهما البعض عبر الإنترنت، يبقى الإنترنت وسيلة لتسهيل سيرورة العلاقات العاطفية التي نشأت في الواقع لتجعل التتمات "افتراضية". فكيف تجنح علاقة ما بين فلسطينية ومصري؟ وبين فلسطينية وسوري؟ وفلسطيني وتونسية؟ وفلسطينية ولبناني؟ وفلسطينية من الداخل وفلسطيني لاجئ يعيش في السعودية مثلاً؟ وحتى مع فلسطيني وفلسطينية من الأراضي المحتلة العام 1967؟ كلّها علاقات حبّ طبيعية، بدأت واستمرت لوجود الحبّ وتحدّت الاستعمار والحدود والأنظمة وتأشيرات الدخول، وبعض منها انتهى بسبب كلّ هذه العوامل "الخارجية"، وغيرها انتهت لأسباب لا علاقة بهذه العوامل، كأي علاقة بين شخصين يعيشان مسافة 10 دقائق سيراً على الأقدام بينهما.


يا نساء، فلنتحدث!

عملية حسابية بسيطة توضح قلّة الخيارات. إنّ عدد الفلسطينيين/ات في الأراضي المحتلة العام 1948 يصل إلى مليون ونصف فلسطيني/ة، نسبة 35 في المئة منهم من جيل الشباب، تتراوح أعمارهم ما بين 18 و30 عاماً، بحيث يقارب عدد هذه الشريحة العمرية حوالي 53,500 إنسان. وهو الجيل الذي يشهد أساساً معظم العلاقات العاطفية. وقد بات من "الطبيعي" لدى الغالبية بين هؤلاء الفلسطينيين/ات في الداخل، أن يتم التعارف والارتباط بين سكان هذه البقعة المحتلة من الأرض. لكنها بقعة يعيش فيها عدد محدد من الفلسطينيين/ات، وهو عدد صغير جداً إذا ذكر أمام مصريّ مثلاً. فسيقارنه على الفور مع عدد سكان أي حيّ مصري صغير، وقد قيل لي مرة بأن عدد الفلسطينيين/ات في العالم يساوي عدد سكّان "شبرا" في القاهرة!
المشهد كالآتي، إذاً:
أنت تولدين في الأراضي المحتلة في العام 1948، في قرية أو مدينة. وحتى سنّ معينة، يكون مسقط رأسك هو العالم كلّه. من ثم تنهين مرحلة الثانوية في المدرسة، كثيراً ما نقضي عاماً بعد المدرسة في العمل لنجمع قليلاً من النقود لتغطية كلفة الدراسة في مؤسسة عُليا. تذهبين إلى الجامعة أو الكلية، غالباً في مدينة غير تلك التي وُلدتِ فيها. هناك، تتعرفين إلى مجموعات أكبر من الناس، وكلمة "أكبر" هي كلمة نسبية متعلقة بعدد الفلسطينيين/ات في الداخل. قد تنشأ العلاقات العاطفية في فترة الدراسة الجامعية، قسم منها يستمر وقسم منها ينهار. وإذا لم تستمر، وإذا لم تكن لك علاقة عاطفية، فإنك فجأةً تنتبهين إلى أنك تمارسين بشكل فعلي فكرة الحياة داخل "صندوق". أنتِ في مكانك الطبيعي وسط غرباء مستعمرين، عدد الشباب والشابات الفلسطينيين حوالي 53,000، قسم منهم مرتبط ولديه علاقات مستقرة، أغلبية شعبك لاجئ عن وطنه ومشتت في العالم (هناك فانتازيا تاريخية لأبناء وبنات الأرض المحتلة، عن يوم عودة اللاجئين إلى فلسطين، مربوطة أيضاً بالعدد الهائل من احتمالات الحبّ التي ستملأ الأرض المنكوبة بعد العودة)، الحدود مغلقة بتاتاً من الجهات كافة، عدا عن جهة واحدة يحتاج عبور حدودها إلى "فيزا"، وجهة أخرى السفر إليها مكلف والحياة فيها باهظة الثمن.. آه، كي لا ننسى، هناك "أزمة" إضافية: يجب أن يكون اختيارك لشريك حياتك في الداخل منوطاً أيضاً بدينك ودينه! لكن هذه معركة أخرى، ستحتاج إلى تقرير مطول آخر.
هنا، عند هذه النقطة، يصبح الإبحار داخل الإنترنت يشبه زيارة لمدة أسبوع إلى أي بلد عربي. الإسكندرية، تونس، الرباط، عمّان، ولمن يحالفه الحظ ويزور بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء وغيرها.. هذا الإبحار الذي حوّل العالم إلى قرية صغيرة، وضع فلسطينيي الداخل المحتلّ أمام دهشة سعيدة: "ياه! هالقد في فرص للحبّ؟!".
أتاح الإنترنت علاقات حبّ عديدة، كأي مساحة تواصل في العالم، منها علاقات قصيرة وسريعة ومنها الطويلة والمستمرة والناجحة. وفي سياق الداخل الفلسطيني، قدم الإنترنت فرصاً عديدة، سواء على مستوى التعارف الأولي أو على مستوى سيرورة بناء علاقة عاطفية، على الرغم من كلّ ما في هذه السيرورة والعلاقات من صعوبات وأحياناً استحالات، بحكم وجود الاستعمار وجوازات سفره وصعوبات السفر إلى "بلد المحبوب" والأنظمة.. إلا أن في عدد من قصص الحب هذه، وكما الأفلام الجميلة، انتصر الحبّ بطبيعية كاملة على الظروف غير الطبيعية، سواءً السياسية وحتى الإنسانية منها، كتلك الحاجة لأن تبكي الحبيبة على كتف حبيبها، لولا أنهما بعيدان مسافة خمسمئة دولار وتأشيرة دخول!


