| 

خلال الأسابيع الماضية، تماهى فلسطينيو الداخل (أراضي 48) قلبًا وقالبًا مع نبض الشارع في غزّة والضفّة. وهم سيواجهون في الأيام القريبة تركيزاً خاصاً من دولة الاحتلال عليهم، بحسب توقعات محلّلين سياسيين من بينهم الباحث المختصّ بالأمن الإسرائيلي د. فادي نحاس. إذ أكدّ لـ"السفير" إنّ إسرائيل، بعد حربها، ستتفرغ لهؤلاء الذين لم يبدوا تضامناً مع سرديتها وضحاياها، بينما نفذوا في المقابل سلسلة تظاهراتٍ تضامنية مع غزّة.
وفي إسقاط لهذه الثنائية المتفجرة، انطلقت في الداخل حملتا مقاطعة خلال حرب غزّة الأخيرة، واحدة إسرائيلية تستهدف المنتجات/المحال العربية، وأخرى عربية تستهدف المنتجات/المحال اليهودية. وإذ لا يبدو نمو هاتين الحركتين ممكناً أو "سهلاً" في ظل الواقع الاقتصادي، فإن فيهما ما يفتح الذهن على احتمالات التتمات.

يصل عدد الفلسطينيين في الداخل إلى ما يقارب المليون ونصف المليون نسمة، ونسبتهم تقارب العشرين في المئة من عدد سكّان إسرائيل، بينما يبلغ مجمل عدد السكان 8 ملايين نسمة. وإذا كانت لحرب غزّة تبعات على الاقتصاد الإسرائيلي، فإنّ فلسطينيي الداخل المحتلّ سيكونون أول مَن يدفع الثمن. وقد أشارت مصادر في وزارة المالية الإسرائيلية الى أنّ هناك عجزًا في الموازنة للعام 2015 المقبل، تفوق نسبتها 3 في المئة بسبب زيادة الإنفاق العسكري الناتجة من الحرب على قطاع غزّة. هذا العجز سيفرض سلسلة من الإجراءات الاحترازية الإسرائيلية، بينها حزمة زيادات ضريبية وتخفيض في الإنفاق بما قيمته عشرين مليار شيكل (5 مليارات ونصف المليار دولار)، ما سيُلحق الضرر بالمواطن، خاصة الفئات الضعيفة والمستضعفة من فقراء العرب واليهود.
هذا الضرر الذي مسّ ولا يزال يمسّ بالمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، يتماشى مع حملات المقاطعة التي أعلنَها وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ضد المصالح العربية في الداخل. إذ أطلق نداءً عبر "فايسبوك" في منتصف تموز/يوليو الماضي، عشيّة التظاهرة الاحتجاجية التي جرت في الناصرة بدعوة من "لجنة المتابعة العليا لرؤساء السلطات المحلية العربية في الداخل"، طالبًا من اليهود مقاطعة المصالح العربية، قائلاً: "أدعو الجميع ألا يشتروا من المحال التجارية التابعة لمن شاركوا بالإضراب الذي دعت اليه لجنة المتابعة تضامناً مع سكان غزة وضد عملية الجرف الصامد". وصداها لا يزال ساري المفعول، رغم انتهاء الحرب.. إلا أنّ تأثير الحروب عادةً يتجلّى إثرها.


