| 

في هذه الزاوية الأخيرة، تقترح "السفير" على قرّاء ملحق "فلسطين" مقتطفات من أعمالٍ متخصّصة في الشأن الفلسطيني، أو أنتجها فريق عمل فلسطيني، أكانت روايات، دراسات، كلمات أغاني فرق موسيقية، أو مشاهد وحوارات سينمائية، ...
في كل عدد، يـ/تختار المقتطفات لكم زميل/ة، بخصوصية في الانتقاء تشبه القلم الرصاص الذي يخطّ سطوراً أحبها أو وجد فيها غاية معيّنة، فيتم تشاركها مع قرّاءٍ ربما يكتفون بما أضافته إليهم، أو تغريهم بالذهاب إلى المصدر والبحث عن المزيد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المقتطفات لا تختصر العمل الذي هي بصدده، ولا تقدّم جردة وافية للأفكار الواردة فيه، وإنما تشارك مع القرّاء عبارات بدت لافتة لعين قارئها.
وفي حال ترجمة نصوص من لغتها الأصلية إلى العربية، فإن الترجمة تبقى غير رسمية، ولا تلزم العمل الأصلي بمضمونها.

في هذا العدد الخاص، ننشر مقتطفات من أعمال كاتب فلسطين الشهيد غسان كنفاني.

• "في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئًا سوى أنْ تنتظر.. لقد احتجتَ إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدّقَ أنّك فقدتَ شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها.. في هذه السنوات الطويلة شقَّ الناسُ طرقَهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير.. ماذا تراك كنت تنتظر؟ أنْ تثقبَ الثروةُ سقف بيتك.. بيتك؟ إنه ليس بيتك.. رجل كريم قال لك: أسكن هنا! هذا كل شيء وبعد عام قال لك أعطني نصف الغرفة، فرفعت أكياساً مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد.. وبقيت مقعيًا حتى جاءك سعد وأخذ يهزُّكَ مثلما يهزّ الحليب ليصير زبدًا".

"رجال في الشّمس" – 1963


• "وحين كان يقود سيارته وسط شوارع حيفا، كانت رائحة الحرب ما تزال هناك، بصورة ما، غامضة ومثيرة ومستفزّة، وبَدَتْ له الوجوه قاسية ووحشيّة، وبعد قليل اكتشف أنّه يسوق سيارته في حيفا دون أن يشعر بأنّ شيئًا في الشوارع قد تغيَّرَ. كان يعرفها حجرًا حجرًا ومفرَقًا وراء مفرق، فلطالما شقَّ تلك الطرق بسيارته الفورد الخضراء موديل 1946. إنّه يعرفها جيّدًا، والآن يشعر بأنّه لم يتغيَّبْ عنها عشرين سنة، وهو يقود سيارته كما كان يفعل، كما لو أنه لم يكن غائبًا طوال تلك السّنوات المريرة.
وأخذت الأسماء تنهالُ في رأسه كما لو أنّها تنفُضُ عنها طبقة كثيفة من الغبار: وادي النسناس، شارع الملك فيصل، ساحة الحناطير، الحليصة، الهادار، واختلطت عليه الأمور فجأةً، ولكنه تماسك، وسأل زوجته بصوت خافت: "حسنًا، من أين نبدأ؟".

"عائد إلى حيفا" – 1969


• "أتحسب أنّنا لا نعيش في الحبس؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشّي داخل ذلك الحبس العجيب؟ الحبوس أنواع يا ابن العم! أنواع! المخيّم حبس، وبيتك حبس، والجريدة حبس، والراديو حبس، والباص والشّارع وعيون الناس.. أعمارنا حبس، والعشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس.. تتكلم أنت على الحبوس؟ طول عمرك محبوس.. أنت تُوهمُ نفسك يا ابن العم بأنَّ قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريّات؟ حبس، حبس، حبس. أنت نفسك حبس.. فلماذا تعتقدون أنّ سعد هو المحبوس؟ محبوس لأنه لم يوقّع ورقة تقول إنه آدمي.. آدمي؟ مَن منكم آدمي؟ كلكم وقعتم هذه الأوراق بطريقة أو بأخرى ومع ذلك فأنتم محبوسون..".

