| 

يتموّل الإعلام الإسرائيلي الحكومي من عائدات الضرائب التي تجبيها الحكومة من المواطنين، كضريبة التلفاز وسابقاً ضريبة الراديو. أما الإعلام الإسرائيلي الخاص فتتحكم برأسماله أربع عائلات، هي: أولاً، عائلة «موزيس» التي تملك صحيفة «يديعوت احرونوت» وعدّة مجلات، بالإضافة إلى عدة إصدارات أخرى من ضمنها دار نشر «إصدارات يديعوت احرونوت»، وهي أيضاً صاحبة امتيازات في «القناة الثانية». ثانياً، عائلة «نمرودي» وهي أيضا صاحبة امتيازات في «القناة الثانية»، وتملك جريدة «معاريف» بالإضافة إلى شركة اتصال لاسلكي ودار نشر «إصدارات معاريف» وعدد من المجلات. ثالثاً، عائلة «شوكن» التي تــمتلك صحيفة «هآرتس» وصحفاً محلية مختلفة، بالإضافة إلى مجلات ودار نشر خاصة هي «اصدارات شوكن». أما العائلة الرابعة فهي «فيشمان» التي تمتلك صحيفة الأعـــــمال «جلوبس» بالإضافة إلى الشركة المزودة للانترنت والاتــــصالات الــــدولية وإحدى شركات الكوابل. إليهم، تضاف عائلة «أدلسون» التي تمتلك صحيفة «إسرائيل اليوم».
الدولة الإسرائيلية تراقب جميع وسائل الإعلام (والاتصال كذلك). وهي أيضاً تمتلك سلطة البث التي تضم ثلاث قنوات تلفزيونية، من بينها «القناة الأولى»، وثماني إذاعات. وتملك وزارة الإعلام سلطة البث الثانية ومن ضمنها «القناة الثانية»، وتملك وزارة التربية والتعليم قناة تلفزيونية وإذاعة. أما الجيش فيدير أربع إذاعات، ووزارة الأمن تمتلك دار نشر. وبذلك، تمتلك دولة إسرائيل (متمثلة بحكومتها ووزاراتها المختلفة) ما يقارب خمس قنوات تلفزيونية، وثلاث عشرة إذاعة، ودار نشر على أقل تقدير، بالإضافة إلى أدواتها الرقابية على وسائل الإعلام الأخرى.
خريطة الإعلام.. والرقابة
يتوزّع الإعلام الإسرائيلي الخاص، المرئي والمسموع والمقروء والإلكتروني، بين يساريّ ومعتدل ويمينيّ، بالإضافة إلى الإعلام الحكومي الذي رغم صفته لا يتخلّى عن الاعتداد بـ«الموضوعية» و«الحياد».
وبينما ينقسم الإعلام المرئي ما بين قنوات تلفزيونية خاصة (كالقناة العاشرة) وقنوات حكومية (كالقناة الأولى)، يبرز في الإعلام المسموع الحكومي أثير «جالي تساهال» (أي «إذاعة الجيش الإسرائيلي») وطبعاً «راديو صوت إسرائيل» (إذاعة حكومية ناطقة باللغة العربية والعبرية)، بالإضافة إلى الإذاعات الخاصة كـ«راديو حيفا» (باللغة العبرية) وغيره. أما الإذاعة العربية الوحيدة الخاصة التي تعمل بشكل قانونيّ هي «إذاعة الشمس»، ولم تمنح موافقات حكومية لإذاعات خاصة ناطقة باللغة العربية سواها.
في الإعلام المقروء، توصف جريدة «هآرتس» بأنها تمثل أقصى اليسار الإسرائيلي، في حين أن جريدة «إسرائيل اليوم» (التي تخصّص مساحةً من عملها لتبييض صورة بنيامين نتنياهو، وتستخدم كوسيلة دعائية له) تعتبر أهم جرائد اليمين الإسرائيلي (تعكس بوضوح وجهة نظر «حزب الليكود» ومواقفه). أما «يديعوت احرونوت» فيمكن وضعها في وسط المعادلة، لأنها بالطبع ليست يسارية، وهي تنافس «إسرائيل اليوم».