مقاطعة الإسرائيليين للفلسطيني

أجري استطلاع خلال أيام الحرب الأخيرة، جاء فيه أنّ نسبة 67 في المئة من المستهلكين اليهود قاطعوا المتاجر العربية بسبب تضامن فلسطينيي الداخل مع المقاومة في غزة. كما أنّ النسبة الأكبر من مقاطعي المتاجر العربية هم اليهود الروس (78%)، ثم المستوطنون (74%)، بينما قلّت النسبة بين المثقفين والأغنياء الإسرائيليين.
ومع ذلك، يسري واقعٌ يفيد بأن التجارة العربية لم تتأثر كثيرًا بالدعوات الإسرائيلية لمقاطعتها في الداخل، على عكس ما توقعه ليبرمان ومؤيدوه. وقد أكّد ذلك لـ"السفير" أكثر من تاجرٍ وصاحب مصالح من فلسطينيي الداخل. فيشرح مدير عام "شبكة الدوحة" سمير سعيد صالح، وهي شبكة لها فروع في ثلاث بلدات (كفر كنا، شفاعمرو وطمرة)، أن الشبكة "لم تتأثر بالمقاطعة الإسرائيلية فمعظم زبائننا عرب. ولكن نعم، هناك بالطبع أسواق تأثرت، خاصةً تلك التي تعتمد على الزبون اليهودي، في سوق فيصل مثلاً، وهناك أسواق أخرى تقع على الشوارع الرئيسية قرب المدن الرئيسة تأثرت أيضًا بالمقاطعة".
أما "شركة المشهداوي للتجارة والتسويق" لصاحبها الحاج عبد الله صالح فهي شبكة تجارية منتشرة في فروعٍ عدّة في البلاد، ويشرح الناطق باسم الشركة غسان صالح لـ"السفير" أنه "لا يمكن للشركات الإسرائيلية أن تُقاطع المجتمع العربي، لأسباب أبسطها أنّ المجتمع الفلسطيني في الداخل مستهلك جدًا، وعليه، فلا يمكن للشركات الإسرائيلية الاعتماد على الزبائن اليهود فقط، علماً أنهم لا يستقرون عند مشترٍ واحد، بل يتنقلون بينهم. ومن المعروف أنّ العربي يستهلك ضعفي المستهلك اليهودي".
ويضيف: "حالة مُشابهة لهذه الحالة نأى فيها اليهود عن العرب والعكس، حدثت خلال انتفاضة العام 2000. ورغم تخوف المسوِّق اليهودي من دخول بلدات عربية أيام الحرب، إلا أنّ ذلك لم يمنع إيجاد آلية توصيل البضائع في منتصف الطريق، كما أنّ الشركات الإسرائيلية مختصة بالمواد الغذائية الأساسية مثل: "تنوفا"، "أوسم"، "شتراوس"، فيصعُب على التجار العرب إيجاد بدائل لها". ولفت غسان صالح إلى أنّ "مندوب المبيعات اليهودي لم يكن يتذمر من العرب خلال الحرب، بل كان يتذمر من سياسة الحكومة التي أدّت إلى هذا الوضع الصعب، وعرّضت حياة سائقي الشاحنات للخطر.. هؤلاء تضرروا، بينما لم يتضرر سكان جنوب البلاد، بصورة ملموسة".
ويشير هنا المحلل الاقتصادي مطانس شحادة إلى أنه، منذ الأيام الأولى للحرب، "وضعت الحكومة خطة دعم وإنعاش عاجلة تشمل أصحاب المصالح في الجنوب، حيثُ سهّلت لهم الحصول على تعويضات مالية عاجلة. وستواصل الحكومة دعمهم ودعم المستوطنات الواقعة عند غلاف غزّة، إذ قدمت تسهيلات ضريبية "أرنونا"، وتسهيلات سكنية وصناعية وزراعية وتجاريّة، وزيادة الخدمات الصحيّة والرفاهية، وقد خصصت الخطة لذلك 226 مليون شيكل، بالإضافة إلى 166 مليون شيكل تمّ اقتطاعها سابقًا لهذا العام". أما خطة الدعم للعام 2016 فتبلغ قيمتها 193 مليون شيكل تشمل جميع المناطق المتضررة من الحرب.


