| 

الحديث عن اندلاع انتفاضة ثالثة ليس بالموضوع الجديد على الساحة الفلسطينية، خصوصًا في الضفّة الغربية، فهو موضوع الكل الفلسطيني سواء الأحزاب السياسية بما فيها حزب السلطة، أو الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، أو الحراك الشبابي الذي نشأ في الأعوام الثلاثة الأخيرة.
أمّا الأسئلة الدائمة في هذا السياق فهي: هل نحن على أعتاب انتفاضة ثالثة؟ وهل نضج الظرف الموضوعي لاندلاعها؟ وهل الوضع الذاتي ناضج؟ ومن سيقودها؟ وهل الأوضاع الإقليمية والعربية مؤاتية لاحتضان انتفاضة فلسطينية؟ وهل تراجع مكانة القضية الفلسطينية يحول دون اندلاعها؟ وهل تعلق السلطة بمشروعها التفاوضي يعيق اندلاع انتفاضة أملاً بأن تفضي المفاوضات إلى حل سياسي يحقن الدماء؟ وهل الانقسام يعيق حدوث انتفاضة ثالثة؟ بالإضافة إلى عشرات الأسئلة والاستفهامات، وكأن الأمور تتعلق ببرمجة حاسوبية سهلة الاستخدام، لكنها ليست على هذا النحو وليست بهذه السهولة.
فالانتفاضة الثالثة المنشودة تراكمت إلى حدّ الجزم بأنها قد اندلعت، لكن أوضاعها الداخلية والميدانية والسياسية تختلف عن الانتفاضتين السابقتين. فهذا الحراك الشعبي الآخذ في التراكم شيئًا فشيئًا يأتي في ظل فشل ذريع للعملية التفاوضية التي أفل نجمها بعد أكثر من عشرين عاماً، ولم يعد هناك من يؤمن بأنها تؤمّن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية حتى في نظر مريديها (فريق السلطة). وتأتي أيضًا في خضمّ حرب إجرامية (محرقة) تخوضها إسرائيل ضد خاصرة الوطن الفلسطيني (قطاع غزة)، حيث خاضت المقاومة الفلسطينية أشرس المعارك بكفاءة منقطعة النظير. فهذه الحرب غيّرت قواعد اللعبة في المفهوم الإسرائيلي، إذ لم تعد إسرائيل الرابحة دائمًا بحروبها مع الفلسطينيين ولم يعد بمقدورها فرض شروطها كما تشاء ووقت تشاء. ثم إنها (أي الحرب) ساهمت في ترميم الروح الوطنية الفلسطينية العامة وفي استعادة قيم المقاومة لشعب يرزح تحت الاحتلال منذ نحو سبعة عقود من الزمن، ليس في قطاع غزة فقط، إنما في الجليل والمثلث والنقب والضفة الغربية والشتات. فحجم الجريمة الإسرائيلية طوى الخلافات بين الكل الفلسطيني، ونفض غبار اليأس والكسل أيضًا.
في سياق ما تقدم لجهة أسئلة الانتفاضة الثالثة، أستعرض ستة مشاهد علّها تفسّر ما يجري في الضفّة الغربية حيث الحاضنة المفترضة للانتفاضة الثالثة التي اندلعت أو ستندلع قريباً بصورة أوسع وبأشكال جديدة.
÷ المشهد الأول: الطفل أبو خضير يحرم من الموت بطمأنينة
خبر الفلسطينيون على جلودهم الوحشيةَ الإسرائيلية ووحشية المستوطنين، أمّا أن يُحرق طفل حياً ويقتل على يد مجموعة من القتلة فالأمر لا سابقة له. هذا الحادث استفز مشاعر الفلسطينيين كافة في كل مكان، وقد انتفضت القدس بمختلف أحيائها العربية، وتحوّل بيت عزاء الطفل أبو خضير إلى حاضنة وطنية كبيرة.
÷ المشهد الثاني: دولة تستدعي الاحتياط للبحث عن 3 مستوطنين
أدرك سكان الضفة الغربية، خصوصًا سكان محافظة الخليل، أن ما يجري ليس بهدف البحث عن المستوطنين المخطوفين، إنما التدمير والتنكيل بالمحافظة وباقتصاد سكانها. وتوسعت عمليات البحث والتنكيل لتطال محافظات الضفة الغربية كافة، فجاء المشهد العام لإدخال آلاف الجنود مدينة الخليل يعيثون فيها فساداً، وكأن حرباً عالمية قد بدأت للتو ومركز قيادتها مدينة الخليل.
