| 

في كتابه «العتبة في فتح الإبستيم»، يشير الباحث والأكاديمي الفلسطيني إسماعيل ناشف إلى تاريخانية فلسطين كفكرة. إذ أنه منذ العصر الإمبريالي، تشكّلت فلسطين واقعًا وإدراكًا ومازالت كاحتمالٍ ضروريّ للحداثة الأوروبية وتاليًا الأميركية، لا تستقيم تلك الحداثة إلا بإمبريالية تسيطر على فلسطين، ولن تنتهي فلسطين كقضية إلا بتحول الحداثتين إلى شرط/ طور مختلف، مفارق لفكرة المركزية الأوروبية. وهنا، قراءة السردية الإسرائيلية الذاتية/ الوجودية التي تقدم نفسها باعتبارها امتدادًا حضاريًا للتنوير والعقل الأوروبي الغربي الحامل لمشعل الحضارة إنسانيًا، تضيء الآخر الإسرائيلي في الإدراك لدى النظر الدقيق والمتفحّص لتفاصيل ذلك الكيان الاستيطاني. وحروبه (باعتبار أن السياسة ضرب من ضروب الحروب، والعكس صحيح) ليست استثناءً من تلك الإضاءات الإدراكية.
عين العصفور
في العدوان الأخير على القطاع الغزّي (كُتبت هذه المادة من بعد اليوم الـ12 للعدوان الإسرائيلي / تموز 2014، وإنجاز المقاومة الفلسطينية الأسطوري) ثمة مشاهد لا بد أن نتوقف أمام دلالتها في العقل الإسرائيلي وإدراك الواقع الحادث. إذ تجمّع بعض من المستوطنين على تلّة مرتفعة في إسديروت القريبة من القطاع، وأقاموا سهراتهم الاحتفالية في مشاهدة الطائرات والبوارج والدبابات في أثناء قصفها للقطاع. وإذا صعدت العين الرائية كعصفورٍ بمسقط رأسيّ، ارتفاعًا إلى الأعلى فوق القطاع والإسرائيليين الثملين بالدم، يتبدى لنا باقي المشهد شارحًا: جغرافيا القطاع وحصارها تشكل تماثلًا مع المسرح الروماني (Amphitheater)، حيث كانت تقام في الإمبراطورية الرومانية (التي يحيل بعض المؤرخين بدء «الحضارة» منها) «ألعاب الموت» أو «تراجيديا الموت» بتعابير المسرح والدراسات الفنية. فيها، يتمّ حصار الضحية (و»الضحية» تمّت تسميتها في أدبيات العولمة الحداثية أو الكولونيالية الجديدة بوصف «المصارع» (Gladiator)، في عملية غسلٍ خطابيّ، لتبرئة الإمبراطور الذي قامت هذه المذبحة/المسرحة لإمتاعه، واستمرت عمليات الغسيل وصولًا إلى الفلسطينيّ الآن) في فراغٍ مكانيّ مسوَّر، له منافذ محدّدة الاتجاه لدخول «عامل الموت» (الأسود/ المحاربين وغيرهم) فتبدأ المسرحة.
والهدف من التسوير والدخول المحدّد الاتجاه إلى ميدان «الموت» هو ضمان السيطرة على ثلاثة عناصر: جسد الضحية، «زمانها» (وقت المواجهة)، «مكان» المواجهة (الحلبة). وهو بالضبط ما يتضح في وضعية القطاع المحاصر، حيث يحيط به سورٌ لضمان الحصار والسيطرة على القطاع (الحلبة)، مدعمٌ بمنظومة حصار قانوني وإجرائي تمنع دخول ما يمكنه ضمان معيشة إنسانية لذلك الجسد الفلسطيني، ومنظومة مراقبة أخرى، تقنية/ تكنولوجية تضع الحلبة دومًا تحت سيطــــــرة عين العدو وهندسته (لعل المثال الأبرز تقدّمه الطائرات بلا طيار). كما توجد فقط خمسة معابر/ منافذ مع دولة الاحتلال، وسادسٌ مع مصر، الشريكة في «مسرحة الموت». ففي لعبة الموت، حضر دومًا حامل السوط، وهو يمنع الضحية/ المقاتل من الخروج من البوابة محددة الاتجاه. هذه المعابر تضمن حالة من عدم التقابل (Asymmetry) بين الموت (وعملائه) والضحية، تمامًا كما يحدث في المسرح الروماني وما يحمله ذلك التجسيد من منظومة سيطرة ونيكروبوليتكس Necropolitics (سلطة منح الموت و/أو الحياة الواقعة على الجسد الإنساني).
