| 

يتميّز الأردنّ عن باقي الدول القطريّة التي انبثقت عن اتفاقية سايكس - بيكو بمميّزات أهمّها أنّ أراضيه كانت، عبر التاريخ، وجهة لعدّة هجرات متعاقبة ومتنوّعة1، وأنّ حصّة الاستعمار وآليّاته في تشكيل الهويّة الوطنيّة الأردنية - وهي في كثير من جوانبها هويّة ضديّة مرتبكة - أكبر في الأردنّ وأكثر وضوحاً منها في بلاد أخرى مثل سوريّا ولبنان والعراق.
اعتمدت المنظومة الاستعماريّة في الأردن على ركيزتين أساسيتين هما مؤسسة الجيش والمؤسسة القانونيّة، لتحقيق التنميط والسيطرة2. فأصدرت السلطات البريطانيّة في العام 1927 قانون الأجانب، ومن ثمّ قانون الجنسيّة الأردنيّة في العام اللاحق، وهو القانون الذي وفّر المادة الخام للإجابة على سؤال: "من هو الأردنيّ؟"، ورسم الحدود الجغرافيّة والمعنويّة للكيان الجديد.
الأردن: النظر في المرآة
ورثت "المملكة الأردنيّة الهاشميّة" التي أعلنت الاستقلال في العام 1946، مخلّفات إمارة شرقّ الأردن، وتبنّت، من دون إبطاء، كلّ منجزات السلطات الاستعماريّة وطرائقها في التنظيم والإخضاع، بل هي عكفت أيضاً على تأصيلها وإعطائها طابعاً تراثياً. ولقد أُتيح للجنرال كلوب باشا، قائد الفيلق العربيّ، أن يطبّق أفكاره الاستشراقيّة حول "من هو الأردنيّ؟" من خلال سياساته وإدارته، وقد كان من بينها تصميم أزياء الجنود والضبّاط التي خرجت بنكهة بدويّة.
سعت سلطات المملكة إلى إحداث تغييرات متّسقة مع إرث المشروع الاستعماري في شكل البدويّ الأردنيّ ومعناه، مع الحفاظ على المُركبّة التراثيّة لهذا البدويّ باعتباره بوصلة الأصالة وسط بحرٍ من الفلسطينيين والشركس والعراقيين والحجازيين. ومع إنجاز تعريب الجيش الأردنيّ في أوائل الخمسينيّات، اكتملت دورة الانتقال من الحالة الاستعمارية الكلاسيكيّة إلى الحالة ما بعد - الاستعماريّة، وقد تحوّل الفيلق العربيّ إلى جيش وطنيّ أردنيّ يفترض به أن يدافع عن مصالح الأمّة الأردنيّة.
جاء انتقال أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأردن بعد العامين 1948 و1967 ليزيد من ارتباك مشروع الهويّة الوطنيّة الأردنيّ طريّ العود، والذي لم يكن تعبيراً نقياً عن رؤى الشعب الأردنيّ المتنوّعة لنفسه، بل عن رؤية حصريّة لا يملك أدوات إنتاجها إلّا النظام الهاشمي. ومع انطلاق الثورة الفلسطينيّة وانتشار الفدائيين في الأردنّ، بدا واضحاً أن ثمّة مشروعين متناقضين، يحمل كلّ واحد منهما تصوراً مختلفاً عن ماهيّة الأردنّ، وعن الحيّز الذي يشغله الفلسطينيّون فيه وفي هويّته.. بدا واضحاً أنّ الصدام بينهما مسألة وقت.
تصادم المشروعان في أيلول من العام 1970 بعدما قرّر النظام الأردنيّ تتويج جهوده المتراكمة لفرض السيطرة عبر شنّ هجوم عسكريّ واسع ومتعدّد المراحل. ولقد كانت لأحداث تلك الفترة آثار حاسمة لا على صناعة الأردن فحسب، بل وعلى فلسطين والفلسطينيين داخل الأردن وخارجه.
إنّ الكيان السياسيّ الذي أقامته بريطانيا شرق نهر الأردن في العام 1921، حظي بالاستقلال في العام 1946 لكنّه لم يحظ بالتمكين، ولم يحسم أمره وينزع عن نفسه خطر التأويلات إلّا مع هزيمة المنظمات الفلسطينيّة وخروج قيادتها وكوادرها وأفكارها من عمّان إلى دمشق وبيروت، وانتهاء التهديد الذي مثّله مشروع حركة "فتح" للهويّة الفلسطينيّة والذي كان بدوره، أيضاً، مشروع هويّة ضديّة مجبولة من طين الاستعمار ومخلّفاته.