مقاطعة الفلسطينيين للإسرائيلي


يأتي قرار مقاطعة الفلسطينيين في الداخل للمصالح اليهودية، من خلال مساريْن. الأول انطلقَ ردًا على تصريحات ليبرمان العنصرية، التي لاقت تذمرًا كبيرًا في المجتمع العربي في الداخل، والسبب الثاني كان تلقائيًا، فقد أثرت حرب غزّة نفسيًا وإنسانيًا على الفلسطينيين في الداخل، ما حدا بهم إلى المقاطعة التلقائية.
وعند الخوض في المنتجات الإسرائيلية التي يمكن لفلسطينيي الداخل مقاطعتها، يعتبر المدير العام لـ"شبكة الدوحة" سمير سعيد صالح أن "المنتجات التي يمكن الاستغناء عنها إسرائيليًا واستبدالها بالصناعة المحلية أو المستورَدة من تركيا أو الأردن أو دولٍ أخرى، هي: الأرُز - وهو من أساسيات المطبخ العربي في الداخل. إذ يوجد مستوردون محليون يزوّدون السوق العربية في الداخل بكفايتها. أما الطحين فلدينا حبوب القمح، لكن للأسف لا توجد مطاحن في المجتمع العربي في الداخل. ما سيُجبرنا على اللجوء إلى مطاحن السكّان اليهود. فإذا سعينا لاستيراده مطحوناً من الخارج، فستعمل الدولة على رفع سعر الجمرك، ما يعني أنّ ربح التاجر سيذهب على الضرائب الجمركية. أما العنصر في المؤن الأساسية الذي يشكّل المشكلة الأصعب فهو الحليب، إذ يتم استيراده من القرى التعاونية اليهودية، ويتم توزيعه على المحال التجارية بكميات محدودة. هذا المُنتَج لا يتوافر في المجتمع العربي داخل إسرائيل، بسبب الحاجة إلى مواد أساسية (مُبسترة) غير متوافرة محليًا. المصدَر الأساسي للحليب هو شركة "تنوفا" المتعاقِدة مع تلك المجمّعات التعاونية الإسرائيلية، وهي التي توزّع الحصص على المحال التجارية المختلفة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب".
وينطلق صالح في محاولة لرصد إمكانيات المقاطعة الصعبة على مستوى القهوة والمعلبات ومساحيق التنظيف... إذ، مثلاً، "لا يوجد مساحيق للغسيل بصناعة عربية، جميعها إنتاج إسرائيلي لشركتين. وإذا أردنا الاستغناء عنها إسرائيليًا فإنّ تكلفة الجمرك ستكون مرتفعة جدًا، كذلك الحال بالنسبة للحلويات والشوكولاتة، فهي موجودة في السوق الإسرائيلي وسعرها معقول جدًا، لكن يمكن استبدالها بتجارة مع تركيا مثلاً..".
من كلامه، يتضح أن السير في المقاطعة يشبه المضي في حقل ألغام. هنا إمكانية تفخخها استحالة قانونية، وهناك استحالة يحرّرها حلمٌ مستقبلي بالاستيراد من الضفة، ... فيشرح الباحث في مركز "مدى الكرمل" امطانس شحادة الواقع بالقول الصريح: "لا تمكن مقاطعة البضائع الإسرائيلية جميعها، فهناك خدمات أساسية مفروضة على المُحتَل في ظل دولةٍ تتولى تأمين الخدمات كشرطٍ أساسيّ متعارف عليه منذ احتُلت فلسطين في العام 1948. نذكر هنا كمثال الخدمات التي تقدمها الوزارات المختلفة: المعارف، الداخلية، الهويات، جوازات السفر، وصولاً إلى الصحة، والخدمات المالية، والمواصلات، والاتصالات، والتأمين، والكهرباء، والمياه وغيرها".
ويفتح شحادة كوّة في الاستحالة عبر اقتراح: "يمكن للتجار العرب الضغط على الشركات الإسرائيلية التي تضغط بدورها على الحكومة مثلما حدث في العام 1992، أيام رئيس الوزراء إسحق رابين، حين فرضت المقاطعة والضغط على الحكومة مفاوضات في ظل أوضاعٍ اقتصادية كانت صعبة في تلك الفترة". حينها، كانت إسرائيل على شفا أزمة اقتصادية لولا قيام رابين بإحداث تغييرات اقتصادية، وبعدها بقليل انطلق في مسار اتفاقيات أوسلو التي ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي في إسرائيل بصورة لافتة.
وإذ لا يمكن إيجاد بدائل عربية لمواد كثيرة جداً، يرى شحادة أنه "يمكن الاستعاضة عن ذلك بتعزيز العمق الاستراتيجي في الضفة من خلال تعاون مشترك".. ما دونه راهناً قوانين الاستيراد الإسرائيلية.