÷ المشهد الثالث: مخيم الجلزون حُرم من مشاهدة فريقه في المونديال
في ليلة السادس عشر من حزيران الماضي، ومع إطلاق الحكم صافرة بداية مباراة الأرجنتين مع البوسنة عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، تجمّع شبان مخيم الجلزون لمشاهدة المباراة. وفي ذروة التشجيع والحماس، وفي الدقيقة العشرين، اقتحم جيش الاحتلال ساحة المخيم الرئيسية، وشرع بإطلاق قنابل الغاز والرصاص المطاطي ثم الرصاص الحيّ على الشبان المتواجدين في الساحة. دارت اشتباكات امتدت حتى ساعات الصباح، وانتقلت من أزقة المخيم إلى الشارع المحاذي لمستوطنة (بيت إيل) واستشهد الشاب أحمد عرفات صمادعة. ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ المواجهة في المخيم.
÷ المشهد الرابع: النكتة السياسية سيدة الموقف
في إشارةٍ إلى الحملة العسكرية الكبيرة على محافظة الخليل والعدد الكبير لجنود الاحتلال الذين داهموا المحافظة بحجة البحث عن المخطوفين الثلاثة، كانت النكتة بأنهم تمكنوا من إيجاد الطائرة الماليزية المفقودة. وفي نكتة أُخرى، وتزامنًا مع مباريات كأس العالم، أعلنت نتائج المباراة بين غزة والخليل 3 - 1، في إشارة إلى عدد كل من المخطوفين في الخليل وغزة. وتبقى النكتة الأبرز خلال الحرب على غزّة هي أن إسرائيل استحدثت وزارة شؤون أسرى أُسوة بالسلطة الفلسطينية، في ظل إعلانات الخطف التي كانت توردها المقاومة. وهناك الكثير من النكات التي عكست المزاج الشعبي العام والمعنويات المرتفعة للناس.
÷ المشهد الخامس: أكبر المتاجر يقاطع المنتوج الإسرائيلي
في خطوة لافتة وواسعة، قاطع الجمهور الفلسطيني مختلف البضائع الإسرائيلية التي يوجد لها بدائل فلسطينية وأجنبية. ومن اللافت أيضًا كتابة جملة في المتاجر على الرفوف المخصصة للبضاعة الإسرائيلية، والتي أُفرغت وأُتلف ما فيها: «فارغة لأنها بضائع إسرائيلية». وكُتب أيضًا: «هذا المنتج له بديل فلسطيني، اذهب باتجاه السهم».
÷ المشهد السادس: الحرب الـ« ٤٨ ألفاً»
وقد أتت تلبية دعوة الحراك الشبابي إلى تظاهرة «48 ألف» ليلة 21 تموز/يوليو الموافقة لليلة القدر 27 رمضان، لتكون بوضوح في المواجهة، وليس في التضامن مع قطاع غزة. فمشهد فتدفُّق الآلاف مشيًا على الأقدام من رام الله إلى حاجز قلنديا، واشتباكهم مع الاحتلال بالحجارة وبالألعاب النارية، يستعيد بصورة واضحة مشاهد الانتفاضة الأولى. والمثير في هذه المرة الاســــتفادة الكـــبيرة من التكنولوجيا ومن وسائل التواصل الاجتــــماعي.
لم تكن هذه الدعوة هي الأولى، إذ سبقتها عشرات الدعوات في مدن الخليل وبيت لحم ونابلس وطولكرم وقلقيلية وجنين طيلة شهر رمضان، إذ بدأ في ذروة إضراب الأسرى الإداريين، واستمرّ مع جريمة قتل الطفل محمد أبو خضير، ثم انتهى مع المحرقة على قطاع غزة.
لم تكن مدن الجليل والمثلث بمنأى عما يحدث في مدن الضفة الغربية. فقد انتفض سكان أم الفحم وعكا وحيفا والناصرة وسخنين وكفر مندا تضامناً مع الأسرى الاداريين وتنديداً بجريمة إحراق الطفل، وتعمّق نضالهم تنديداً بالمحرقة وتضامناً مع الأهل في قطاع غزة.
في الواقع، لم تعُد هناك نقاط احتكاك قريبة في المدن، للحفاظ على وتيرة من الاشتباك اليومي بين الشبان وجيش الاحتــلال. وتــــــراجعت القوى السياسية الفلسطينية وتراجع دورها وتأثيرها المباشر. وعلّ ذلك يساهم في إنتاج صور جديدة من العمل الانتفاضي، وإنتاج قيادة شابة جديدة.