| 

ذات يوم من تشرين الثاني 1974، يصل طفل في الثالثة تقريباً، قادماً من حي الكوابري في مخيم برج البراجنة، إلى مبنى صغير صار يحمل ابتداء من الآن اسم «روضة غسان كنفاني». يلتقي الطفل بفتاة من عمره، وصلت مع شقيقتها التوأم لينا. ومنذ ذلك اليوم، صار فادي دباجة وكفاح شحادة صديقين.
في الأيام التالية، يسلك فادي وكفاح الطرق المؤدية إلى الروضة وحيدين، في أزقّة ضيقة لن تمرّ فيها سيارة، تحرسهما أعين الأقارب من نوافذ منازل التنك المتلاصقة.
كانت روضة البرج أولى روضات «مؤسسة غسان كنفاني الثقافية» التي تأسست في 8 تموز 1974، في الذكرى الثانية لاستشهاد غسان وابنة اخته لميس. وكانت أيضا الروضة الأولى في المخيم المفتوح على محيطه. كان المخيم أقل اكتظاظا، تفصل بين حاراته الضيقة أشجار صنوبر ومساحات غير مبنيّة وتلال رملية يستطيع الواقف أعلاها رؤية البحر.
بعد عامين من الآن، سيتغيّر شيء ما. لكن الطفل الذي لم يبلغ السادسة بعد لم يدرك الأمر تماماً. لا يعرف إلا أنه كان مضطرا للنزول فجأة مع رفاقه الصغار إلى ملجأ حُفر بعد تدمير مخيم النبطية في العام 1974. وسيعرف أن «نداء النزول» كان تدريباً على ما سيحدث لاحقاً.
ترك فادي الروضة في العام 1976. انتقل إلى مدرسة تقع خارج حدود المخيم. كذلك فعلت كفاح التي انتقلت إلى مدرسة في برج البراجنة، المنطقة التي كانت تمتاز عن المخيم القريب بأبنيتها التي تعلو أحياناً لتصل إلى طابقين اثنين.
طفلا المخيم اللذان صارا الآن في مدارس ابتدائية واظبا على التردد إلى الروضة، ليشاركا في نشاطات للأطفال تنظمها آني كنفاني. لكن الأمر لم يدم طويلا، فقد بدأت في هذا العام «حرب السنتين». هرب فادي وكفاح مع من خرج من أهل المخيّم، وصار المبنى المجهّز بملجأ ملاذاً لمن ظلّ هنا.
بعد أشهر، هدأ الوضع، فعاد أطفال كنفاني إلى قاعاتهم الملوّنة.
في منزل قريب، كانت إخلاص نصّار ومهى يوسف تتجهزان لتقديم طلباتهما للعمل في المؤسسة. قُبلت الصديقتان. التحقت مهى بالروضة التي تقرر إطلاقها في مار الياس، وبدأت إخلاص العمل في العام 1981 كمربيّة في الروضة التي كانت تعمل في تلك الفترة بدوامين، كي تتمكن من استقبال أكبر عدد ممكن من أطفال المخيم.
لم تكد إخلاص تعتاد العمل حتى وقع الاجتياح الإسرائيلي، في العام 1982. قصف المخيم ودمرّت منازل كثيرة. لم يسلم مبنى الروضة من القصف. حاولت المربية إنقاذ ما يمكن إنقاذه. صارت تنقل أغراض الروضة إلى منزلها لتحافظ عليها. ومع نهاية الاجتياح، لم يعد المبنى صالحا للأطفال. حصلت المؤسسة لاحقاً على صالة كبيرة، قسمت إلى غرف صارت صفوفاً للأطفال.
انتهى الاجتياح ولم ينته الحصار. عاد أهل المخيم إلى منازلهم المدمّرة. راح الجيش اللبناني يسيّر دوريات في المخيم الذي امتلأ خوفاً وقلقاً بعد مجزرة صبرا وشاتيلا. لكن وصول جنود القوات متعددة الجنسيات بعدها أشاع شيئاً من الاطمئنان لدى الأهالي.
اطمئنان سرعان ما ستبدّده معارك نشبت بعد رحيل «الطليان». «يا أيها الفلسطينيون لا أعبد ما تعبدون...» صارت عبارات التهديد تصدح فوق المخيّم، من مكبر صوت علّق عند أحد مداخله. كان ذلك في الفترة التي صارت تعرف لاحقاً بـ«حرب المخيمات». حصار يليه حصار، وقصف متواصل أصاب منازل قريبة من الروضة التي توقف التدريس فيها في فترات متقطّعة استمرت حتى العام 1987.
في تلك الفترة، تولّت إخلاص مهمة الإشراف على الروضة التي توسّعت في ما بعد، فصارت تضمّ طابقين اثنين وقاعات فنون وأنشطة.
انتهت الحرب.
انضمت إخلاص إلى دورة تدريبية في «مركز المعلومات والتدريب لرياض الأطفال» الذي أنشأته المؤسسة في العام 1988. ومنه انتقلت إلى مخيم مار الياس لتعمل مربيّة في روضته، إلى جانب صديقتها مهى التي صارت مشرفة المركز. أما كفاح فتابعت تعليمها، وحازت على إجازة من «جامعة بيروت العربية». وفي مطلع التسعينيات، تقدّمت بطلب إلى المؤسسة، بتشجيع من مشرفة روضة البرج آنذاك، سهام عبد الرازق، وهي اليوم مربيّة تتولى تعليم أطفال كنفاني، ومن بينهم ثلاثة أبناء لصديق طفولتها فادي، الذي اكتشف في نفسه ميلا فنياً يقول إنه بدأ يوم كان طفلاً يرسم في غرف الروضة القديمة في البرج، فصار اليوم مخرجاً ومدربا لمنهجية التعلّم من خلال الفعل. ومن خلال مهنته هذه، قدم دورات تدريبية عدة لمربيات من روضات المؤسسة.

