| 

«كتبت القاموس اللغوي الأول لـ«مشروع إسرائيل» في العام 2003. ومنذ ذلك الحين، تغيّر ثلاثة رؤساء حكومة في إسرائيل، ووجدت عدّة مبادرات سلام نفسها ضحيّة الهجوم الذي تتعرض له إسرائيل من حدودها الشمالية والجنوبية، وهي التي عانت كثيراً أمام الرأي العام العالمي.
من ناحية أخرى، توقّفت التفجيرات الانــــتحاريّة اليوميّة، وتبيّن أنّ «حماس» و«حزب الله» منـــــظمتان إرهابيتان وحشيتان، لطالما حذّرت إسرائيل منهما. وبقدر ما تتغيّر الأشياء، بقدر ما تبقى على حالها.
جميع المواد الواردة في هذه الوثيقة هي مواد جديدة أو محدّثة تمت صياغتها بالاستناد إلى أبحاثٍ أجريت بين العامين 2008 و2009. بعض هذه اللغة قد تكون مألوفة، ومعظم «المصطلحات القابلة للاستخدام» ستكون من اختصاص المـــــتحدثين الرسميين الإسرائيليين. ولكن، وبحسب استطلاعات الرأي، فإن التوصيات والتوجيهات الإستراتيجية تستند جميعها إلى الوضع الراهن. آمل أن يستفيد المدافعون عن إسرائيل من المجهود الذي بذلته لإنجاز هذا الكتيّب. وآمل أيضاً أن يكون هذا آخر قاموسٍ لغويّ إسرائيليّ قد اضطر إلى صياغته.
وتذكّروا.. الأهمية لا تكمن في ما يُقال، فالأهم هو ما يسمعه الجمهور».
د. فرانك لونتز ـ نيسان 2009


فرانك لونتز هو مستشار سياسيّ أميركيّ، متخصّص في استطلاعات الرأي ومنظّر في الإستراتيجيّة العامّة لـ«الحزب الجمهوري» الأميركي. ويقوم تخصّصه على اختبار اللغة «لإيجاد مصطلحات من شأنها أن تساعد موكليه على تسويق منتجاتهم، أو تحويل انتباه الرأي العام إلى قضيّة محدّدة». ومن إنجــــــازات لونتز أنه أعدّ دليلاً لغويّاً يهدف إلى مساعدة إســــــرائيل على تلميع صورتها أمام وسائل الإعلام والرأي العام، بدءاً من إنكار تاريخها العسكري، ووصولاً إلى تبريرها قتل الأطفال. كيف؟ عبر تلقين المتحدّثين الرسميّين باسمها، الطريقة الأمثل والأسرع لاستقطاب «التعاطف العالمي»، والظهور دائماً بدور الضحيّة التي تدافع عن حقّها في الوجود.
بُعيد عدوان «الرصاص المصبوب» 2008/2009 على غزّة، شرع لونتز في إعداد دليله السريّ: «مشروع إسرائيل 2009: القاموس اللغوي العالمي». وكما يوضح في مقدّمته، فالمُنتَج الذي تبدو عباراته مألوفة للمتابعين ليس جديداً، لكنّ استعادته راهناً تؤكّد مرّة جديدة على أن لا شيء «هُناك» خارجٌ عن سيطرة «النظام».
ونتيجة الحاجة إلى الحفاظ على شبكة علاقتها العامة، اعتمدت إسرائيل الكتيّب بدافع تعزيز مهارات المتحدّثين باسمها أمام الرأي العام الأميركي أولاً، والغربي عامةً. فوزّعت وزارة الخارجية الإسرائيلية على الناطقين باسمها دليل لونتز السريّ لمساعدتهم على خوض الحوارات الإعلامية من دون الوقوع في مآزق تهدّد صورة الجيش والدولة، إذ يحدّد الكتيّب بوضوح سبلاً لإخفاء الحقائق بلباقة وذكاء.
ولأهمية الدليل، كُتب على كل من صفحاته وعددها 112 صفحة: «غير مخصص للتوزيع أو النشر». وقد تمّ تسريبه فور صدوره إثر عدوان 2008 على غزّة إلى موقع مجلة «نيوزويك» الأميركية، لكنّ كثيرين حينها لم يتوقفوا عند أهميته. خلال عملية «الجرف الصامد» (2014) على غزّة، بادر الصحافي في جريـــــدة «ذي اندبندنت» البريطانية باتريك كوكبرن إلى استـــــعادته في مقالٍ نُشر في 27 تموز الماضي بعنـــــوان: «التقرير السرّي الذي يساعد إسرائيل على إخـــــفاء الحقائق». في المقال، شدّد الكاتب على أهمية الدليل في قراءة الراهن، معتبراً أنه «يتوجّب علـــــى الجميع قراءة الدليل، خصوصاً الصحافيين الذين يهتمّون بملامح السياسة الإسرائيلية، نظراً إلى إرشاداته المكتوبة للمتحدثين الرسميين الإسرائيليين على شكل: إفعل ولا تفعل، أو: قل ولا تقل».