صيرورة، لا مجرّد مجزرة
نادراً ما أعطيت الأحداث التي وقعت في الأردن بين آب/ أغسطس 1970، وحزيران/يونيو 1971، حقّها من الدراسة والتحليل. أدّت عوامل عدّة دوراً في نزع الدسم السياسيّ عن تلك الأحداث، إمّا عبر تقديمها باعتبارها مجزرة لاعقلانيّة ضدّ الفلسطينيين، أو عبر نزعها من سياقها الاقتصاديّ والسياسي والاجتماعيّ التي كان لها فيه أثر نوعيّ ومستمر.
إنّ استذكار "أيلول الأسود" باعتباره حدثًا تاريخيًا، لا صيرورة مستمرّة ونقطة تحوّل، هو أحد تلك العوامل التي ساعد عليها غياب أيّ جهد تحليليّ ونقديّ موسّع داخل الأردنّ لهذا القطاع من تاريخ البلد، تحت وطأة التنامي المتعاظم لسيطرة وبطش المخابرات الأردنيّة والاعتناق الرسميّ لسياسة كنس التّاريخ تحت السجّادة.
إنّ مصطلح «أيلول الأسود» الذي تبنّته المنظمات الفلسطينيّة يحمل، في حدّ ذاته، قصوراً معرفياً ومحدوديّة زمنيّة، إذ يحيلنا المصطلح، بشكل أساسيّ، إلى الهجوم واسع النطاق الذي بدأه الجيش الأردنيّ في صبيحة السادس عشر من أيلول العام 1970 بإشراف الحكومة العسكريّة وبعد إعلان حالة الأحكام العرفيّة.
وضعت قدرات عسكريّة شملت 330 دبابة، و350 مدرّعة، و حوالي 65 ألف جنديّ أردنيّ في خدمة الهجوم الذي قاده المشير حابس المجالي والذي انحسر وارتدّ عن العاصمة عمّان، بشكل نسبيّ، بعد توقيع اتفاق القاهرة بين الملك حسين وياسر عرفات في السابع والعشرين من الشهر نفسه.
قصف الجيش الأردنيّ عمّان وسيطر على الأشرفيّة وجبل التاج ومخيمي الحسين والوحدات وخلّف وراءه، في غضون أيّام، ما بين ثلاثة وخمسة آلاف قتيل فلسطينيّ أكثر من ثلثيهم من المدنيين3. لكنّ هذا الهجوم، والذي أُصطلح على تسميته بأيلول الأسود، لم يكن إلا بداية لمشروع النظام الأردنيّ لإنهاء ازدواجيّة السلطة والشرعيّة في الأردنّ ولا نهاية له.
النظام الأردنيّ يصنع منظومته
كان النظام الأردنيّ يعمل بدأب شديد على بسط سيطرته ودمج أكبر قطاع ممكن من الشّعب الأردنيّ في قائمة المنتفعين من وجوده قبل أيلول 1970، بل وقبل وقوع ما سيجري تقديمه لاحقًا كمبررات للهجوم الموسّع ضد العمل الفدائيّ في الأردني، مثل محاولات اغتيال مفترضة للملك، أو عمليات خطف الطائرات التي قام بها وديع حداد.
ركّز النظام لهذا الغرض أوائل جهوده في مناطق جنوب الأردنّ التي كان له فيها حضور طاغٍ وأواصر اجتماعيّة ودلالات اقتصاديّة كبرى، باعتباره مشغلاً رئيسياً لقاطني الجنوب البائس تنموياً في القوّات المسلحة ومؤسسات الدولة. ولتجنّب الآثار التي قد يؤدّي إليها تفشّي العناصر غير مأمونة الجانب في بيروقراطيّة الدولة الأردنيّة، لا سيّما المؤسسات الأمنية والجيش، جرى العمل في فترة مبكّرة على خلق نظام استخبارات بديل يمكن التعويل عليه.
ولهذا الغرض، تمّ في منتصف العام 1969 تشكيل «الشعبة الخاصّة» التي ترأسّتها لجنة خماسيّة مكوّنة من الشريف ناصر بن جميل، والشريف زيد بن شاكر، والأمير نايف بن علي، ومحمّد بشير، وسعد الدين جاسم قائد الشرطة العسكريّة. أعطيت التعليمات للشعبة الخاصة بإنشاء شبكات استخبارات وتجسّس في المدن والقرى والمخيّمات ومحاولة تجنيد مخبرين ومتعاونين في كافة الفصائل الفلسطينيّة.
