| 

تبدو الأجواء الرمضانية في هذا العام قاتمة في الشارع الغزّاوي، فقد أشعلت إسرائيل غزّة بقذائفها الصاروخية التي لا تنفك تهوي على رؤوس المدنيين العزّل، ومساكنهم المتواضعة التي أنهكها الحصار والفقر. هنا، في غزة، يتآمر الخوف من الآلة الصهيونية والعطش من شدّة الحرّ على صائمين ما أتيح لهم أن يلتقطوا أنفاسهم هُنيهةً من حربٍ حتى باغتتهم أخرى.
لا يشعر قُرابة مليون وثمانمئة ألف نسمة يعيشون في غزّة بأيام رمضان كالعادة الغزّية المميزة، وباتوا على غير علمٍ بما مضى من رمضان وما تبقّى منه، وجُل همّهم أصبح متابعة أخبار الأهل والأصحاب. وبات المذياع الذي يعمل على البطارية رفيقهم الأقرب، خاصة في ظل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي حرمهم مشاهدة التلفاز.
ومهما انشغل الغزيون عن أجواء مدينتهم المميزة في رمضان، إلا أنها تبدو جلية، ولكن على "استحياء". فلم يعد أصحاب المحال التجارية يُعلقون فوانيس رمضان والزينة على أبواب محالهم، ولم يعد هناك وقت لتشغيل الأناشيد الإسلامية الخاصة برمضان في الأسواق والطرق.. وحدها صورة الشهيد تحظى بالاحترام والتقدير، وأنشودة "اضرب اضرب تل أبيب" للفنانين الفلسطينيين قاسم النجار وشادي البوريني تصدح في كل الأماكن.

الحرب بدلاً من الجوع والعطش

في جولة عشوائية أجرتها "السفير" لاستطلاع آراء الناس، يؤكد الغزيون أن أجواء الحرب على غزّة في رمضان ألهتهم عن الإحساس بالجوع أو العطش خلال أوقات الصيام، وأنهم يشعرون بأن الأيام تنقضي بسرعة، نتيجة انشغالهم بأخبار الحرب.
وللمرة الأولى، يخوض الفلسطينيون في غزّة معركة مع إسرائيل خلال شهر رمضان. فأطلقت المقاومة على عملية دكّ مدينة تل أبيب/تل الربيع المحتلّة بالصواريخ اسم "معركة العاشر من رمضان".
الحزن الشديد أصبح زائراً دائماً لعدد كبير من الأسر الغزّية في رمضان. فهذه العائلة استشهد جميع أفرادها، وأخرى فقدت عزيزاً عليها، أما الثالثة فقد نُسف المنزل فوق رؤوس قاطنيها. واستبدلت إسرائيل متعة الصيام والقيام في رمضان بالخوف من الحرب، ومن الاجتياح البري للقطاع.
وحرمت الطائرات الحربية الإسرائيلية الغزيين من فرحتهم بمسحراتي مدينتهم المُحاصرة، وأضحت أصوات الصواريخ المتهاوية على القطاع هي المُنبه الشرس للسكّان على موعدي السحور والإفطار، ولكن مع فارق يصنعه أنين الأطفال وصراخهم من الخوف.
في مختلف البيوت، يسمع المرء أغلب الأطفال في غزّة يتساءلون: أين المسحراتي يا أمي؟ لماذا لم يأت اليوم؟ لماذا تقصفنا إسرائيل؟.. ولكن الإجابة أكبر من توقّعاتهم للفرح في شهر ذي طقوس مسلية. غداً يا ابني، ستعرف الأسباب، وسيسألك ابنك السؤال ذاته، مثلما هي حالنا اليوم، وستعذر والدتك حينها عن عدم إجابتك كي لا تُخيفك.

الصلاة خطر

في غزة، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، كان الناس في أول أيام رمضان يُصلون التراويح في العراء، لاشتداد الحر عليهم داخل المساجد. ولكن، مع الحرب، استهدفت إسرائيل المُصلين وأوقعتهم ما بين شهداء وجرحى، فلم تعد صلاة التراويح في العراء ببساطتها وجمالها.
الحرب على غزّة غيبت كثيراً من عادت الفلسطينيين في رمضان، فقد كنت تجدهم وقت العصر وقبل الإفطار ينتشرون في الشوارع والأسواق، ويجتمع الأهل والأحباب أمام بيوتهم للتسامر والحديث في أخبار الحارة والأقارب، إلا أن الشوارع الآن شبه خالية من البشر، وكأن منعاً للتجول فُرض على المدينة المعزولة كلياً عن العالم الخارجي، ولم يعد الناس يخرجون خوفاً من أن تستهدفهم الطائرات.
ويُعلق المواطن منصور سليمان في حديث مع "السفير" على حالة "منع التجول" التي أصابت أسواق وشوارع غزة بقوله: "نحن نرغب بشراء حاجيات أساسية للبيت والأطفال في رمضان، لكن مع القصف واستهداف كل ما هو متحرك أصبحت أكتفي بما في البيت ولو كان التمر والماء فقط". ويُضيف: "حتى لو غامرت وقررت الذهاب لشراء ما يشتهيه الأطفال، فإنهم يرفضون خروجي للسوق خشية التعرض للقصف".
في مشهدٍ تكافلي ليس غريباً على أهل غزة، يتقاسم السكان الآمنون مع العائلات التي قُصفت منازلها ولم يعد لهم مأوى آخر لقمة العيش والمسكن، كي لا تؤول بهم الحال إلى التشرد في العراء في ظل هذه الأجواء الخطيرة.
وحرمت الحرب الإسرائيلية سكان غزة من التمتع بالأجواء الصيفية والإجازة السنوية التي ينتظرونها من العام إلى العام، فهم لا يمتلكون وقتاً آمناً للذهاب إلى شاطئ البحر الذي تدور فيه معارك طاحنة ما بين الزوارق الإسرائيلية ورجال المقاومة. لم يعد السكان يتناولون وجبة إفطارهم على الشاطئ.
حتى أن مشاهدي مباريات كأس العالم التي تُقام في البرازيل باتوا في مرمى الطائرات الإسرائيلية، فاستهدفت إسرائيل مجموعة من الشباب في استراحة على شاطئ بحر خان يونس جنوبي القطاع/ قصدوها ليُشاهدوا مباراة فاستشهد منهم ثمانية (ثلاثة إخوة، وأخوان، وثلاثة أقارب) وجُرح عدد كبير منهم.
ورغم مشقّة الصيام وأجواء الحرب في القطاع، إلا أن السكان لبّوا استغاثة المُسعفين الذين ناشدوا الأهالي بضرورة التبرع بالدم لنفاد بنك الدم من المستشفيات. فهرعوا إلى المشافي وتبرعوا بدمهم لإنقاذ أصدقائهم وأبناء شعبهم، لا سيما أن مستشفيات القطاع تعاني من كارثة إنسانية جراء نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
ومن أقسى مشاهد الموت التي علقت بأذهان الفلسطينيين وقلوبهم من هذه الحرب، صورة الشهيد عبد الرحمن الزاملي أثناء رقوده في ثلاجة الموتى، بينما خطيبته التي كانت تنتظر انقضاء شهر رمضان لإقامة حفل زفافهما تذرف الدموع مصدومة باستشهاده.