«لا يوجد شيءٌ من هذا القبيل»
«في البداية، قل لا يوجد شيءٌ من هذا القبيل، لأنه لا يوجد مبرّر على الإطلاق لقتل النساء والأطفال الأبرياء». قل: «ربما نختلف في السياسة، وربما في الاقتصاد أيضاً. ولكن، هناك مبدأ أساسيّ يقول إن جميع الشعوب في جميع أنحاء العالم تتفق على فكرة مفادها أنّ: الشعوب المتحضرة لا تستهدف النساء والأطفال حتى الموت». يستفيض لونتز قائلاً: «الخطاب الإسرائيلي هو الخطاب الأميركي: ديموقراطيّة، حريّة، أمن، وسلام».
هناك بالطبع فجوة بين ما يؤمن به المسؤولون والسياسيون الإسرائيليون وبين ما يقولونه، لأن ما ينطقون به مُصمّم بالتفصيل من أجل تحديد ما يريد الأميركيون سماعه. في هذه الحالة، يصير لزاماً على كل صحافي يرغب بطرح أسئلة أو إجراء مقابلة مع متحدث إسرائيلي رسمي، ألا يفعل ذلك قبل قراءة دليل لونتز.
يقول الدليل «السري» مثلاً: «إن الأميركيين يوافقون على أن لإسرائيل الحق في التمتّع بحدود قابلة للدفاع عنها»، ولكن الدليل لا يوضح بالضبط طبيعة تلك الحدود. لذلك، وبحسب لونتز، فإن المتحدث «سيضرّ بمصلحة بلاده إذا حاول تحديد أو تعريف تلك الحدود بدقّة»، فينصحه: «لا تتحدث عن الحدود بعبارات مثل حدود ما قبل أو ما بعد العام 1967، لأن ذلك من شأنه أن يذكّر الأميركيين بالتاريخ العسكري لإسرائيل، وسيكون ضاراً بمصلحتها، خصوصاً بين اليساريين الأميركيين. فينخفض على سبيل المثال تأييد حق إسرائيل في التمتع بحدود قابلة للدفاع عنها في استطلاعات الرأي العام في أميركا من نسبة 89 في المئة إلى نسبة 60 في المئة عندما تتحدث بعبارات ما قبل أو ما بعد 1967».
ويكمل الكتيّب: «إذا وقع خطأ في الإجابة، وجب فوراً استحضار خطر الإرهابيين الذين يستهدفون الطائرات. فتصبح حجة الدفاع عن حدود إسرائيل أقوى». وتشير استطلاعات لونتز إلى أنّ نسبة 58 في المئة من الأميركيين يؤيّدون قيام دولة فلسطينية على حدود العام 1967، وفي المقابل تقرّ نسبة 52 في المئة منهم بضرورة حماية الطائرات من الإرهابيين. ولأن المصطلحات ذات أهمية عالية، «قل: إنّ إسرائيل لن تُعطي المزيد من الأرض مقابل السلام، لأنها في كل مرّة تفعل ذلك، تُقابَل بالحرب عليها».