مخيّم البداوي

في مكان أبعد، أنشأت سيدة من مخيم البداوي روضة أطلقت عليها اسم غسان كنفاني، بعد استشهاده. بدأت الروضة بغرفة واحدة، صفّت فيها مقاعد خشبية قديمة تبرّعت بها إحدى مدارس «الأونروا». ذات يوم، التقت آني كنفاني بفريال يونس في ورشة تدريبية في منطقة سوق الغرب. ولأن إدارة الروضة مهمة تحتاج إلى أكثر من مبادرة فردية، اتفقت السيدتان على ضمّ الروضة في العام 1975 إلى «مؤسسة غسان كنفاني الثقافية»، بحيث تتولى يونس مهمة الإشراف عليها.
كانت هذه ثاني روضات المؤسسة، التي أطلقت في العام نفسه روضة أخرى في عين الحلوة.
كبرت الروضة وصارت تضم ثلاثة صفوف تقع في طابق واحد، وتحتها ملجأ سيصير بعد سنوات قليلة ملاذا لسكان المخيم الصغير، الهاربين من الحرب الدائرة بين أبو عمار والسوريين.
حصل ذلك في الوقت الذي بدأ فيه المخيم يشهد تدفقا للنازحين من مخيمات جنوب لبنان وبيروت في زمن الاجتياح الإسرائيلي. سكن هؤلاء في أحياء صارت تعرف بأحياء المهجّرين، بعضها ما زال قائما حتى اليوم.
استوعبت روضة البداوي أطفال المهجّرين مع أطفال المخيم. أطلقت نظام العمل بدوامين، ووسّع المبنى وتم تطويره في السنوات اللاحقة. أضيف طابق جديد في العام 2005، خصّص للمكتبة وللفنون، وطوّر الملجأ الذي كان يستخدم بشكل جزئي، فصارت قاعاته مجهزة للاستخدام في الأنشطة والتدريس ابتداء من العام 2007.
قبل ذلك بعام، في 2006، وصلت سميرة اليوسف التي عملت كمربية في روضة نهر البارد إلى روضة البداوي. تولّت فور وصولها مهمة الإشراف على المركز، بعد وفاة المشرفة يونس التي رافقت المركز منذ بداياته.
بعد أشهر، ستلتقي اليوسف بمشرفة مركز نهر البارد كوثر صادق، لتتفق السيدتان على بدء مرحلة جديدة من حياة مركز البداوي، استمرت حتى العام 2011.

