| 

الملثم، المقاوم، الفدائي. هذه الثلاثية الفلسطينية التي تعيش في المخيلة والذاكرة الجماعية للفلسطينيين هي عبارة عن مشروع فني متنوع يعمل عليه بتواصل واستمرار الفنان الفلسطيني التشكيلي منذر جوابرة منذ العام 2009 وحتى عامنا هذا. إذ يسعى جوابرة فنياً للبحث عن هوية الملثم وتحولاتها ما بعد الانتفاضة الأولى، وعن ذلك الملثم الأسطورة الذي شكل جزءاً من أحلام الناس في تحرير البلاد وإعادتها لأهلها.
جوابرة الذي عاش الانتفاضة الأولى (1987) بكل لحظاتها وحيثياتها، ثم مجيء السلطة بمشروع أوسلو (1993)، وهبّة النفق (1996) فانتفاضة الأقصى (2000) وصولاً إلى العدوان المتواصل منذ سنين على غزة. ثم جاء ليتساءل: "من هو الملثم؟ وأين هو الآن؟ ماذا حدث له بعد كل هذه السنوات؟".

يحاول جوابرة من خلال بحثه وتقصيه ورصده للماضي والواقع أن يجد إجابات لأسئلته تلك، بتناول العمل الفني على مراحل، بناءً على تطور الفكرة ونقلها من مستوى فني إلى آخر. وكانت المرحلة الأولى لهذا المشروع عبارة عن "أداء" (بيرفورمنس) تمثّل بأن قام جوابرة بوضع اللثام على رأسه مغطياً وجهه، والتقط 250 حجراً، وجالَ يوزعها على 250 شخصاً من مختلف الأعمار والطبقات والتوجهات في مدينة رام الله، سائلاً إياهم: "لو أعطيتك هذا الحجر، فماذا ستفعل به؟".


سؤالٌ في الشارع
يتذكّر جوابرة تجربة رام الله، ويروي عنها: "عندما نزلت بهذا الشكل إلى الشارع في العام 2009، أعطاني الناس أجوبة مختلفة، ولكن صادمة. الناس بدأت تخاف من الملثم، ربما كرد فعل على غيابه بعد الانتفاضة الأولى واتفاقية أوسلو. وربما هناك سبب آخر حديث ألا وهو الخلط بين مفهومي المقاوم والإرهابي"، ويتابع: "لقد لعب السياسيون جدياً بعد أوسلو على تحوير وتحويل مفهوم الملثم ووضعه في قوالب أخرى مثل: متضامن، ناشط، ومخرّب أيضاً. كما أن بعضهم ممن ليسوا وطنيين ويبحثون عن المجد أو الشهرة أخرجوا الملثم من إطاره الشعبي وشوّهوه".
في مرحلة ثانية، نقل جوابرة عمله إلى مكان وثقافة مغايرين، وتحديداً إلى مدينتي برلين وكولن الألمانيتين، حيث تعتبر المقاومة "إرهاباً". وأتى ذلك في محاولة من جوابرة لمعرفة ردود المارة في الشارع الألماني حول الملثم وحول الحجارة، إذ استعان حينها بحجارة من بيوت مهدمة خلال الحرب العالمية الثانية في مدينة كولن ووزعها على المارّة. عن هذه التجربة، يقول: "هناك أناس كانت تخاف من الملثم والحجر، وهناك أناس فتحت حواراً لتتعرف أكثر عن ماهيته وفكرته".

"ما كان يُعرف"
بعدما عاد منذر جوابرة إلى فلسطين، بدأ المشروع يأخذ فكرة الملثم بصفته "الإنسان"، ولكنه يختلف عن غيره من البشر بحمله للحجر أو السلاح: "فقد أردت تسليط الضوء على حياته الخاصة، وتقديمه للجمهور الفلسطيني أو غيره تحت مسمّى "ما كان يُعرف". فقدّمت الملثم بصورة الشخصية السلطوية التي تلبس لباساً رسمياً، وقدّمت الملثم الذي يلعب الورق أو النائم أو الجالس في بيت العائلة".
"ما كان يُعرف" هو معرضٌ عبارة عن 12 لوحة بطول مترين وعرض متر ونصف. الحجم مأخوذ من حجم جسم الملثم في أذهان الناس. وقد عرض في مدن فلسطينية عدّة في الضفّة الغربية والداخل المحتلّ، وعرض أيضاً في بيروت كمكانٍ آخر وخصب للملثم. كما أن بيروت تشكّل جزءاً من ذاكرة النضال الفلسطيني وجزءاً من الالتفاف حول "منظمة التحرير الفلسطينية" والفدائيين، وقد عُرض أيضاً في مخيم صبرا وشاتيلا. أما المعرض المقبل فمن المقرر أن تستضيفه "فيلا ديه زار" (فيلا الفنون) في المغرب، خلال العام المقبل.
يطمح جوابرة إلى الارتقاء بمشروعه إلى مستوى الأرشفة البصرية للملثم، عبر تسلسل سنوي يأتي كنوعٍ من المتابعة والقراءة التاريخية التي تتوافق مع الزمن وتغييراته. يقول جوابرة: "ربما ستدخل تغييرات على الملثم بعد العدوان الأخير على غزّة، فالرصد لهذا الرمز مستمر ما دامت المقاومة مستمرة كرد فعل وكفكر وقاعدة للدفاع عن فلسطين".