وبينما يعرف العالم أبرز صحف إسرائيل، مثل «إسرائيل اليوم»، «يديعوت أحرونوت»، «هآرتس» و«معاريف»، فإن الإعلام الإلكتروني («فايسبوك» و«تويتر» بشكل خاص) يشهد على ازدهار «الصفحات الرسمية» التي تنطق باسم وزارات إسرائيلية، وسائل إعلام رسمية، وسائل إعلام خاصة، ووسائل إعلام تعمل عبر شبكات التواصل حصراً.
وتبقى وسيلة الإعلام «الجيدة» بنظر الجمهور الإسرائيلي العريض هي وسيلة الإعلام الرسمية.
أما الرقابة المفروضة على الإعلام الإسرائيلي فتتوزّع إلى عدّة أقسامٍ، كالرقابة على وسائل البث والأقمار الصناعية، الرقابة على الأفلام، «لجنة المحرّرين» التي تراقب الصحف والإعلام المقروء. وتبقى أمضى سلطات الرقابة هي تلك العسكرية التي تصدر قرارات حظر النشر وتحدّد بطريقة أو بأخرى أيّ الأخبار يُنشر وأيّها يُغفل، تحت عنوان «حماية الأمن العام».
وتستمد الرقابة العسكرية صلاحياتها من قوانين الطوارئ التي سنّها الانتداب البريطاني في العام 1945، والتي تبنتها إسرائيل لاحقاً وأدخلتها إلى منظومتها القانونية. فتعطي هذه القوانين الصلاحية لمراقبٍ من الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات العام (الشاباك) بسحب أخبار أو مقالات قد يرى إنها تمس بأمن الدولة. لكن محكمة العدل الإسرائيلية أصدرت مؤخراً قراراً يمنع الرقابة من سحب أي خبرٍ من دون تحديد خطرٍ فعليّ ملموس على أمن الدولة والمواطنين. وخلال الحرب الأخيرة على غزّة، تم نشر أخبارٍ ومن ثم سحبها (تكرر الأمر مراراً على موقع «يديعوت احرونوت» مثلاً ـ خاصة في بداية الحرب).
الحذف.. والرأي
في التغطية الصحافية للحرب، برزت على وجه الخصوص جريدتا «يديعوت احرونوت» و«هآرتس»، ويتضح لأي قارئ/ة بسهولة مدى الاختلاف في الطرح بينهما. فامتازت «يديعوت» بمتابعة المستجدات أولاً بأول، من دون أن يخلو الأمر من تكرار الحذف أو نشر عنوانٍ لا يعبّر عن ماهية الخبر، عدا عن التناقضات التي تضمنتها أخبارها. إذ التزمت «يديعوت» الخيار الداعم لقرارات الحكومة والجيش (رغم أن حكومة هذه الحرب تأتي برئاسة بنيامين نتنياهو الذي يتمثل أكثر في «إسرائيل اليوم» المنافسة لـ«يديعوت»)، وتبنت محاولة جمع الرأي العام على تأييد ما تراه الحكومة مناسباً وما يقوم به الجيش داخل غزة (وفي جوّها وبحرها). أما «هآرتس» فتابعت الأحداث بسرعة أيضاً، لكنها بقيت أقل عرضة لنشر أخبارٍ ثم تغييرها، أو كتابة عناوين لا تعكس مضمون الخبر، وامتازت بموقفها المعارض للحرب وانتقادها لأداء الحكومة. إذ تعرّف جريدة «هآرتس» على أنها جريدة اليسار الإسرائيلي، وهي أقدم الجرائد الإسرائيلية (تأسست سنة 1918) وإحدى الجرائد المركزية كذلك. يمكننا القول إن منتقديها اليمينيين هم بحدّة مؤيديها اليساريين.