اختراق سوريا.. بالحب


على الرغم من أنّ صعوبات هذا العالم تزداد يوماً بعد يوم، وعلى الرغم من صعوبة خوض علاقة عاطفية عن بُعد ومسافات وحدود، إلا أنّ القصص نسبية كذلك. يعني، تكون العلاقة ما بين فلسطيني من الداخل وأردنية أسهل، بل وقابلة للتحقيق، عند مقارنتها مع علاقة بين فلسطينية – من الداخل أيضاً – وسوري! لكن، نصال (فلسطينية) ومالك (سوري) نجحا في تحقيق حلمهما.
قبل أن يلتقيا وجهاً لوجه، تعرفا إلى بعضيهما عبر "فايسبوك". كانا مجرد صديقين بلا أي نيّة أو توقع لأن يعيشا قصة حبّ يوماً ماً، ولم تخطر حتى لهما مثل هذه الفكرة.. فلسطينية من الداخل وسوري، وين بدّهن يحبّوا بعض؟
بعد الثورة السورية، أي بعد صداقتهما التي دامت ثلاث سنوات، لجأ مالك إلى الأردن. وفي إحدى زيارات نصال إلى هُناك، عرفت من صديق مشترك أن مالك موجود في مخيم للاجئين السوريين، فقررت نصال أن ترافق صديقهما إلى المخيم. عند مدخل المخيم، أخذوا من نصال جواز سفرها، وبسببه، استجوبوها حول معرفتها بهِ. تعاملوا معها على أنها "إسرائيلية" بسبب جواز السفر. ومنذ لحظة لقائهما الأولى، قالت لنا نصال في حديث خاص: "تحرّك إشي جواتي، وحسيت إنه رح يكون إشي كبير بحياتي".
تحدثت نصال عن خوفها الذي تزامن مع بداية العلاقة، وهو مرهون بالمسافات وكذلك صعوبة تحقيق الحياة المشتركة. أضف إلى مواجهة الأهل عند البداية، بسبب العواقب العديدة ذاتها: "سوريا تعيش ثورة وحرب، وهو لاجئ منها وعاش في الأردن، ومكناش نعرف وقتها إذا رح يقدر ينتقل ويعيش في أوروبا"، تقول نصال.
اقتناعها بالحبّ والحرب من أجله وإيمانها بالشخص، قادا مسار العلاقة كلّها، حتى في ظلّ تساؤلات المجتمع من حولها والتعامل غير الجدي مع علاقتهما أحياناً. فكانت تصطدم دوماً بالسؤال: "شو عم تتهبلي؟"، إلا أن نصال ومالك تزوجا في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2013، وعقدا قرانهما بداية عبر السكايب، حين كانت هي في فلسطين وهو في أوروبا. ومن ثم انتقلت للعيش معه هُناك. عن تلك الفترة، تقول: "قبل أيام، اطلعت عليه وبكيت، وقلت لحالي إنه هياه جنبي وإحنا عايشين مع بعض، برغم قديش شفنا العلاقة صعبة بالأول".
تعيش في قلب نصال اليوم، برغم الحبّ والانتصار، حسرة ما، "وبقلب مالك كمان"، تقول. تشرح: "المكان منك وفيكي، ورح يظل وجع إني مش بفلسطين. ووجعنا الأكبر اليوم إنه لا فينا نعيش بفلسطين ولا بسوريا. كمان النقمة على الاحتلال بتزيد كل يوم، هو اللي حطنا بهاد المكان".


