| 

إذا كنتم تُشاهدون التلفاز في بيتٍ من بيوت قطاع غزّة، وفجأة تجمّدت الصورة وتلاشت الإشارة في اللحظة الحرجة من العرض، فإنكم تلقائياً ستتجهون كما يفعل آلاف المواطنين هنا إلى أقرب شُرفة، تنظرون عبرها إلى السماء، بحثاً عن تلك اللعينة التي نغّصت مُتابعة الفيلم المُنتظر. وما أن ترتفع العيون إلى أعلى، فهي ستجد فوراً طائرة استطلاعٍ إسرائيلية تُحلّق فوق الرؤوس، وغالباً ما يكون تحليقها على ارتفاعٍ مُنخفض جدّاً.
طائرة الاستطلاع تلك، التي يسمّيها الغزّيون "الزنّانة" بسبب ضجيج الزنّ المتواصل الذي يصدر عنها، تحلّق بشكل مستمر ومنخفض في سماء غزّة، تصنع فضاء الصوت هنا لقرابة مليون وثمانمئة ألف شخص يعيشون في القطاع. تُراقبهم، تتجسّس عليهم، تثبّت أقدامها في أيامهم، وعلى مدار الساعة.
هي طائرةٌ صغيرة بدون طيّار، لا يتعدى وزنها بضعة كيلوغرامات، تستخدمها إسرائيل بشكل مُكثّف في قطاع غزّة، لاسيما في أوقات المواجهة العسكرية. وهي تخدم الجيش الإسرائيلي إما في التصوير والاستطلاع، أو في إطلاق الصواريخ الفتّاكة. إذ تعمل هذه "الزنّانة" على مراقبة أماكن مُعينة، والتجسّس على رجال المقاومة ومرابض إطلاق الصواريخ، وهي، في الوقت ذاته، جاهزة للانقضاض على هدفها بكبسة زر. وقد نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي تقريراً مُصوراً ظهرت فيه مجموعة فتيات إسرائيليات مهمّتهن التحكم بطائرة الاستطلاع التي تُحلّق في أجواء القطاع، انطلاقاً من قاعدةٍ عسكريّة قريبة من حدود غزّة. وأوضح التقرير طريقة تعامل المُجنّدات مع الطائرة، وتحديد مسارها، وكيف تضغط تلك الإسرائيلية على زر إطلاق الصاروخ من الطائرة نحو هدفها، كأنها تلعب لعبةً على الحاسوب.
صوتها المزعج يمنع المواطنين من النوم، ويتسبّب بصداع فظيع. فوصفها الغزّيون بأنها "منجرة خشب في سماء غزّة"، نسبة للصوت الذي تُصدره، والذي يُشبه إلى حد كبير صوت الآلات المُستخدمة في نشر الخشب في المناجر.
اليوم، يُحاول الغزيون التأقلم مع وجود طائرة الاستطلاع المُزعجة في سماء مدينتهم. ولتفادي التشويش على التلفاز، يعملون على ترتيب قنوات التلفزيون بطريقة فرضتها عليهم الزنّانة، بحيث يضعون القنوات التي لا تتأثر إشارتها بموجات الزنّانة في المقدمة، تليها القنوات التي تستحيل مُشاهدتها في أثناء وجود طائرة استطلاع إسرائيلية في الأجواء. إذ، لأسبابٍ تقنية، لا تتأثر صورة بعض القنوات بوجود الزنّانة، خاصة القنوات الفلسطينية الأرضيّة. وعلى رغم أن هذه الشاشات ليس مُفضّلة بالنسبة إلى الكثير من المشاهدين في غزّة، إلا أنها ترتقي إلى مكانة مرموقة في أوقات زيارات الزنّانة.
ولا يقتصر الخوف من الزنّانة على الأطفال الذين لا يتمكنون النوم ليلاً، أو مذاكرة دروسهم، فهي تُخيف الكبار أيضاً. ولطالما تردد الأصدقاء في التأخر لساعات متقدّمة من الليل في زيارة خارج البيت، بسبب وجود هذه اللعينة في الأجواء، خوفاً من استهدافهم. حتى في المجالس العائليّة، لا يعلو صوت فوق صوت الزنّانة: حين تقترب، وتُنذر السكّان باستهداف ما، يصمت الجميع، بانتظار الصاروخ الذي ستطلقه على هدفها، قبل استكمال الحديث.
يُعتقد أن أول عملية اغتيال نُفّذت باستخدام هذا النوع من الطائرات كانت بعد انقضاء عامين على اندلاع "انتفاضة الأقصى" في العام 2000، عندما اغتيل الشهيد محمود أبو هنود، القائد السابق لكتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية - الجناح العسكري لحركة "حماس". وعلى مرّ السنوات، استطاع رجال المقاومة في غزّة، أكثر من مرة، إسقاط عدّة طائرات استطلاع إسرائيلية كانت تُراقب القطاع. ولكن، ما زالت الحيل التقنية غير ناجعة تماماً في إسقاط هذه الملعونة، أو التشويش عليها، وطردها من سماء غزّة.


"فشّ إلك أهل يضبّوكي؟"

تُعتبر الزنّانة مادة دسمة للتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي رغم فيضان المواد الأخرى ذات الصلة بالحرب. فكتب أحد سكّان غزّة على صفحته على "فايسبوك": "يبدو أن الزنّانة استأجرت سماء غزّة بعقد مفتوح!". وكتبت إحدى الفتيات غاضبة: "عزيزتي الزنّانة.. فش إلك أهل يضبوكي؟"، وتتوالى التعليقات: "الشباك اللي بيجيك منو زن الزنانة.. سكروا وبرضوا حتضلها تزن زي الدبّانة"، "بات مزنون ولا تبات مقصوف"، "اقلب الجرة على تمها.. والزنانة يعدمنا أمها"، "ليلة مبارح ما جانيش نوم.. أتاري الزنانة بتحوم"، "لو كنت عصفورة، كنت عملت عملية استشهادية ودحشت حالي بموتور الزنانة وريحت أهل غزّة منها"، "عزيزتي الزنانة.. أبوكي نتنياهو بينادي عليكي، وبيقولك روحي نامي.. بيكفيكي سرمحة للفجر! قلة أدب ومسخرة".. وصولاً إلى: "الشعب يريد إسقاط الزنّانة".
حتى أن الزنّانة باتت تفرض على نساء غزّة اللبس "المحتشم" في شرفات منازلهن. فالوالدة لا يُمكن أن تخرج إلى الشرفة لتسقي ورودها من دون أن تُغطي شعرها، ولما سئلت عن سبب ارتدائها منديل الصلاة في الشرفة، ردّت قائلة: "الزنّانة من الصبح فوق بيتنا.. بدك إياهم يصوروني وأنا بشعري!".