| 

تحاول دولة الاحتلال الإسرائيلي تغليف جرائم حربها ضد قطاع غزّة بقشرةٍ قانونية، مُدّعيةً أنها تُحذّر السكّان المدنيين قبل قصف منازلهم بما تُسميه «الصاروخ التحذيري»، وهو الصاروخ الذي تُطلقه طائرة الاستطلاع على سطح المنزل، قبل أن تُغير الطائرات الحربية على المنزل فتسويه بالأرض فوق رؤوس ساكنيه.
لكن مدير «مركز الميزان لحقوق الإنسان» عصام يونس يؤكد في حوار مع «السفير» أن القانون الدولي لا يتضمن أي مواد تنص على تحذير السكان المدنيين بصاروخ، كما لا ينص القانون أساساً على استهداف المناطق المدنية، باعتبار أن قطاع غزّة منطقة مدنية بامتياز، معتبراً هذا السلوك «عدوانيا ويمثل جريمة حرب مُنظّمة».
^ هل هناك في الدنيا شيءٌ يُسمّى «صاروخاً تحذيرياً»؟
} أولاً.. يجب العودة بالأمور إلى العدوان الأسبق على غزّة في 2008-2009، عندما جرد تقرير السيد غولدستون ما قامت به دولة الاحتلال من استهداف للمدنيين العزّل، واعتبره يرقى لجريمة حرب. ومن ضمن ما جاء في التقرير أن قوّات الاحتلال قصفت المدنيين من دون أيّ إنذار أو إبلاغ مُسبق. في العدوان الحالي على غزة، برّرت دولة الاحتلال جرائمها باستخدام ما يُسمى بـ«الصاروخ التحذيري» الذي يُطلق على سطح المنزل، وبعد ذلك بدقيقة يُقصف المنزل. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر هذا السلوك العدواني تحذيراً للمدنيين، حتى في حال كانت المنطقة تتعرض للقصف ليلاً ونهاراً! فلا يمكن لمدني أن يُميّز نوع الصاروخ، وأين وكيف أُطلق، بالتالي لا يُمكن أن يُشكل هذا الصاروخ تحذيراً، هذا أولاً. ثانياً: هل يُمكن تحذير عائلة، أو منزل، بإطلاق صاروخ؟! هذا الصاروخ تسبّب في سقوط عدد من الضحايا، شهداء وجرحى، قبل أن تُقصف المنازل. الصاروخ نفسه تسبّب بتدمير منازل!
^ إذاً، هو صاروخ تدميري بالدرجة الأولى..
} ضرر هذا الصاروخ الذي تُطلقه طائرة الاستطلاع الإسرائيلية هو كبير جداً. وبالنظر إلى أن مُعظم مباني قطاع غزة هي من ألواح «الأسبستوس»، لا سيما مخيمات اللاجئين، فإن تحذيرها بصاروخٍ هو فعل ينطوي عليه تدمير المنزل وإصابة من فيه أو استشهادهم. قضية أخرى مرتبطة بهذا الصاروخ الوهم، إذا اعتبرنا أن هذا تحذيري وعلى من بالمنزل مغادرته: الوقت غير كافٍ لإخلاء المنزل. تخيّل المبنى مُتعدد الطوابق، كيف سيتم إخلاؤه بدقيقةٍ واحدة؟ وتخيّل لو كان فيه مُسنّ أو شخص ذو إعاقة... والأهم، أن هذا الصاروخ يُطلق والناس نائمون، فهل يُعقل أن يتم إخلاء منزل في ظرف دقيقة؟
ثم إن «التحذير» يفيد بأنه يجب على السكان مغادرة المنزل في دقيقة أو اثنتين على أبعد تقدير. فلنفترض أن الأسرة استطاعت مغادرة المنزل، وقُدّر لها في دقيقتين إخلاء المنزل قبل قصفه، فإن القوة التدميرية للصواريخ المُلقاة على منازل المواطنين في قطاع غزة تتسبب بخطرٍ مُحدق يغطي مساحة 100-150 متراً مربعا، بمعنى أنه يجب على السكان خلال ثلاث دقائق أن يغادروا منزلهم المكوّن من عدّة طبقات، ومُحيط المنزل بمسافة لا تقل عن 150 متراً حتى لا يُصيبهم الضرر. وأي فرد يتواجد في هذه المسافة قد يتعرض للإصابة أو الموت، وقد تم توثيق عدد من الحالات حيث استطاع الناس الخروج من المنزل ولكنهم استشهدوا أمامه.