في المقابل، تعاملت القنوات التلفزيونية مع الحرب بشكل مغاير عن الصحف. لم تتخذ موقفاً حاسماً، وإنما أصرّت على نشر عدّة آراء. وقد حاول مرةً خلال الحرب مقدّمٌ في «القناة الثانية» (حكومية) التواصل مع مقدّم من قناة «الأقصى» الفلسطينية إلا أن الأخير تجاهله ورفض الحديث معه. فركّزت التلفزيونات الإسرائيلية في تغطيتها للحرب على البث المباشر الذي مدّها به الصحافيون الذين رافقوا الجيش خلال العمليات في قطاع غزّة. لقد ظهرت محاولات لعرض جميع الآراء عبر استضافات ومقابلات مع أعضاء كنيسيت عرب، مثلاً. واهتم الإعلام الإسرائيلي المرئي بنقل وجهتي النظر العربية والغربية في الحرب، خاصة تلك المؤيدة لموقف إسرائيل، أو على أقل تقدير، المعادية للمقاومة الفلسطينية («حماس» على وجه الخصوص). ومؤخراً، عرضت «القناة الثانية» تقريراً من الشارع المصريّ ينقل مقابلات مع «عابري سبيل» شتموا «حماس» والمقاومة في غزّة خلال حديثهم، ناهيك عن تسليط الضوء المستمر على الإعلام المصري والموقف الرسمي للحكومة المصرية، وهي بذلك تساهم في تشكيل موقف عام داعم للحرب، كون الرأي العام الإسرائيلي يتأثر بمدى الدعم الخارجي لها.
مقارنة «محلية»
عند مقارنة تغطية الإعلام الإسرائيلي للحرب على غزة بتغطيته المواجهات التي شهدتها الضفّة، كما تغطية أحداث الداخل المحتل في العام 48، يتضح تركيز كامل وبديهي على غزة، في مقابل تغييب كامل نوعاً ما لأحداث الضفة التي إذا ذُكرت تُقدّم على أنها مواجهات متفرقة وأحداث شغب. في موقعٍ وسطيّ بين الطرفين، تحضر المتابعة لأحداث الأرض المحتلة في 48، إلا أنها قُدّمت غالباً على شكل تظاهراتٍ متفرقة خرجت عن السيطرة.
في التغطية، برز تناقضٌ في التعامل مع غزّة: ففي حين توحي التغطية بأن مجمل أهل غزة مقاتلون في «حماس»، كانت تُنتقى من كلام الناس - بعد هدم بيوتهم وقصفها أو إثر حدوث مجزرة - الأقوال التي تفيد بأن أهل غزة يريدون العيش بسلام. ويتم ذلك باجتزاء الكلام، والهدف منه هو إظهار الجيش الإسرائيلي في موقع المخلّص لـ«أهل غزة» من «حماس»!
في المقابل، لم يحضر أهل الضفة في الصورة غالباً. لكن، برز بالتحديد فصل القدس وأحداثها عن أحداث الضفّة، كأن مواجهات القدس كانت تحدث بمعزلٍ عن مواجهات الضفة. وغالباً ما يتم عرض متظاهري القدس على أنهم «سكان» مثيرين للشغب وخارجين عن القانون.
وكان فلسطينيو الداخل (48) الأوفر حظاً في حجم الضوء الملقى عليهم، لكن أيضاً بمعزلٍ عن القدس والضفّة وغزّة. هنا أيضاً عمل الإعلام كيداً للحكومة، فأبرز في مقابل من اعتبرهم «المشاغبين» مواقف لمواطنين إسرائيليين عرب يؤيدون الحرب، ومجندين وقادة كتائب عرب.
هدف ذلك إلى توجيه رسالةٍ أساسية للجمهور الإسرائيلي (اليهودي) يفيد بأن العرب ليسوا جميعاً ضد الحرب، ما يخفف من حدّة التنافر العام، ويثبط عزيمة العرب الذين خرجوا إلى الشوارع مع بداية الحرب.
وامتازت هذه الفترة عن المعتاد بمهاجمة المعارضين: فصحيفة «يديعوت احرونوت» مثلاً خصصت جهداً في هذا السياق، ورصدت جميع المشاهير العالميين (من ضمنهم ممثلتان إسرائيليتان) الذين ناهضوا الحرب، ثم تفرّغت لمهاجمتهم.
هل يعني ذلك أن الإعلام الإسرائيلي يؤثر في اتجاه الرأي العام الإسرائيلي، أم أنـــه يتلاءم مع هذا الرأي العام؟ في وقت سابق، كان يمكن الميل في التحليل إلى الخيار الأول. لكن، نظراً للمنصـــــة التي أتاحتها شبكات التواصل أمام المواطنين، فإن الخــــيار الثاني يبدو أكثر دقّةً، نظراً لكمّ العنف الذي اتضح فيها، وصولاً إلى السخرية من جثث الشهداء والتشفي بمقتل الأطفال.