فيقف الجمهور خارج فضاء/ مكان المواجهة إلى أعلى، يراقب من دون وجود مواجهة فعلية، فتتحوّل القوة ها هنا والمسرحة إلى استعراضٍ حربيّ للقوة والسيطرة، تحت دينامية خطابية معينة («جيش» لدولة يأخذ شرعيته من «الدفاع» عن وجودهما).
«مدينة محاطة بغابة»
في كتاب إيال وايزمان «الأرض الفارغة» (2007)، وتحديدًا في الفصل السابع منه الذي يحمل عنوان «منظومة الحرب: المشي خلال الجدران»، يقتبس وايزمان عن القائد العام الإسرائيلي شيمون نافيه، مقولته عن إنشاء الجدار العازل في الضفة: «أي طريق يسلكه السياسيون لإنشاء الجدار سأوافق عليه، طالما أن لديّ القدرة على اختراقه». وتعدّ هذه المقولة تطويرًا بنيويًا لمقولة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ووزير الدفاع إيهود باراك عن كون إسرائيل «مدينة محاطة بغابة»، في معرض توصيف أهمية الجدار للذات الإسرائيلية.
من خلال هذا الامتياز الإسرائيلي المشروط، يمكننا أن نفهم أهمية الحرب على طريقة المسرح الروماني في العقل الإسرائيلي / الغربي/ الأبيض/ الحداثي، بما يتضمنه ذلك من تفاصيل بعينها، أقلها فكرة الاتصال بالغزيين دقائق قبل تفجير منازلهم، في محاولة لغسل الجريمة. وبالتالي، نفهم كذلك أثر المقاومة على تلك المنظومة العقلية السياسية الحربية للعدو، وكيف واجهتها.
السلطة على المكان
بمراقبة التطور المواجهاتي للمقاومة على مدى المواجهات السابقة المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي (2008-2009 /2012 /2014)، مرورًا بعمليات الاختطاف (شاليط/ المستوطنين الثلاثة/ شاؤول آرون)، وبالإحالة للعناصر الثلاثة التي سبق ذكرها آنفًا في مسرحة الحرب وهي: الجسد/ الزمان/ المكان، يمكن ملاحظة التالي:
الجيش الإسرائيلي لا يستطيع إلا أن يواجه في «أماكن» محدّدة، على أن يملك هو «سلطة» تحديدها جغرافيًا، وذلك جلي في جميع مواجهات الدولة الإسرائيلية. وتلك نقطة هامة في المواجهة والحسم، ويمكن تبين آثارها في أكثر من مشهدٍ ليست حرب تموز 2006 إلا أكثرها جلاءً. وهو ما ينعكس أيضًا على المواجهات التي تخللت الانتفاضة الفلسطينية، ومواجهات برافر وعرعرة وغيرها. وفي الحرب الأخيرة، كان انفتاح «مكان» المواجهة بما لا يسير على هوى إسرائيل، بواسطة صواريخ المقاومة التي وصلت حدود المثلث في شمال فلسطين المحتلة (الخضيرة ومجيدو)، كسرًا لسلطة تحديد المكان «مسرح الموت» (يمكن ملاحظة ذلك في أحداث ما عرف بـ«قناص الخليل» أيضًا) لمصلحة فكرة المقاومة، في مشهد يفرض سيطرته على «مكان» المواجهة، وكسر منظومة السيطرة عليه.
النفق والصاروخ
من الأعالي، حيث تتموضع العين الرائية فوق غزة/ المكان/ المسرح كعصفور، يمكننا أيضًا - تفهم دلالة فكرة الأنفاق في كسر النموذج الحداثي التاريخي للمواجهة الذي يمثله «المسرح الروماني/ الإسرائيلي» في تحديد «المكان» والسلطة عليه. فالأنفاق التي باتت استراتيجية غزّية ناجحة في مواجهة الحصار والعدوان الإسرائيلي، تمثل للعدو الإسرائيلي/ الإمبراطور كسرًا لمفهوم السلطة على المكان. فغزة التي كسرت حصارًا وحروبًا، «اقتحمت» أعلى نماذج المكان الإسرائيلي الإحتلالية/ الإحلالية وهي التجمعات الزراعية الصهيونية الـ«كيبوتز»، التي اعتمدت عليها ولا تزال الحركة الصهيونية في احتلال المكان/ الأرض الفلسطينية وتأسيس المجتمع اليهودي وربطه بالأرض المغتصبة. إذ يتحدث أحد سكان «إين هاشلوشا» (العين الثالثة) وهي إحدى «الكيبوتزات» المحاذية لغزة، عن اكتشافه نفقًا فلسطينيًا (2009) قدّر الإسرائيليون حينها طوله بالميل والنصف أو يزيد، وعمقه 66 قدمًا تحت الأرض، ما جعل سلطات الاحتلال تصفه بـ«المعقد والمتقدم». (الواشنطن بوست تموز 2014).