^ ما الهدف الذي يسعون لتحقيقه من الإعلان عن هذا الصاروخ إذاً؟
} هي جريمة حرب بالدرجة الأولى، وإسرائيل تريد أن تتملص منها، فتستخدم حجة أنها قصفت المنازل بعد تحذير ساكنيها بالخروج. بالتالي، هي تحاول أن تخلي نفسها من مسؤولية هدم المنزل وقتل من فيه عن طريق تحذيرها للسكان، بدعوى أن الضحية هي من قتلت نفسها، وهي من استهدفت نفسها، ودمرت منزلها. وهذا يُذكرنا بقضية الناشطة الأميركية راشيل كوري التي قتلتها ومشت فوقها الجرافات الإسرائيلية في رفح جنوب قطاع غزة، وبرأت إسرائيل نفسها من القضية بدعوى أن راشيل اختارت المكان والوقت الخطأ.
^ هل الصواريخ التحذيرية تتيح تبرئة لإسرائيل من جرائم الحرب في القانون الدولي؟
} بالتأكيد لا، هذه بدعة إسرائيلية. الأهداف المدنية هي أهداف مُحصّنة، كذلك المؤسسات الخاصة، والأعيان المدنية، والأحياء السكنية، هي كلها خارج نطاق الاستهداف، حتى لو تواجد هدف عسكري داخل المنطقة المدنية فلا يجوز استهدافه. وفي حالة الضرورة، لا بد من التأكد من إخلاء المنزل تماماً قبل قصفه. حتى هذه الحالة النادرة تبقى غير مطبقة في السياق الفلسطيني، ومُخالفة لقواعد القانون الدولي. وأعتقد أن القضية الأهم هي: لماذا تقوم إسرائيل بذلك؟ أنا أعتقد أنها ترى نفسها مُحصّنة، وفوق القانون، يتوفر لها غطاء سياسي قانوني، فتحدث ما تشاء من الأذى في الجسم الذي تنتقم منه.

^ أي قانونٍ إذاً تلبّي بالتحذير؟
} هي تصنع لنفسها قانوناً، قانونها الخاص، وتفرضه على النقاش الدولي. وهذا لا علاقة له بالقانون الدولي. نحن نرى أن ما يحدث فعلياً هو إخلاء لمناطق بأكملها، بالتهجير لكن أيضاً بالقتل، الاستهداف المباشر. ونحن نتحدث هنا عن ربع سكان قطاع غزة الذين يوزّع عليهم الاحتلال مناشير إخلاء. فأيّ ضرورة حربية تقتضي إجلاء أحياء كاملة من ساكنيها، وتدمير ممتلكاتهم وبيوتهم؟ كل ذلك يتبع لقانون خاصٍ، قانون المُحتلّ. إسرائيل تُخلف أحكام اتفاقية جنيف الرابعة مادة مادة بوقاحةٍ غير مسبوقة. إذا كنا نتحدث عن نماذج جرائم الحرب، فإن النموذج الذي يُدرّس لطلبة القانون هو ما تقوم به إسرائيل الآن.
^ هل من مسؤولية على الفلسطينيين في استقبال مصطلح «الصاروخ التحذيري»؟
} لا لا، الفلسطينيون هم تعريفاً ضحايا، ضحايا الاحتلال. هم مَن يتعرضون للآلة الحربية الإسرائيلية، هم من تُقصف منازلهم فوق رؤوسهم، وهم من يُلقى عليهم صاروخ يُسمى «تحذيرياً» يقتلهم في بيوتهم، وهم من تُقطع عنهم الكهرباء والمياه، ... بالتالي، نحن نتحدث عن شعب تحت الاحتلال لا يمكن إلا أن يتحمّل الاحتلال المسؤولية الكاملة عمّا يلحق به من أذى.
^ وما الآفاق المُتاحة للفلسطينييــــن فــي هذا الــــسياق لمحاكمة إسرائيل دولياً على جرائمها في قطاع غزة؟
} نحن لسنا سذجاً، ولسنا واهمين، نعي جيداً وضع العلاقات الدولية القائم عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، سواء في مجلــس الأمن أو غيره من منظمات الأمم المتحدة. الآن، مجلس الأمن لا يكتفي برفض تشكيل محاكم لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، بل انه يقف في وجـــه أي محاولة لتمرير قرار يُدين إسرائيل. بالتالي، لم يعد هناك من بدائل سوى التوجه للمحاكم الوطنــــية أو ذات اختصاص جنائي دولي في بعض البلــــدان التي يسمح قضاؤها باستقبال دعاوى شبــــيهة. نحن نعلم بأننا قد لا نرى مجرمي الحرب الإسرائيليين خلف قضبان العدالة، لكني أعتبر أن السعي هو جزء من المعركة المفتوحة مع الاحتلال، وهي المعركة القانونية.