«لا يرغبون»
ماذا عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذي هُجّروا من أرضهم في العام 1948 وفي الأعوام التي تلتها؟ يعتبر لونتز في دليله الإرشادي أنّ «قضية حق العودة هي من القضايا الصعبة بالنسبة إلى الإسرائيليين، لأن معظم ما يقولونه يشبه ما كان يقوله مؤيّدو الفصل بين البيض والسود (في أميركا في خمسينيات القرن الماضي)، وما كان يقوله مؤيّدو سياسة الفصل العنصري (في جنوب أفريقيا في الثمانينيات). الحقيقة هي أن الأميركيين لا يرغبون ولا يؤمنون ولا يقبلون مفهوم الفصل لأنه يتعارض مع مبدأ المساواة لديهم».
لذا، ينصح الدليل المتحدثين الإسرائيليين بأن يصفوا حق العودة بـ«المطلب»، لأن الأميركيين لا يحبّون الناس الذين يطالبون، وعليه يجب أن يقولوا: «الفلسطينيون غير راضين بدولتهم ويطالبون بأراضٍ داخل (إسرائيل)». وتتضمّن الاقتراحات الأخرى في الدليل والمتعلقة بحق العودة، نصيحة بأن يقول المتحدث: «إن حقّ العودة ربما يصبح جزءاً من تسوية نهائية في المستقبل».
وفي السياق، يلاحظ لونتز أنّ الأميركــــــيين عموماً يخشون من الهجرة الجماعيّة إلى الولايات المتحدة. لذا، فإن مجرّد فكرة «الهجرة الفلسطينية الجماعية إلى إسرائيل» لن تكون موضع ترحيب لديهم. هُنا يُنصح بالقول: «إن عودة الفلسطينيين سوف تعرقل الجهود المبذولة لتحقيق عمليّة السلام».