حرب «البارد»

تأسست روضة نهر البارد في العام 1978، وكانت أول روضة في المخيم. بدأت بمنزل ضمّ خمسة صفوف، يقع على أعمدة تشكّل ملعباً مسقوفا للأطفال. في العام التالي، ارتفع عدد الأطفال المنتسبين إلى الروضة، فتقرر بدء العمل بنظام الدوامين الذي استوعب نحو 200 طفل.
راح المخيم يكبر. ارتفعت الأبنية المجاورة وعلت شرفاتها المطلّة على مبنى الروضة. كان المخيم، كغيره من المخيمات «الآمنة»، ملجأ للهاربين من الحرب في بيروت والجنوب. ومع ازدياد الكثافة السكانية فيه، اتجه بعض الأهالي إلى الشراء والبناء في الأراضي المجاورة، التي صارت تعرف بـ«المخيم الجديد».
في العام 1990، اتخذت «مؤسسة كنفاني» قرارا بالتوسع، والانتقال من المخيم القديم. اشترت قطعة أرض في المخيم الجديد، أرادت أن تبني عليها مركزاً نموذجياً. لكن حلم التوسّع احتاج إلى سبع سنوات إضافية لوضع الحجر الأساس، بسبب غياب التمويل. وبعد عامين من ذلك، افتتح المبنى الجديد لروضة غسان كنفاني في نهر البارد.
بدأ العام الدراسي الجديد في أيلول العام 1999. استوعب المركز النسبة الأكبر من طلاب الروضة القديمة، ومعهم انتسب أطفال المخيم الجديد، وبعضهم أبناء تلامذة سبق وتخرجوا في مطلع الثمانينيات.
استمر المركز المجهّز لاستيعاب الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة بالتطور، مستفيدا من الأمان النسبي الذي تمتع به المخيم. وفي العام 2011 افتتحت فيه أول مكتبة في المخيم.
ذات صباح، انطلقت ثمانية باصات محمّلة بنحو 200 طفل من أمام المركز. حملت المربيات معهن كاميرات وألعابا للأطفال المشاركين في الرحلة. ومساء، عندما انتهت الرحلة، أعادت المشرفة الأغراض إلى المركز، ألقت عليه نظرة أخيرة، وعادت إلى بيتها القريب.
كان ذلك مساء السبت، في التاسع عشر من أيار 2007.
في اليوم التالي، بدأت «حرب البارد».
تعرّض المخيم إلى قصف مباشر. قطعت عنه الكهرباء وحوصر بشكل كامل. سقط قتلى في منازل أصابتها القذائف. هرب أهل المخيم الجديد إلى القديم، ظناً منهم أنه سيكون أكثر أمانا. في ناحية قريبة من الروضة، يقع مبنى احتلته قبل هذا التاريخ بأشهر مجموعة مسلّحة من «فتح الإسلام». سيظل المبنى منتصباً معظم أيام الحرب، بينما كان المخيم القديم يسوّى بالأرض.
مرّت أيام ظنّ الناس أنها ستنتهي سريعاً، قبل أن يطلب الجيش اللبناني من أهل المخيم إخلاءه. راح المخيم يفرغ من سكانه الذين التجأ معظمهم إلى البداوي. ومع رحيلهم دمّر المخيم القديم بالكامل، وقسّم إلى قطاعات منع الناس من دخولها.
انتقلت مربيات روضة البارد مع الأهالي إلى البداوي. تحول مركز غسان كنفاني في هذا المخيم القريب إلى مكتب طوارئ، اجتمعت فيه مؤسسات الإغاثة والدعم. استمر المكتب بالعمل لأشهر تلت الحرب. ومع بداية العام الدراسي، أعاد افتتاح صفوفه أمام أطفال المخيم.
طال انتظار اللاجئين إلى البداوي، فقررت مشرفتا البداوي ونهر البارد إطلاق دوام إضافي في المركز. بدأت مربيات البارد باستقبال أطفال اللاجئين الجدد، في ملجأ روضة البداوي، بما توفر من إمكانات وتجهيزات. والترتيب المؤقت، الذي نال لاحقاً دعماً من «غوث الأطفال» السويدية، استمر حتى العام 2011.
استقبلت روضة البارد التي انتقلت إلى مركز البداوي، في العام الأول نحو 150 طفلاً. بعد أشهر على بداية الحرب، وتحديداً في تشرين الثاني من العام 2007، تسلّمت المؤسسة مبناها المدمر في نهر البارد. شرعت المربيات بإزالة الركام بأيديهن، ثم بدأ ترميم المبنى بدعم من مؤسسات عدة، من بينها «مؤسسة التعاون»، «غوث الأطفال»، «شركة الخرافي»، مؤسسة «سي.تي.أم» الإيطالية، ورجال أعمال فلسطينيين. استكملت أعمال الترميم والتجهيز، وعادت الروضة إلى كامل قدرتها في العمل. لكنها مع ذلك استمرت حتى العام 2011 في تقديم صفوف إضافية في روضة البداوي، لخدمة أطفال الأهالي الذين لم يتمكنوا من العودة.
في المخيم القديم، ما زال المبنى الأول للروضة مدمرا حتى اليوم.