مصر التي في قلبي


تعرفت غادة، ابنة الجليل، على حبيبها المصري في العام 2000، أي أنهما يعيشان في علاقة عابرة للحدود منذ 14 عاماً. للوهلة الأولى، وحتى إن كنتِ تعيشين قصة حبّ عابرة للحدود، سوف يبدو عدد السنوات مفاجئاً. لكن، كما قالت لنا غادة في حديث خاص: "لما تلاقي الإنسان اللي بتحبيه، واللي بحبك مثل ما إنت، بحترمك وبدعمك وبحس فيكي كل الوقت، عشان هيك بتكملي للآخر".
في العام 2000، تعرّفت غادة على حبيبها عبر الإنترنت. حينها، لم يكن هنالك مواقع كالفايسبوك ولم تحتل الهواتف الذكية وتطبيقاتها حياتنا. كانت لا تزال "غرف التشات" الأولى والعامة هي العالم الذي يلتقي فيه الناس افتراضياً، بلا صورة أو تفاصيل خاصة، وأحياناً كثيرة بأسماء مستعارة، أي بلا هوية.
محادثات عبر التشات، فإرسال صور، فمكالمات عبر الهاتف السلكي، وبعد فترة قصيرة، طلبت غادة تأشيرة دخول إلى مصر. حصلت عليها وذهبت للقائه في الإسكندرية.. ومنذ ذلك الحين، يعيشان قصة حبّ معظمها عبر المسافات، بداية عبر الهاتف، حين كانت المكالمات مكلفة وغير مجانية، إلى أنّ جاء عصر الهواتف الذكية، بما فيه من تطبيقات كالفيسبوك والواتساب وغيرها من التي تسهل الحياة قليلاً. أما اللقاءات فهي تحدث في مصر، وبالتالي، فإن غادة هي التي تسافر إلى هُناك، تقضي فترة قصيرة ومن ثم تعود إلى حياتها وعملها في فلسطين.
خلال كل هذه السنوات، كانت أسئلة عديدة حاضرة حول استمرارية هذه العلاقة، منها أيضاً الزواج والحياة في مصر. عن ذلك، تقول غادة: "بمرحلة معينة فكرنا إنه نقدم وراق، ونعمل عقد. لما أجا يقدم الأوراق، كان لازم نروح عند محامي نسأل إذا الإشي بنفع أو لا. بالآخر ظهر إنه الهوية وجواز السفر هني المشكلة". تحدثت غادة أيضاً عن كونها إنسانة مترددة عموماً، وليس من السهل عليها أن تقدم على خطوات مصيرية متعلقة بتغيير المكان والحياة التي هي مسار بناء شخصي ومهني: "قديش سهل إنك تتركي كل إشي وتروحي على محل مش مضمونة ظروفه وتكملي بحياتك؟".
إن أكثر التفاصيل الموجعة بعلاقات الحبّ عبر المسافات، بالإضافة إلى المسافات نفسها، هو قضاء معظم العلاقة بلا مشاركة الحياة وجهاً لوجه. فتصبح المحادثات الهاتفية والرسائل النصية المساحة الوحيدة لممارسة العلاقة، وغالباً لا توفر هذه المساحة الآليات الصحية لسيرورة الحبّ. عن هذا الجانب تقول غادة: "اختلفنا كثيراً بعلاقتنا، برغم الحبّ، بس هاد الاختلاف نابع من تفاصيل بسيطة سببها المسافة، وأنه الشخص مش قدامي، وقديش مرات مشاركة وشرح أمور بتصير عملية صعبة إذا هي عن طريق التلفون لأوقات كتير طويلة".
على الرغم من أن تفاصيل كثيرة تختفي في العلاقة عبر المسافات، إلا أن العاشقين يعيشان تفاصيل أخرى لا تُعاش في علاقات المكان الواحد، هي ميزة خاصة. ومن هذه التفاصيل ما هو مرتبط بشكل خاص بالسفر، وما يحمله السفر من تجربة ومغامرة.. لكن، في قصة غادة وحبيبها، التفاصيل متعلقة أيضاً بالحصول على تأشيرة دخول إلى القاهرة. ورغم صعوبة الفكرة، إلا أنها أحياناً أسهل من السفر للقاء في مكان آخر. لكن ماذا يحدث لو رُفضت التأشيرة؟ يحدث وجع طبعاً. ومع ذلك، لم يؤثر الرفض على غادة في معركتها من أجل الحياة. فمنذ عامين لم تلتقِ بحبيبها، وكانت قد رُفضت تأشيرتها إلى مصر مرتين. لكنها مؤمنة تماماً بأنّ اللقاء سيحدث قريباً، "إلا يصير"، قالت، وتابعت: "أنا عنيدة وعندي كتير أمل، وهو اللي رابطني بالحياة".


