| 

يمكن أن تُجسّد عمليات إخلاء المستوطنات في وضْعٍ استعماريّ لحظات من تمزّق محتمل وقلْب لنظام سياسي متأصّل في انتزاع الملكية. تتّسم لحظات كهذه، في حالة إسرائيل وفلسطين، بالتعبير من جديد عن مشروع الاستعمار الاستيطاني ومعاودة شَرْعَنته. ويحدثُ هذا عبر تطوير اقتصادٍ أخلاقيّ محدّد للاستيطان قائم على التعبئة السياسية للصدمة النفسية. أستخدمُ فكرة الاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني من أجل أن أعرّف الطريقة التي عُبِّر بها عن عمليات الإخلاء كصدمة نفسية قومية، وعن المستوطن الذي أُخليَ وجُرّد من ملكيته كضحية مصدومة داخل حكومة استعمارية استيطانية. ومن خلال تحليلي لهذا الاقتصاد الأخلاقي، أقول إننا نستطيع فهم أحد المِخْيالات المهيمنة في النموذج الاستعماري للاستيطان في إسرائيل. أما السؤال المتضمّن لاستقصائي، والذي هو كيف يقدّم الاستعمار الاستيطاني إحساساً أخلاقياً بالعدالة داخل المجتمع الاستعماري الاستيطاني، وكيف يُنظر إلى إنهاء الاستعمار كظلم مُهدِّد، فيمكن أن يبدو سؤالاً قديماً.. غير أنّه من المستغرب أن هذه المسألة هي نسبياً غير مدروسة في حالة إسرائيل وفلسطين.
نشرتْ صحيفة «جيروزالم بوست» الإسرائيلية مقالاً بعنوان «اضطرابات ما بعد الصدمة الناجمة عن السلام»، في بداية تشرين الأول أكتوبر 2012، شخّص فيه الكاتب مايكل فرويند مرضاً واسع الانتشار بين السياسيين الإسرائيليين. يقول فرويند إن السياسيين الإسرائيليين مصابون باضطراب نفسي يمكن تعقّب جذوره إلى فترة اتفاقيات أوسلو للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين (1993- 1999)، وإلى الإجراءات الأحادية المتعاقبة التي تبنتها حكومات إسرائيلية مختلفة نتيجة ما أشار إليه عادة رؤساء هـذه الحكومات البارزين بأنه غياب الشريك الفلسطيني في عملية السلام. وُصفت الأعراض كـ«حالة قلق»: رغبة القيادة الإسرائيلية بالتخلي عن «أرض إسرائيل» عبر خطوات أحادية لإخلاء بعض المستوطنات التي بُنيتْ بعد احتلال 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة.
كان الهدف المباشر لفرويند في مقاله هو وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي دافع في كلمة ألقاها في «المؤسسة الإسرائيلية لدراسات الأمن القومي»، عن المزيد من الفعل الإسرائيلي الأحادي من أجل «إنهاء الصراع، وإنهاء المزاعم المتبادلة». واتّهم فرويند في عموده الصحافي باراك ـ والحكومة اليمينية التي يقودها بنيامين نتنياهو ـ بإثارة الهجمات الصاروخية الفلسطينية وتوليد الصدمة النفسية بين يهود إسرائيل عبر اقتراح الإجراء الأحادي في عمليات انسحاب جديدة من مواقع غير استراتيجية في الضفّة الغربية:
«ماذا عن الانسحاب الأحادي (الإسرائيلي) من غزة في 2005 (والذي طبّقته حكومة آرييل شارون) وطرد اليهود من غوش قطيف (كتلة المستوطنات الإسرائيلية في غزة التي أُخليتْ في 2005)، والذي أدى إلى استيلاء «حماس» على السلطة وعرّض جنوب إسرائيل لهجمات صاروخية غير مسبوقة؟ (...) طبقت إسرائيل سياسة انسحاب أحادي، وفجّرتْها في وجوهنا. (...) يبدو كأن الحكومة الحالية مصممة على معاودة إحداث صدمة إخلاء الإسرائيليين من منازلهم بالقوة»..
يعرّف المقال، من البداية، الفرق بين اضطراب ما بعد الصدمة واضطراب ما بعد الصدمة الناجم عن السلام. يصف فرويند اضطراب ما بعد الصدمة كما يفعل خبير الصحة النفسية حين يقوم بجمع ملخّص نوعي عن المرض. ويختتم تقويمه المرضيّ مؤكداً أن العلاج الوحيد ضد «أعراض إخلاء» مزمنة هو تعزيز القبضة الإسرائيلية على جميع أجزاء «إسرائيل الكبرى».
تابع متوسلاً من أجل اجتياح الأرض ومزيد من إعادة التدعيم للسيادة الاستعمارية كوصفة ضد هذا المرض الخاص.
إن تصنيف إخلاء المستوطنات اليهودية غير القانونية كنوع من «المرض غير الأخلاقي» الذي يهدف إلى إنتاج صدمة نفسية لدى اليهود، يجب أن يُفهم كجزء من نشر أوسع لخطاب الصدمة في السياق الإسرائيلي ـ الفلسطيني. ففي العقدين الأخيرين، ركز عدد من الباحثين الإسرائيليين على كيف تم تأويل العنف السياسي بشكل متكرر من خلال عدسات الصدمة النفسية، وكيف أن الدينامية السياسية مُلئت في غالب الأحيان بمعان عيادية. حلّلوا كيف أنّ خطاب الصدمة تجاهل في غالب الأحيان الأوضاع السياسية لنزع الملكية الذي سبّب العنف أثناء حروب إسرائيل المختلفة ضد جيرانها (البزوغ المتعاقب لشخصية «الجنود المصابين بالصدمة النفسية») وأثناء الانتفاضة الثانية وإثرها (مع تصاعد انتباه جماعة البحث الإسرائيلية والدولية إلى الصدمة النفسية لدى المدنيين الإسرائيليين).
حلّل الباحثون على نحو مقنع كيف أن هذا الخطاب جرّد العنف من هويته السياسية وسياقه التاريخي عبر اختزاله إلى تأثيراته العيادية في مجتمع المستوطنين الاستعماري الإسرائيلي. ولكن ما يثير الاستغراب هو أنّ أولئك الباحثين لم يقتربوا من استقصاء دور سياسة الصدمة النفسية ومعانيها الضمنية في علاقة مع أسئلة محورية داخل الوضع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وهكذا، فشلوا في تحليل كيف أن الصدمة النفسية عُبئت في علاقة مع سياسة الاستيطان، ونماذج الإخلاء، وإعادة الانتشار في الأراضي.