عين الحلوة

صيدا، 1982.
على سفح تلة تطلّ على مخيم عين الحلوة، مركز عسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ونقطة مراقبة أعلى ركام مبنى مهدّم. تحت المبنى، ملجأ يضم نحو 500 طفل، يتوزعون على غرف تشرف عليها نساء من المخيم.
في الخارج، جنّ جنود الاحتلال بحثاً عن «مخرّب» يعرف باسم «أبو حيط». ما أن احتلّ الإسرائيليون مخيّم عين الحلوة ودمّروه بالكامل، واقتادوا من تمكنوا من اعتقاله إلى «معتقل أنصار»، حتى راح «أبو حيط» يدبّ الرعب في قلوبهم، قبل أن يكتشفوا كل مرّة أنه يسخر منهم.
احتاج الأمر عدّة أشهر كي يكتشف جنود الاحتلال سرّ «أبو حيط»: مجرّد طفل في الثانية عشرة من عمره.
قبل سنوات من الآن، انتسب «أبو حيط» إلى روضة غسان كنفاني التي كانت أول روضة في مخيم عين الحلوة. بعد عام على التأسيس (1976)، انتقلت الروضة من بناء صغير يقع في حيّ حطين، ويتألف من غرفتين وسقف من تنك، إلى مبنى آخر مستأجر، يصله الأطفال عبر شوارع الـ«وان وان» التي إذا التقى اثنان في واحد منها ينتظر أحدهما عند بدايته ليتمكن الآخر من المرور.
ستستقر الروضة هنا لسنتين أيضا، مستقبلة نحو 100 طفل يتوزعون على دوامين.
في العام 1978، أنجزت المؤسسة بناء مبنى جديد في أرض اشترتها في منطقة درب السيم التي تقع خارج حدود المخيم. تألف المركز الذي أشرفت عليه افتكار نابلسي منذ ذلك التاريخ، من طابق أرضي قسّم إلى قاعات ومساحات مشتركة، تحتها ملجأ.
صار المخيم في تلك الفترة يمتد أفقياً، بفعل تجمعات اللاجئين هرباً من مخيمات الجنوب ومن تل الزعتر، كما ارتفعت مبانيه بفعل الكثافة السكانية فيه.
ثم بدأ الاجتياح الإسرائيلي.
سقط المخيم الذي قُصف بعنف ودُمّرت بيوته بالجرافات. احتل الإسرائيليون تلّة درب السيم، ومعهم مقاتلون من «الكتائب اللبنانية» وجماعة «سعد حداد». رفضت مربيات كنفاني التخلّي عن المركز. جمعن الأطفال من شوارع المخيم وجئن بهم إلى ملجأ المبنى المدمر.
عجز الاحتلال في الأشهر اللاحقة عن ثنيهن عن قرارهن. شيّد نقطة مراقبة أعلى المبنى، وترك لمقاتلي حلفائه من اللبنانيين مهمة تهديد العاملين فيه. اقتاد المشرفة عليه أربع مرات إلى التحقيق، وحاصر المبنى الذي راحت تزوره مجموعات أجنبية متضامنة.
في الخارج، أحرقت النساء الخيم التي أقامتها الـ«أونروا» حتى لا تصير أمراً واقعاً. يحرقن الخيم ويستبدلنها بحجارة رحن يبنين منها بيوتاً جديدة.
في العام 1984، أُجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من صيدا. واضطر سكان المخيم الى تحمّل اعتداءات المقاتلين اللبنانيين المرابطين على التلة.
بعد أشهر، قتل «أبو حيط» برصاص قناصة أطلقه مقاتل من حزب «الكتائب».
في تلك الفترة التي شهدت اشتداد أعمال القنص، أطلقت المؤسسة بدعم من الـ«يونيسف» برنامج الروضات المنزلية. درّب المركز مجموعة مربيات توليّن الأشراف على روضات احتلت غرفا في منازل متفرقّة في المخيم، استفاد منها أطفال الأحياء القريبة. سيستمر هذا البرنامج لست سنوات أخرى، انتهت مع انتهاء الدعم.
استعادت المؤسسة مبناها بشكل كامل بعد معركة «شرق صيدا»، وتمكنت من ترميمه بتمويل سويدي، ومشاركة مباشرة من مجموعات تضامن أجنبية.
كشفت تجربة مرحلة الاجتياح عن وجود عدد كبير من الأطفال ذوي الحاجات الخاصة. لذلك قررت المؤسسة افتتاح مركز للتأهيل. استعانت بدعم نرويجي في التصميم والبناء، وبخبيرة نروجية لتدريب العاملات في المركز. وسيفتتح المركز في العام 1986، في فترة «حرب المخيمات»، تحت رصاص القنص الآتي من تلال مغدوشة القريبة.
عندما انتهت الحرب بدأت مسيرة توسيع المركز وتطويره. أضيف إليه طابق صار مكتبة عامة (1996)، وبرامج وأنشطة عدة، مثل برنامج الدعم و«صف الفتوة» وبرنامج الأولمبياد الخاص.
وفي العام 2006، خاض المركز تجربة جديدة في العمل الإغاثي، في المخيم وفي صيدا. توزعت مربيات الروضة على تجمعات اللاجئين من مناطق الجنوب هرباً من الحرب التي شنّتها إسرائيل، وتحولت الروضة إلى مركز للاجئين وأطفالهم.
اليوم، يستقبل المركز، من دون أن يتقاضى أي رسم أو مساعدة، أكثر من 70 طفلاً من الفلسطينيين والسوريين اللاجئين، هم نصف عدد أطفال الروضة تقريباً، فضلا عن عشرات المستفيدين من برامجه المختلفة.