امتدّ نشاط الشعبة الخاصة ليشمل إنشاء فصائل وهميّة مثل "الأقصى" و"القدس"، وارتبطت وظيفياً بجهات وفصائل أردنيّة مسلّحة أخرى مثل "قوّات المقاومة الشعبيّة" التي أنشأها الملك لتتبع له شخصياً، وتكوّنت بشكل رئيس من أبناء العشائر الأردنيّة جنوب البلاد.
ومع بداية نضج المنظومة التي دأب النظام الأردنيّ على إرسائها، والتي علمت فصائل فلسطينيّة كثيرة بوجودها وقدّمت أجهزة استخبارات تابعة لها مقترحات لم تنفّذ لتحجيمها، اجتمع الملك مع رئيس وزرائه بهجت التلهوني ورئيس المخابرات نذير رشيد في شباط/فبراير 1970 لينتج عن الاجتماع توليفة من القرارات الجديدة التي شملت منع التظاهر والتجمّعات العامة وفرض رقابة على كافة المنشورات ومنع حمل السلاح داخل المدن ـ باستثناء قوّات المقاومة الشعبيّة التابعة للملك.
كما ترافق تثبيت المنظومة مع إجراءات إداريّة جاءت بعد انتهاء هجوم أيلول، حيث جرت عمليّات عزل وإقصاء لأكثر من ثلاثة آلاف موظّف من مؤسسات مختلفة في الدولة الأردنيّة، وتلقّى النظام مساعدات عاجلة من الولايات المتّحدة لتعويض خسائره في حَملته التي تُوّجت بالهجوم على جرش وعجلون في حزيران/ يونيو العام 1971. وقد كان هجوماً وحشياً وحاسماً إلى درجة فضّل معها حوالي مئة مقاتل أردني - فلسطيني تسليم أنفسهم إلى جيش الاحتلال على الوقوع في قبضة جيش النظام.
نصر وهزيمة بطعم الهزيمة
مُنيت الثورة الفلسطينية في الأردن بهزيمة عسكريّة وإستراتيجيّة كبيرة. أدّى غياب التنسيق، والركون إلى وعود الدول العربيّة بالتدخل، والموقف الدفاعيّ الذي اتخذه الفصيل الأكبر "فتح"4، وإهمال كلّ التقارير والتوصيات الداخليّة بقرب حسم النظام للمعركة5، إلى تلقي ضربة موجعة تركت علامتها على العمل الفلسطينيّ المسلّح، وقرّبت الفلسطينيين وثورتهم من التنازل الكبير متمثلاً في توقيع اتفاقية أوسلو.
كانت الفصائل الفلسطينيّة في عمّان تشتم وترفع شعارات لا سقف لها، لكنّها كانت لا تفعل شيئاً إستراتيجياً على الأرض. لم يكن هنالك تنظيم للمتعاطفين مع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة من أبناء الأجهزة الأمنيّة والجيش، كما تم رفض محاولات تنظيم انقلاب ضد الهاشميين في أكثر من مناسبة.
ولقد كان لفشل الفصائل الفلسطينيّة العسكريّ في الأردن تبعات خطيرة على العملّ الفدائيّ لا على الأردن فحسب، بل وفي داخل الأرض المحتلّة. إذ تمكّنت إسرائيل، في ظلّ خفوت الهجمات الآتية من الشرق، من إحكام الطوق على مناضلي الضفّة والقطاع، ومررت مشاريع كان من بينها مشروع إعادة تصميم المخيّمات الفلسطينيّة في قطاع غزّة عبر نقل 150 ألف فلسطيني من أماكن سكنهم إلى أماكن جديدة.
ناهيك طبعًا عن الإخراج الكامل والفادح لأكثر من ثلاثمئة كيلومتر هي حدود الأردن مع فلسطين المحتلّة من معادلة الصراع، وتحويلها إلى مناطق لا تشكل أيّ خطر على العدو الصهيونيّ. كان ذلك بمثابة خسارة لركيزة أساسيّة لأي عمل شعبيّ مقاوم، سواء كان مسلحاً أم سلمياً، ضدّ إسرائيل مشروعاً وكياناً وممارسة.
أمّا النظام الأردنيّ، متجسداً في الملك الهاشميّ الذي هو «أوّل الفدائيين»، فكان ينتج خطاباً وحدوياً على الدوام، في حين يجري الإعداد لحسم المعركة في الغرف المغلقة. اتّبع الملك سياسة التفريق بين «الفدائيين الشرفاء» والبقيّة الطائشة، كما حافظ على حسّه الأبوي، وسياسة الاحتواء، موجهاً خطاباً لأوّل حكومة شُكِّلت بعد أيلول مطالباً فيه أن تعمل الحكومة على «تضميد الجراح».