وفي دلالة أخرى على المكان، مستمدّة من نموذج المدينة الإسرائيلي وسطح المكان المديني في المواجهة بين غزة (الحلبة) والمدن الإسرائيلية (اللاحلبة - إسرائيليًا)، كان الغزيّون يصفون غزة بأنها «مدينة تحت الأرض» (عدوان 2014). وهو أمر واقع إذا ما نظرنا إلى وجود الأنظمة الدفاعـــية والصــــــاروخية المقاومة تحت الأرض الغزية بما لا تكشفه عين المحتل المراقبة، ويعطي المقاومة القدرة على استغلال تلك الثغرة فـــــي المكان/ الحلبة. فتصبح عين المُحتل غير قادرة على رصــــد وهندسة قدرة المحتل على المقاومة، على غير ما هو الأمر في المدن الإسرائيلية.
«30 منطقة إنذار»
مع تزايد ضربات المقاومة واتساع جغرافيا الإصابة (والإصابة لا تقاس بالماديات) وصولًا إلى المدن الرئيسية الإسرائيلية كلها والنقاط بينها، لجأت دولة الاحتلال إلى زيادة عدد «مناطق الإنذار» في فلسطين المحتلة وصولًا إلى أكثر من 30 منطقة إنذار. لكلّ منطقة نطاقها الزمني، الذي يجب على قاطنيها أن يصلوا خلاله إلى الملاجئ للاحتماء والبقاء هناك فترة زمنية معينة.
لعل أثر المقاومة ها هنا لا يقتصر فقط على استحواذ إسرائيل على السيطرة على مكان المواجهة (الحلبة/ الغابة) والتحكم فيه وفي مداخله وزمنه. فتلك السيطرة التي تعتمد ديمومتها على القول بأن الزمن الإسرائيلي الحداثي/ المتقدم/ النيوليبرالي/ المتحرر/ المديني، زمن «المدينة الإسرائيلية» (باعتبار أن المدينة هي قمة النموذج الحداثي) التي أشار إليها إيهود باراك، لا يتأثر بزمن «الغابة» الفلسطينية التي أحاطها بالأسوار. فالإسرائيلي لا يزال يمارس حياته اليومية في مدينته والزمن زمنه هو وحده المتحكم فيه، والخطاب الإعلامي العربي والعالمي والإسرائيلي دأب على القول بعبثية المقاومة التي لا تؤثر في حياة الإسرائيليين، و«الحياة» هنا تعني الزمن وتداعياته الحداثية وسلطة الفرد عليه.
المقاومة هي مَن فتحت ميدان/ مكان المسرحة وكسرت السلطة الإسرائيلية عليه، وأجبرت العدو على زيادة تقسيماته الزمنية والمكانية، وبالتالي السيطرة على زمان المواجهة ومكانها، وجعل المواجهة غير مشروطة بالطرف الأقوى الإمبراطور/ إسرائيل في المسرح اليوناني وقدرته على تحريك الجسد والمكان والزمان الفلسطيني في الزمان والمكان اللذين يريدهما. وبالتالي، أدّت المقاومة إلى التحكّم في زمن الجسد الإسرائيلي/ العدو وموقعه في المكان. وهو بمنطقٍ حداثيّ تستمدّ منه إسرائيل شرعية وجودها في محيط جغرافي «متخلف»، يصبّ في مصلحة المقاومة التي كثيراً ما تم وضعها ضمن قالبٍ يصف فكرة المقاومة عمومًا بالعبث والتخلف.
«هرقل»
يظل أخيرًا في تلك المنظومة الثلاثية «الجسد»، الجسد الفلسطيني المعروض كسلعة استهلاكية صورية/ فوتوغرافية إعلامية في منظومة العولمة الإعلامية التي تقوم على العنف والجنس والمال (جميعها أنماط ذكورية)، في مقابل الجسد الإسرائيلي المترفع لكونه رأس المال مقابل الجسد السلعة، فإن إنجاز المقاومة في عدد مَن يتساقطون من جنود الجيش الإسرائيلي قتلى أو أسرى (إلى الآن أسير واحد، بعد مقتل ثلاثة مستوطنين مختطَفين)، وصدّ المقاومة لـ«لواء غولاني» الإسرائيلي وما مثله من نصر في الوعي الفلسطيني المقاوم (ما تسعى جاهدة إسرائيل إلى إخفائه عن جبهتها الإعلامية الداخلية)، هي عوامل تؤكد أن المحارب في «المسرح الروماني/ الإسرائيلي» يمكنه أن يقتل الأسود بيديه العاريتين وأن يكسر هذا المسرح في الوعي وقيده، من دون أن يكون مضطرًا أن يُسمى «هرقل»، وأن تُحكى حكايته بــ«العبراني».