| 

في مقاله المنشور في "هآرتس" تحت عنوان "هل يمكن محاكمة إسرائيل دولياً: قوانين الحرب على الطريقة الإسرائيلية"، كتب المحامي والمستشار القانوني للمنظمة الحقوقية الإسرائيلية "هناك قانون" ميخائيل سفاراد، عن الاختلاف الشديد بين قوانين الحرب الدولية وبين تفسيرات الجيش الإسرائيلي لها. ويدرس احتمالات تقديم إسرائيل للمحاكمة الدولية على خلفية انتهاكها قوانين الحرب المعمول بها في العالم.
شعب إسرائيل متفاجئ. ما هي متفاجئ هذه؟ إنه مصدوم. حتى قبل أن يستكين غبار المعارك، قبل أن تنتهي الحرب "الأكثر عدالة بين الحروب"، وبينما الجيش الأكثر أخلاقية في العالم مغروس في غزّة – كان الكلام قد بدأ عن جرائم الحرب والتحقيق الدولي. نحن، الذين لم ندمّر بالكامل على الرغم من قدرتنا على فعل ذلك، نحن الذين وزّعنا المنشورات، ورننا على التلفون، وطرقنا على البيوت، نحن الذين وافقنا على هدنة إنسانية انتهكتها "حماس"، نحن أكثر الأمم حذرًا في العالم، متّهمون، مجدداً، بجرائم الحرب. وتعود النغمة من جديد: القرار بإجراء التحقيق الدولي، الكلام عن المحكمة الجنائية الدولية، والمخاوف من اعتقالات في أوروبا. ونحن لا نفهم من أين حلّ علينا هذا.
يمكننا إذاً تهدئة أنفسنا، وتقبّل التفسير الذي يلهج به محلّلون على شاكلة المذيع داني كوشمارو، بأن العالم معادٍ للسامية ومنافق ويدعم "حماس". لكن هذا سيكون تملصّاً حزيناً من أسئلة كثيرة. سيكون هذا هروباً من نقاش ثاقب علينا إجراؤه داخل المجتمع الإسرائيلي حول الشكل الذي ندير به المواجهات المسلحة مع أعدائنا في العقد الأخير.
تبنّى الجيش الإسرائيلي منذ حرب لبنان الثانية نظرية حرب إشكالية. النظرية في الغالب كانت مخصّصة للمواجهات الدائرة في مناطق مدينية مكدّسة بسكان مدنيين، بينما العدو يُنظر إليه بوصفه كياناً إرهابياً غير شرعي ("حزب الله" في لبنان و"حماس" في غزّة). نظرية الحرب هذه تدعمها رؤية قانونية لدى قسم القانون الدولي في الجيش الإسرائيلي، تفسّر قوانين الحرب بشكلٍ بعيد أشد البعد عن التفسير الشائع بين خبراء في هذا المجال في العالم. ونتائجها المباشرة هي الإضرار المكثف بالمواطنين وتخريب الأحياء السكنية.
تتشكل نظرية الحرب هذه من عنصرين، كل منهما يعتبر إعلان حربٍ ضد المبادئ الأساسية لقوانين الحرب. العنصر الأول هو إعادة تعريف مفهوم الهدف الشرعي للهجوم، بحيث يتضمن ليس فقط الأهداف العسكرية التقليدية (القواعد، المحاربين، القواعد التي يُجمع فيها السلاح وما إلى ذلك)، ولكن أيضاً القواعد والأهداف المتصلة بتنظيم العدو بشكلٍ غير عسكريّ. في إطار هذا التعريف المحدّث، تحوّلت "رموز حكومة حماس" التي هاجمناها في عملية "الرصاص المسبوك" (مكاتب الحكومة، رجال الشرطة، مبنى البرلمان)، وبيوت موظفي ونشطاء "حماس" التي فجّرناها في "الجرف الصامد"، إلى جزء من بنك أهداف الجيش الإسرائيلي. وعند الهجوم عليها، قُتل العشرات، وربما المئات من المواطنين.