لبنان، مسافة ساعة ونصف


القصة الأخيرة في هذا التقرير هي قصة لم تستمر. أماني من فلسطين وحبيبها من لبنان، تعرفا في "العالم الحقيقي"، وليس الافتراضي. وكان ذلك في العام 2007، ولم تكن حينها وسائل التواصل الاجتماعي قد سيطرت على الحياة اليومية. كان تواصلهما يتم عبر الهاتف أحياناً، هذا التواصل الذي يختلف قليلاً عن القصص السابقة، بحكم الظرف السياسي الخاص. فكانا يسألان – على سبيل السخرية السوداء -: "كم من جهاز مخابرات يتابع قضايانا اليومية ويشاركنا اللحظات الخاصة؟". عن ذلك، تقول أماني في حديث خاص لملحق "فلسطين": "كانت هواجس التحقيق والملاحقات حاضرة دايماً، وخصوصا إننا الإثنين ناشطين سياسياً كل واحد في بلده".
استمرت العلاقة سبع سنوات، خلالها تطورت التكنولوجيا كثيراً، وكان كل تطور يؤثر إيجاباً على علاقتهما: "كأنه انعمل عشانا خصيصاً، وبشكل خاص مرحلة الهواتف النقالة وبرامج التواصل المختلفة، مثل فايبر وواتساب والتانغو"، تقول أماني. وتضيف: "أجمل ما في هذه العلاقات برأيي، إنها تسكن مطرحاً لم تطأه يوماً، وبتصيري تعرفي الحيّ اللي بسكن فيه الحبيب، وبتروحي معه مقاهي البلد وبتمشي على شواطئه وبتلعني أزمات السير، وبتحفظي مواعيد وسائل النقل العامة، وأماكن انقطاع الإرسال، وبتابعي حوادث البلد وأخبارها المحلية، اللي ما كانت رح تلفت نظرك لو صارت بالبلد اللي إنتِ ساكنة فيه".
كانا يلتقيان مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل، في مصر أو الأردن أو اسطنبول وحتى تونس. لكن عمّان كانت هي الملجأ الأسهل، فتصف رحلتها قائلة: "كنت أطلع من قريتي في الجليل الأسفل بالسيارة، وأروح على المفرق يميناً باتجاه جسر الأردن القريب من بيسان، وقدامي حدود ونقطة تفتيش وختم جواز السفر، وكل الوقت بفكر ليش بقدرش أروح من نفس المفرق باتجاه اليسار وبعدين باتجاه الشمال لقرية اللي بحبه؟ اللي بتبعد عن قريتي يا دوب ساعة ونص".
قبل عام، انتهت علاقتهما. وعلى الرغم من ذلك، تشعر أماني بأن العلاقة استمرت "بسبب الحب لكن أيضاً بقوة وطاقة التحدي للحدود، وكمان لأنها صارت تعبر عن هويتي من جهة وعن قضيتي المركزية، أنا العربية الفلسطينية، اللي من حقي أتواصل مع كل أنواع العلاقات الإنسانية مع امتدادي العربي". وتابعت: "قدرتي على كسر أصعب الحدود، وهي الحدود النفسية اللي زرعها الاحتلال بداخلنا، من خلال محاولته لأنه يحطنا ببوتقة منفصلة، خلاني ما أهتم بالحدود الفعلية اللي بتقسم بلاد الشام وتعبر عن معنى وجود الاحتلال كعائق أمامي، بل تحولت لتحدي بأنه فلسطين تتجلى أكثر لما تنكسر هاي الحدود، ونقول إننا جزء من الأمة العربية، بجمعنا فيها علاقات إنسانية ما بتقدر لا قوانين ولا بطش ولا إجرام ولا قسوة الاحتلال إنها تمحيها وتكبلها".

قدرات غير بشرية

قبل سنوات، سألتُ صديقة فلسطينية تعيش قصة حبّ عابرة للحدود أيضاً: "كيف تنجح مثل هذه العلاقات؟"، فأجابتني: "بصعوبة. هذه العلاقات تحتاج إلى قدرة غير بشرية، ونحن بالنهاية بشر". أعتقد أن جوابها هو أصدق ما يعبّر عن علاقات الحبّ هذه. لكن، أليس كلّ ما نعيشه على هذه الأرض وفي المنطقة، من استعمار وأنظمة دكتاتورية وسلطات قامعة ومجموعات إرهابية وتكفيرية، يحتاج إلى قدرات غير بشرية كي نستمر بالحياة؟
إن العلاقات العاطفية جوهرها الحبّ، وهذه العلاقات هي انتصارنا على الاستعمار وحدوده وأعوانه.. وهي إعادة رسم للعالم وكيف عليه أن يكون، من الأمس وحتى تعود سكة الحجاز.