مخيّم الرشيدية

تولّت مربية مركز عين الحلوة افتكار نابلسي المساعدة في الإشراف على مركز مخيّم الرشيدية، في الوقت الذي استقبل فيه مركز عين الحلوة مربيات الرشيدية للتدرب، بانتظار انجاز المبنى الجديد الذي تقرر إعماره بعد الحرب.
في العام 1993 استلمت المشرفة الجديدة منى عبد الغني مركزاً مجهزاً يتسع لنحو 50 طفلا في دوام واحد.
المبنى الجديد حلّ مكان البيت الصغير الذي صار في العام 1978 روضة تابعة لمؤسسة غسان كنفاني. انطلقت الروضة على مساحة «نمرتين»، وهي التسمية التي يطلقها سكان المخيم على قطعة الأرض التي كانت الـ«أونروا» تقدّمها لكل عائلة فلسطينية، ومساحتها 99 مترا. في السنوات اللاحقة أضيفت «نمرة» جديدة، فتوسعت الروضة وتعدّدت برامجها.
دمّر البيت الصغير في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. تعرّض المخيم إلى قصف مركّز في الأيام الأولى، أسفر عن تدميره بشكل شبه كامل. في ذلك العام، فقدت حسنة العلي والدها وشقيقها اللذين رفضا الاستسلام لقوات الاحتلال التي اقتحمت المخيم فقتلت أهله وهجّرتهم. بعد الاجتياح، تقدمت ابنة العائلة التي كانت تتألف يومها من 11 شخصا للعمل في مؤسسة «كنفاني»، وصارت منذ ذلك الحين مربية في روضة الرشيدية.
عادت الروضة إلى العمل بعد الاجتياح، لتستوعب أطفال المخيم الذي دمّرت مؤسساته التعليمية.
بدأ ترميم المبنى وتجهيزه في السنوات التالية، تحت نيران حروب إسرائيلية متفرّقة، قبل أن يصار إلى بناء المبنى الجديد. هذا المبنى سيشهد بعد أعوامٍ، حرب تموز (2006) التي تحوّل فيها ملجأ لأهالي المخيم وبعض الهاربين إليه من المناطق المحيطة.