العنصر الثاني يتجاوز هذا بكثير، وهو عند محاربة هذه المواقع الحدودية المدينية، يفيد بأنه يُسمح لنا التعامل مع المنطقة كلها وكأنها هدف شرعي، نقصفها من الجو أو عن طريق المدفعية، فقط بعدما نخبر سكّانها مسبقاً بنياتنا فعل ذلك، ونعطيهم مهلة للمغادرة. هذا النهج اتبعه الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى في حيّ الضاحية في بيروت في حرب لبنان الثانية. قبل أن يُقصف الحيّ، تم توزيع منشورات أمرت سكانه بالمغادرة، ثم فُجر الحي ودُمرت أغلب بيوته.
نظرية الحرب هذه تم اتباعها بدرجات مختلفة في "الرصاص المسبوك"، وكذلك في "الجرف الصامد"، وبالأساس في حيّ الشجاعية. وهي لا تهتم بسؤال إن كان الإخبار المبكر للسكّان فعّالًا – أي إن كان يمكن للسكان المغادرة فعلاً، وإن كان هناك حلّ للعجائز، المرضى، والأطفال. هي أيضاً غير مصحوبة بخلق ممر آمن للهروب إلى حيّز حصين ضد نار الحرب، تتوافر فيه للمواطنين وسائل النجاة. النتائج المخيفة لنظرية الحرب هذه، سواء في "الرصاص المسبوك" أو في "الجرف الصامد"، هي أكوامٌ من جثث الأطفال، النساء والرجال الذين لم يكونوا جزءاً من دائرة الحرب. في "الجرف الصامد"، ادعى الجيش الإسرائيلي بنفسه، عن طريق متحدثيه، أن "حماس" منعت السكان بالقوة وبالتهديد من الهرب من المناطق المقرّر قصفها، ولكن حتى هذه المعلومة لم تلغ حقيقة القصف.
محامو الجيش الإسرائيلي، الذين يدعمون نظرية الحرب هذه قانونياً، يقومون بالتصفية المكثفة للمبادئ الأساسية لقوانين الحرب: مبدأ التمييز الذي يلزمنا بتمييز الهدف العسكري (الشرعي) من نظيره المدني (غير الشرعي)، مبدأ المدى الذي يحرّم إصابة حتى الأهداف الشرعية لو كان الضرر المتوقع للمدنيين أكبر من الفائدة العسكرية من وراء تدميرها، ووجوب اتخاذ آليات حذر فعّالة وليس رمزية.
لا يؤدي هذا كله إلى التحقيق الدولي، إلا لو كانت لدينا منظومة إسرائيلية للتحقيقات تلتزم بالمعايير الدولية. فالقانون الجنائي الدولي يعطي الأولوية للتحقيق وللمحاكمة على يد الدولة صاحبة الشأن. ولكن، كما اتضح في عدد لانهائي من تقارير منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، فمنظومة التحقيق والادعاء لدى الجيش الإسرائيلي هي منظومة فاشلة، بعضها غير مستقل وغير مهني، وبطيء بشكل مخيف وغير ذي قدرة على التعامل مع الأسئلة السياسية وقرارات الضباط الكبار. "لجنة تيركل"، التي عينتها الحكومة السابقة للنظر في التزام إسرائيل بالمطالبات الدولية بالتحقيق في الشكوك حول انتهاك قوانين الحرب، هذه اللجنة تبنت توصيات منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، وأصدرت قبل عام ونصف عام 18 توصية للتغيير العميق وذي الدلالة في سياسة تحقيقات الجيش الإسرائيلية. دُفنت التوصيات وفق منهج إقامة "لجان تنفيذية" الشهير.
في الظروف الحالية، إن المستشارين القانونيين للجيش في الحاضر والماضي لا يجمّلون فقط صورة الحرب غير الأخلاقية، وإنما يدفعون إسرائيل باتجاه تحقيقات دولية وربما محاكمتها أيضاً.
هكذا، ما من سبب لنكون متفاجئين. منع إصابة المدنيين كان دائماً وأبداً هدفاً وسبباً لقيام قوانين الحرب. لذلك، فإن صواريخ "حماس" التي استهدفت إصابة مدنيين هي بلا شك جريمة حرب. ولكن، لهذا، فأيضاً قصف البيوت الشخصية لنشطاء "حماس" ("حتى يخرجوا من جحورهم ويروا أي ثمن يدفعونه")، واستخدام المدفعية والقصف الجوي في منطقة مدنية مكدسة، هذا كله يثير شكوكًا بانتهاك قوانين الحرب، وهذه الشكوك لا بد من أن يُحقّق فيها.
ترجمة: نائل الطوخي