| 

عند الدخول إلى بيت أم وليد، ابنة «أم سعد»، في مخيم برج البراجنة في بيروت، يشعر المرء بأنه يطحن الماضي والحاضر في مشهدٍ يختلط فيه الروائي بالواقعي. وليس في الدخول فعل مبادرةٍ، إذ أن المبادرات تستقر بين راحتي أم وليد، وشقيقتها الكبرى جهاد، وشقيقهما حسين. بينهم، تتحرك الأجيال، الإبنة التي تعود من عملها، الحفيد الذي ينصت للقصص تروى.. فتستوعب حركتهم كلّ وافدٍ، تطهوه في صلب الجلسة، في انتظار موعد الإفطار.
غرفةٌ ضيقة كغرف بيوت المخيمات، تتسع لعددٍ مفاجئ من الناس. وتبدأ القصة من فم أم وليد، فلا ينفك كل من الحاضرين، شيباً وشباباً، يضيف تفصيلاً ذاكرته اختارت تمييزه، وسؤالاً يفتح الباب على تتمّات الحاضر. مجلاتٌ نقلتها أم وليد من تهجيرٍ إلى آخر، «جنب هويتي بخبّيها»، تحكي عن استشهاد الحبيب، وأخرى تحكي عن رحيل الأم. الأم، أم حسين، يقولون إن غسان سمّاها «أم سعد» لحجم المرارة التي كانت تعيشها وحجم الحماسة والمبادرة الذي أبدته، في آن.
رأى درب السعد في إصرارها على جعل النضال أسلوب حياة حتى العودة، وقد بدأت من نفسها، إذ حولت بيتها في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته إلى خليّةٍ للفدائيين. وتكرّ سبحة الأسماء تاريخية التي أمّت بيتها، وتستيقظ في الغرفة أطياف عشرات الشبّان الفدائيين الذين ارتاحوا عندها من مهمات نفّذوها في فلسطين عبر الجنوب اللبناني. تحتضنهم وترسلهم مجدداً إلى الجبهة، برائحة أمٍّ قد لا تكون الفعلية لكنها تشبه الوطن في عاطفة الانتماء.
لأم سعد التي توفيت في 10 آب 1993، عشرة أولاد. خمسة ذكورٍ هم: حسين، الشهيد طارق، الشهيد نادر، حسن («سعد»)، وماجد. أما الإناث الخمس فهن: جهاد، زينب، خديجة، وكاملة (أم وليد)، وماجدة. واسم هذه العائلة؟ «إحنا بينادولنا «العينين»، «أبو العينين»، سلطان ابن عمنا!».
لما استشهد طارق، واساها غسان. لكن، لما استشهد غسان، «عملت أكتر بكتير! انصرعت. كان النهار اللي ما تشوف فيه ليلى وفايز وآني، ما تقدر تكمله».
لم يخبر غسان أم حسين/سعد بأنه يكتب قصةً عنها. «كان بيته بمار تقلا عامل فيه جنينة، ملّاها فراغة القذائف اللي بيقصفوها، يجيب ويوصّي، بيزرع فيهم. وجنبها، كان يحطّ الجرّة، الإبريق، السلّة اللي كانوا يمشوا أهالينا فيها، القدّوم، المراجيح... إمي فلاحة، تقعد معه، يسألها وهي تحكيلو. يومياً، كان يجي هو ياخدها ويردّها. أول سيارة كانت عنده فولكس فاغن، نركب فيها.. وساعات كتير لما يكون بدو يكتب شي أو زهقان، يجي لهون يقعد عنا بالمخيم. لما خلّف فايز، صار يجيبه لهون، يقول بدو ياه يقعد بين شعبه.. بتتذكروا لما علق راسو بشبّاك الحديد؟». يضحكون.
وتكمل أم وليد: «قال لها هاي قصتك إنت يا أم سعد. قعد يقراها أبو ماهر اليماني، ويبكي. النسخة اللي بإيد أمي أخدها أبو علي مصطفى. غسان قرالها ياها، كانت يقعّدها، يحط راسو ع صدرها، ويقرا. نقول لها: بتعطيه حنيّة أكتر منا!». يضحكون. كان غسان يعاني من داء السكّري، «لما يقول لها عندي ندوة، تروح لهونيك وتعمله قهوة بلا سكر. يقول لها أبو ماهر اليماني: نيالو اللي عنده مين يعملو قهوة، تجاوبه: غسان بالأول، وبعدين أصبلكم».