"أم سعد" – 1969


• "أمّا قاسم فقد وُضِع في سجن عكا، في الغرفة رقم 362، وصار اسمُهُ منذ ذاك: السّجين رقم 362".

"العاشق" – 1966


• "كان شيء ما يُولَدُ في تلك المسافة المتوتّرة الممتدة بين عالمينا وأنا أستشعرُ ذلك بصورة لا يمكن تفسيرها، ومضى: "قالوا لي إنك من طيرة حيفا". وسكت قليلًا: "وأنا أيضاً من طيرة حيفا" . أسقطتُّ قطعة النقد الأخيرة من بين أصابعي إلى الدّرج فصَدَرَ رنين كأنه صوت الدّهشة "نلتقي بعد عشرين سنة!" وضحك، مُصدِرًا ذلك الضّجيج الصغير، والودود: "اثنان من طيرة حيفا، يلتقيان بالصّدفة حول حبّة فقع! أليس ذلك معجزة يا عبد العاطي؟".

"الأعمى والأطرش" – 1966


• "ليست المقاومة المسلّحة قشرة، هي ثمرة لزرعة ضاربة جذورها عميقاً في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فإنّ البندقية ذاتها تنبع من إرادة التحرير، وإرادة التحرير ليست سوى النتاج الطبيعي والمنطقي والحتمي للمقاومة بمعناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسُّك الصلب بالجذور والمواقف.
ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي والعمل الثقافي، ويشكّل هذان العملان المترافقان اللذان يكمل واحدهما الآخر الأرض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة وتحضنها وتضمن استمرار مسيرتها وتحيطها بالضمانات.
ومن هنا فإنّ الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهميّة قصوى ليست أبدًا أقلّ قيمة من المقاومة المسلَّحة ذاتها، وبالتالي فإن رصدها واستقصاءها وكشف أعماقها تظلُّ ضرورة لا غنى عنها لفهم الأرض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح".

من كتاب "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968"


• "أنا أعرف ما الذي أضاع فلسطين.. كلام الجرائد لا ينفع يا بني، فهم- أولئك الذين يكتبون في الجرائد يجلسون في مقاعد مريحة وفي غرف واسعة فيها صور وفيها مدفأة، ثم يكتبون عن فلسطين، وعن حرب فلسطين، وهم لم يسمعوا طلقة واحدة في حياتهم كلها".

"أرض البرتقال الحزين"- 1963


• "قد نختلف إلى حَد تبادل اللّكمات في تعريف الحضارة، و لكنّني لن أتنازل إطلاقًا عن الاعتقاد الغريب الّذي صار يشبه الإيمان عندي، وهو أنّ "الاعلانات المبوّبة" في صحيفة من الصحف، هي "البارومتر" الذي يقيس عملية دخول شعب من الشعوب إلى الحضارة، أو خروجه منها، أو برطعته فيها. وأنت إذا أمسكتَ أي جريدة أو مجلة، و قرأت باب الإعلانات المبوبة، فلا شكّ أنك تستطيع تكوين فكرة طيّبة عمّا يحدث في البلد، وحركة المجتمع والاقتصاد، وحتى - في الواقع- الرّغبات".

من كتاب "فارس فارس"


• "لم يكن عبدالجبار قد مات، بعد، عندما وصل رفاقه اليه ملقى بين جثث الجنود .. وبصعوبة جمّة سمع أحدهم صوته يملي قراره الموجز الأخير:
" ليس المهم أنْ يموت أحدنا .. المهم أنْ تستمرّوا.."
ثم مات.

من قصّة "قرار موجز" – دمشق 1958


• "أنت تريد أن تحكي عن المقابل الآن! مَن هو الّذي رتَّبَ لكم عالمكم على أساس أنّ السّعادة تقف مقابل الشّقاء وأنّ الجزاء يقف مقابل العمل؟ مَن هو هذا؟ إنّ كل شيء في العالم يقف في صفّ واحد، لا شيء مطلقاً يقف مقابل الشيء الآخر.. هل تفهم؟ إنّ يومك، بكلّ ما فيه، هو التعويض الوحيد لذاته".

من مسرحيّة "الباب" – 1964


• "هل هناك ما هو أكثر رعباً في حياة إنسان كان يخبئ الحب في جيبه كسلاح أخير للدفاع عن نفسه؟".

من مسرحيّة "القبّعة والنبي" - 1967