السلام، مجرّد مصطلح
يركّز لونتز في الكتيّب على أهمية استخدام كلمة «السلام»، لأنّ لها «خصوصية غير قابلة للنقاش». يستطرد: «العالم يريد ويحتاج أن يسمع أن هناك إمكانية لوضع حدّ للإرهاب. ويجب أن يصدقوا أنه في نهاية الأمر، يمكن أن يفضي التعاون بين الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني) إلى إيجاد أرضية مشتركة. هناك ضرورة ملحّة لإرفاق كلمة «الأمن» مع «السلام» بالجملة ذاتها، لأن الأميركيين يؤمنون أنّ أيّ ديموقراطيّة في العالم لديها الحقّ الكامل في الدفاع عن نفسها، وهم سيصدقون أنّ إسرائيل تدافع عن نفسها عندما تتصدّى للإرهاب، حفاظاً على أمنها».
يجب أن تتمحور رسالة المتحدث الإسرائيلي في صلب السلام والأمن، إذاً. ولكن الأوروبيين واليسار الأميركي يشككون في مصداقية إسرائيل («ظلماً»، بحسب لونتز)، عندما يتعلق الأمر بنيات السلام. يعود ذلك لسببين: «الفضل الأول طبعاً لوسائل الإعلام، لأن كل ما يرونه هو العنف الإسرائيلي. وهم نادراً ما يركّزون على التحريض الذي تبثه «حماس» المدعومة إيرانياً. والسبب الثاني هو أن البعض ينسى أن إسرائيل لديها سجلّ من النجاحات الديبلوماسية في تحقيق السلام».
وهناك أيضاً قائمة من الكلمات والعبارات التي يجب استخدامها، وتلك التي يجب عدم استخدامها. ومن أهم العبارات الواجب قولها: «الوسيلة الفضلى والوحيدة للتوصل إلى سلام دائم هي في تحقيق الاحترام المتبادل». هُنا، يجب التشديد، وفي كل وقت، على «رغبة إسرائيل في السلام مع الفلسطينيين، لأن ذلك ما تريده غالبية الأميركيين». ويدعو لونتز المتحدثين إلى إظهار الرغبة في التوصّل إلى تفاهم متبادل، عبر القول: «أريد التحدث إلى الأمهات الفلسطينيات اللاتي فقدن أولادهن، ولا أريد رؤية أب أو أم يدفنان ولدهما».
ويحتوي الدليل على فصلٍ كامل يدعو المتحدثين للتشديد دائماً على علاقة «حماس» بإيران وضرورة «عزل حماس المدعومة من إيران باعتبارها عقبة في طريق للسلام».
كذلك، تركّز النصائح على اللهجة والنبرة وطريقة العرض التي يقدم بواسطتها المتحدّث الإسرائيلي موقف بلاده. ومن أبرز تلك النصائح: «إظهار التعاطف مع الفلسطينيين، الناس لا تهتم بما لديك من معلومات إلا بعد أن تظهر مدى اهتمامك بما تتحدّث عنه. تعاطف مع كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي». وفي تأكيد آخر، يدعو لونتز المتحدثين إلى عدم «تبرير ذبح الأطفال والنساء»، إذ عليهم مواجهة من يتهمون إسرائيل بأعمال كهذه، وبلهجة قاسية.
ويعترف الدليل بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترغب في حلّ الدولتين. ولكن، «يجب تغليف انعدام الرغبة هذا بلغةٍ مختلفة، لأن نسبة 78 في المئة من الأميركيين تريد هذا الحل». وهنا، يجب على المتحدّثين التأكيد على «رغبة إسرائـــــيل في إنعاش أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية وتحسينها».
في إحدى المقابلات الـــــتي أجـــــراها خلال عملية «الجرف الصامد»، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «حان الوقت لنسأل «حماس» ما الذي قدّمته من أجل تحقيق الازدهــــار لشعبها؟». وإذ يظهر الكتيّب في كلام نتنياهو، فهو يظهر أيضاً في ما لم يقله: يوجد حصارٌ عمره ثماني سنوات هو سبب بؤس أهل غزة وفقرهم الأساسيّ.

 

التبشير بين مؤمنين
بينما يهتمّ كتيّب «مشروع إسرائيل 2009: القاموس اللغوي العالمي» بتجميل صورة إسرائيل في عيون الجمهور الأميركي، يبدو أن الإعلام السائد في الولايات المتحدة لا يحتاج إلى النصح، إذ يبادر إلى تقديم الإجابات على الأسئلة، في معرض طرحها حتى.
في يوم الأحد 27 تموز الماضي، حلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضيفاً ضمن برنامج «وجه الأمة»، الذي يقدّمه بوب شيفر على قناة «سي بي أس» الأميركية. بعد وصفه لموقف نتنياهو إزاء العملية البريّة التي شنتها القوات الإسرائيلية على غزة بـ«المفهوم جداً»، طرح شيفر السؤال عن «الضحايا المدنيين»، ولكن فقط بهدف «معرفة ما إذا كان سقوطهم يشكّل مشكلة علاقات عامة» في معركة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي. لم ينتظر شيفر إجابة ضيفه. إذ قدّم بنفسه الإجابة، مستعيناً بما قالته رئيسة وزراء العدو الرابعة (1969 1974) غولدا مائير (1898 1978) ذات مرّة: الإسرائيليون لن يسامحوا العرب أبداً، «لأنهم يرغموننا على قتل أطفالهم».
ولكن، لا بد أن تغييراً يصيب اليوم خطاب قطاعات أقل سيادةً في الإعلام الأميركي والغربي، أتاحت تبديل الصورة البريئة لإسرائيل في العالم. هذا التبديل هو تحـــديداً ما يستهدفه الكتيّب.