لكن انتصار الجيش الأردني على قوات الفدائيين لم يكن، في حقيقته، سوى انتصاراً على الأردنّ نفسه، وعلى الأردنيين كمجموع إنساني متنوّع امتلك، في فترة تاريخيّة معيّنة، القدرة على إدارة تنوّعه هذا، أو على الأقل، الاعتراف به كخطوة أولى لازمة على طريق استثماره.
لقد تمكّن النظام الحاكم للبقعة الجغرافيّة الممتدة من العقبة إلى أم قيس من ضمان قدرته على تمرير سياسات إخضاع وتحكم طويلة الأمد عبر إقصائه لأيّ بدائل ثوريّة وفّرها العمل الفلسطينيّ في الأردن، والتي كان بإمكانها، لو صمدت، في ظلّ تفاعلات اجتماعيّة وهويّاتيّة مع مختلف شرائح المجتمع الأردنيّ، أن تعمل كرافعة لمطالب العدالة الاجتماعيّة والديموقراطيّة في الأردن ككل عبر توسيعها المستمرّ لهامش السياسة.
كان النظام الأردنيّ ينتصر لنفسه، وعلى حساب المجموع الشعبيّ الذي سيقبع تحت سيادته عبر عقود مقبلة. إنّ المحاكم العسكريّة التي أقامها النظام للفدائيين الفلسطينيين لا تزال اليوم سلاحاً مسلّطاً على رقاب النشطاء الأردنيين، حالها حال سياسة منع التجمّعات والمناشير والتظاهرات غير المرخّصة. ولا يزال الذوبان في المؤسسة العسكريّة والتشغيل فيها سياسة رسميّة للتعامل مع الجنوب الأردنيّ وأهله في مقابل غياب أي سياسات تنمويّة حقيقيّة ومستدامة.
هزمت عَمّان الفلسطينيين، ثمّ انهزمت. تحوّلت من مدينة مليئة بالاحتمالات، ومن مصنع ومختبر، إلى مول تجاريّ كبير وعاصمة ملكيّة تحسن معاملة رجال الأعمال والجنرالات، ولا تفرّق في معاملتها السيئة بين الأردنيين على اختلاف أصولهم ومنابتهم. ولهذا كلّه، لا يجب للحديث عن أيلول أن يكون حديثاً عن ذكرى أليمة، بل عن صيرورة حاسمة للأردنّ شعباً وكياناً، ونقطة تحوّل حقيقيّة لمشروع المقاومة ضدّ إسرائيل.
بهذا المعنى الموسّع، لا يزال أيلول الأسود واقعاً سياسياً واقتصادياً أردنياً - فلسطينياً قائماً على امتداد شرق فلسطين المحتلّة وبحاجة إلى من يهزمه من أجل إعادة فتح الأفق ومنح عمّان الخلاص من سلبيّتها الفاقعة، سواء كانت تلك الهزيمة المأمولة بالضربة القاضية، أو بالنقاط.
مراجع:
1ـ ورد في مقال جوزيف مسعد "الأردن بين الوطنيّة والشوفينيّة" أنّ الأردن كان موئلاً لعدة هجرات في أوائل القرن التاسع عشر وكان من بينها هجرات الشركس والشيشان إلى عمان وجرش، والمصريين إلى بلدة سحاب، والسوريين والفلسطينيين والأرمن والاكراد فضلاً عن بعض العائلات التونسيّة والمغاربيّة.
2 ـ Massad, J. (2001). Colonial effects. 1st ed. New York: Columbia University Press.
3ـSayigh, Y. (1997). Armed struggle and ـthe search for state. 1st ed. Oxford: Clarendon Press.
4 ـ رفعت "فتح" شعار عدم التدخل في شؤون الدول العربيّة، ورفض ياسر عرفات عرض الملك بتولي رئاسة الوزراء في الأردن، كما رفض مهاجمة أرتال الدبابات الأردنية التي جرى سحبها من الغور لتحيط بعمّان تمهيداً للإجهاز على الفدائيين في أيلول وما بعده.
5 ـ كانت وحدات الاستخبارات التابعة للفصائل الفلسطينية على معرفة بكثير من نشاطات النظام الأردنيّ ونواياه، لكن كثيرًا من المذكرات التي رفعت للقيادة تمّ إهمالها. نشرت مجلّة الهدف التابعة لـ"الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" في أيار / مايو 1970 خطة الشعبة الخاصّة لاغتيال ياسر عرفات وجورج حبش، كما فصّل جورج حبش نفسه في خطابه بمناسبة عيد العمال نشاطات "الشعبة الخاصّة" وسمّى رعاتها.