مخيّم مار الياس

وصلت مهى يوسف إلى مار الياس مع بداية تأسيس روضة كنفاني في المخيم العام 1981، فيما التحقت صديقتها إخلاص نصّار بالعمل في برج البراجنة. بدأت المربيّة الجديدة تسجيل الأطفال تحت شجرة قريبة من المبنى الذي كان يجهّز لاستقبال الروضة. بعد عام واحد، ستنقل مهى مع زميلاتها تجهيزات الروضة وأغراضها إلى منزل آني كنفاني، خوفا من تدميرها بنيران الاجتياح الإسرائيلي. وفي ذلك العام توّلت الإشراف على الروضة.
نجا المبنى الذي كان يتألف من صف واحد عند تأسيس المركز، من التدمير، وعادت الروضة إلى العمل مباشرة بعد الاجتياح.
سينعم المخيم بعدها بفترة هدوء نسبية، سمحت بتوسيع المبنى في العام 1984.
صار المخيم ملجأ للهاربين من المخيمات المحاصرة في «حرب المخيمات». تعرض في العام 1986 إلى القصف في ما يعرف بحرب «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«حركة أمل»، وقتل بعض سكانه. بعدها بسنوات قليلة، أغلق المركز أبوابه خوفاً من القذائف التي تساقطت على بيروت في ما صار يعرف بـ«حرب عون».
بعد الحرب الأهلية، استعاد المركز نشاطه المعتاد. وفي العام 2003 أعيد إعمار الروضة بالكامل، بمساعدة من المفوضية الأوروبية. كما تنوعت فيه البرامج، ومنها برنامج الفنون الذي يطبق في قاعة مجاورة نظرا لضيق المبنى الأساسي. القاعة تخضع اليوم لصيانة إلزامية تتحمل المؤسسة أعباء كلفتها، بعدما هدد أساساتها ارتفاع المباني المجاورة.
ومن البرامج أيضا، برنامج الدعم المطبق في كافة روضات كنفاني، الذي يستفيد من خبرة مركز التأهيل الذي تأسس في العام 1986، في شارع قريب في مخيم مار الياس.

مركز التأهيل

عملت نهلة غندور في برامج خاصة بالأطفال الناجين من المجازر في صبرا وشاتيلا بعد العام 1982. ومع اشتداد الحرب الأهلية، صارت بعض المؤسسات الأجنبية عاجزة عن الاستمرار في العمل. في تلك الفترة، بحثت «المساعدات الشعبية النروجية» عن مؤسسة محلية تكمل البرنامج الذي بدأته مع الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة.
تقدمت مؤسسة غسان كنفاني بمشروع افتتحت بموجبه مركز التأهيل في مار الياس، في العام 1986. وحظي المركز الذي أشرفت عليه غندور منذ ذلك التاريخ، بدعم من «غوث الأطفال» السويدية لخمس سنوات مقبلة.
بعد التأسيس مباشرة، اضطر المركز للانتقال إلى منطقة كليمنصو في بيروت تحت ضغط الوضع الأمني. ثم عاد بعد أشهر إلى مبناه في مار الياس. كان المركز عبارة عن بيت بثلاث غرف وساحة صغيرة، واستقبل مع انطلاقته 6 أطفال أشرفت عليهم ثلاث مربيات.
لتجاوز ضيق المساحة، أطلق المركز برامج داخلية وخارجية عدة، تسمح بخدمة أكبر عدد ممكن من الأطفال. وبعد عدة أشهر اضطر فيها المركز للإغلاق، بسبب «حرب عون»، عاد المركز إلى العمل في العام 1989 بكادر أكبر، مدرّب ومتعدد الاختصاصات.
يستفيد اليوم من برامج المركز نحو 100 طفل، إضافة إلى عشرات الأسر. ومن بين البرامج التي افتتحت بعد الحرب الأهلية، المشغل، الذي يتولى صناعة أجهزة مساعدة يستعين بها ذوو الحاجات الخاصة من كل لبنان، بدل الأجهزة المستوردة المرتفعة الثمن.
وفي العام 1994، بدأ المركز برنامج ترجمة المراجع المختصة إلى العربية، ما يتطابق مع منهجية المؤسسة في اعتماد المعالجين اللغة العربية وحدها، وستستفيد منه لاحقاً مؤسسات محلية وعربية عدة. ومنهجية اللغة نفسها يعتمدها المركز لدى استقبال متدربين من طلاب الجامعات المختلفة.
قبل أربع سنوات، خاض المركز أول تجربة له في أدب الأطفال: أصدرت مؤسسة غسان كنفاني، بمنحة من «آفاق»، وبالتعاون مع دار «الخياط الصغير»، كتاب «هي، هما، هنّ» الذي يحكي قصة فتاة من ذوي الحاجات الخاصة. اليوم، ينتظر المركز إطلاق أعمال جديدة صارت جاهزة، لكنها لم تجد بعد مؤسسات تتبنى نشرها.