تسكن العبارات جملٌ تبدو شديدة الواقعية وشديدة الروائية في آن: «بكرا لمّا نرجع ع فلسطين، بكرا وقت التحرير، لما نخلص من كلمة لاجئ، لما نشوف شو هي الهوية الفلسطينية، ...». ويختمون كل حديث ذي صلة بالغد، بلعن الانشقاقات السياسية والمذهبية كافة. الرابط المتين بالماضي يلعن حاضراً شبيهاً.. أما الحياة فتستمر. إذ تقع بين الأيدي صورة، فيعود الحديث إلى نقطة سابقة من الدائرة، منها يكمل كأنه ولد للتوّ: «مبارح ورجيتها لليلى صورتها هون هي وزغيرة، صورتها مع أم سعد. شوفي، هاي آني هي وزغيرة.. ما أحلاها آني!».
رأت أم سعد غسان للمرة الأولى في بيت إبنة خالته في منطقة المزرعة في بيروت: «أخوي اللي سماه غسان «سعد» كان جاي هو ورفاقته من المدرسة هون، عمرهم 12 13 سنة، وكانوا الفدائيين جايبين أول شهيد ع لبنان. فطلع هو و5 صحابه من المدرسة ولحقوا الجنازة بتربة الشهدا، وما حدا منهم رجع على البيت. طلعوا من الجنازة على المقاومة. وكان الدرك والمكتب التاني يجوا يداهموا النايمين بالبيوت، إنو وين ابنكو؟ إمي تضل قاعدة تبكي، ما عارفة. راحت عند أبو نزيه (زوج ابنة خالة غسان)، كان لسّاتو جاي من فلسطين، قالت له: بدي أعرف ابني وينه، طيب ولا ميت ولا شو؟ قال لها غسان: أنا غسان، وأنا صحافي، وبدي روح ع السلط بالأردن، هونيك في تدريب للفدائيّة، بدوّرلك عليه. إمي قالت له: إنت صحافي؟ وفلسطيني؟ رافعلنا راسنا يعني! قالها: شو القصة، خبريني؟ قالت له: بدي أعرف إذا ابني مع الفدائية».
عندما عاد غسان من الأردن، اتصل بها: «لقيته، معانا إحنا، جبهة شعبية. شو؟ زعلانة؟ قالت له: لأ، إذا أنا بدي خبّي ابني، والتاني بدو يخبي إبنو، مين بدو يحرر فلسطين؟ مين بدو ينزل عمليات؟».
قطعة السلاح الأولى التي دخلت المخيم تمّت تخبئتها في بيت أم سعد. كان اسمها «قطعة بورسعيد». ثم تدفّق السلاح، «وصارت إمي أمّاً لكل المقاتلين اللي جايين. كله عندها. منين انت يا حبيبي؟ هيدا من العراق، من سوريا، الأردن، ليبي، تونسي، لبنانيين، .. صار بيت أم سعد متل مكتب للجبهة الشعبية بالبرج».
كيف كان شكل ذاك البيت، وقد ارتفعت مكانه اليوم عمارة؟ «أولاً، ما كان مسموح الباطون، كان زينكو، كنا ما أحلانا بالشتا لأنو ممنوع إحنا نصبّ باطون أو حتى نغيّر الزينكو. 69، 70، صار اتفاق القاهرة، اتنعمنا شوي وشلنا الزينكو». غرفتان مع دار، مطبخ صغير، وحمام صغير. «بس ما في ميّ، تروح لتجيبلهم ميّ على راسها، جرار فخّار، يتحمموا، تعجن وتجيب الصنوبر لما يهرّ، الجعفور، تعمل منه فرن من طين، تخبز وتقول لهم أنا أمكو، والله ينصركو. ولما ينزلوا، تقعد تعد فيهم: فلان مش هون، وينه؟ فلان مش هون..».
تفتح أم وليد مجلة «الآداب» الصادرة في الذكرى العشرين لرحيل غسان، وتنظر فيها إلى الصور، فيذهب الحديث إلى حيث تنظر عيناها: أم سعد كانت في بيت آني وغسان لما استشهد. «وكانت جاية أخته فايزة، أمها للميس، من الكويت. بدو ينزل غسان ع شــغله، ولميس بدو يوصلها ع الجامعة لهون. بدك تقولي استشهاد غسان رجعنا كزا سنة لورا. كنا مقدّمين لقدام، والأمل بناس واعية متل غسان. صرنا كل يوم نروح لعند آني. بس ولّدت بنتي، إجت بنته للحكيم (جورج حبش) مع آني زارتني، وقالت لي: سميها ع اسمي. ميساء».
يمكن للحديث ألا ينتهي. الذكرى والتاريخ، الرواية والواقع. الترابط بين هذه العناصر شديد، كقصة فلسطين. فكيف يستيقظون في الواقع، بينما عناصر كثيرة تشدّهم منه؟ «الظلم بيخليكي تقوي، ما بيخليكي تيأسي. الظلم بيحطّ فيكي عنف كبير».