استعمار الصدمة

إن المسألة التي أعالجها في هذا المقال هي كيف استخدم المجتمع الاستيطاني الاستعماري الصدمة والأخلاق في تلازم مع عمليات إخلاء المستوطنات اليهودية. أنا مهتم بتحليل المعاني الضمنية النظرية والسياسية لهذا الاستخدام للصدمة كإطار أخلاقي يحاول شرعنة الاستعمار واعتباره أخلاقياً، فيما يعدّ إنهاء الاستعمار فعلاً غير أخلاقي وظالماً.
إن إخلاء المستوطنات يعني عودة المُسْتَعْمَر إلى مكان جغرافي ومعرفيٍّ مُحي منه. وفي الوقت نفسه، قد تعني عمليات الإخلاء للمُسْتَعْمِر خسارة ما اكتسبه عبر الغزو والطرد والسلب. ومن المحتمل أن تبزغ تفسيرات وتجارب كثيرة ومختلفة لهذه الأحداث المدوّخة داخل مجتمع استعماري استيطاني، ولكن ما كان مذهلاً في اللحظتين الرئيسيتين للإخلاء في تاريخ إسرائيل - عملية الانسحاب من سيناء التي أشرفت عليها الدولة، والانسحاب من قطاع غزة وبعض مستوطنات الضفة الغربية في 2005 - هو تشكّل فهم عام تُرجم إلى قاموس صدمة مشتركة قومياً أثناء حدثيْ الإخلاء كليهما.
كيف تعمل «مادة الغراء» العاطفية هذه في إطار الاستعمار الاستيطاني؟ أية أنواع من القوى الابستمية والسياسية تلتقي كي تنتج رعايا مستوطنين كـ«ضحايا مصدومين» وتدعو الأمة للاعتراف بالصدمة النفسية لدى المستوطنين الذين تم إخلاؤهم؟ كيف حصل أن فعلاً كإنهاء الاستيطان، والذي يمكن أن يُعدّ أحد التعويضات للفلسطينيين بعد عقود من الاستيلاء على أراضيهم من قبل الاحتلال العسكري وبناء بنى مدنية للاستعمار، يُؤول بدلاً من ذلك ويُجرَّب من قبل أعضاء مختلفين في المجتمع الاستعماري الاستيطاني كفعل صدمة نفسية وتجريد لليهود من أملاكهم وتحويلهم إلى ضحايا؟ كيف أصبحت الصدمة «إطاراً» أخلاقياً بالمعنى الذي عبّرتْ فيه عن هذه الفكرة المنظّرة الأكاديمية الأميركية جوديث بتلر، ممكّنةً سلسلةً من الإجراءات السلطوية، والتي كانت نتيجتها إعادة شرعنة نظام من العنف والطرد للسكان الأصليين؟
أقترح الإجابة على هذه الأسئلة عبر استقصاء الطرق المحددة التي عرّف بها فاعلون اجتماعيون إسرائيليون مختلفون عمليات الإخلاء كصدمة نفسية قومية، وبالتالي، عرّفوا أي شكل من أشكال إنهاء الاستعمار كفعل ظالم غير أخلاقي. أقول إن عمليات الإخلاء هي نسبياً لحظات غير مستقصاة بزغ فيها جوٌّ معيّن من الروح الاستعمارية الاستيطانية، أصبح فيه الاستخدام السياسي المعيّن للصدمة النفسية متجلياً بوضوح. والواقع أنّ تعريف وتجريب عمليات الإخلاء (النهاية المحتملة للمستعمرة) كصادمة نفسياً، وبالتالي غير شرعية أخلاقياً، يتواشجان مع إعادة تأكيد شرعية المشروع الاستعماري ككل، وإعادة تعقب الحدود الأخلاقية ـ السياسية لجماعة استيطانية قائمة منذ 1948 على الاستيلاء على أرض الفلسطينيين. في هذا الاقتصاد الأخلاقي من الاستعمار الاستيطاني، إن تعريف إخلاء المستوطنات كفعل يفتقر إلى الأخلاق وينتج الصدمة النفسية، هو تأكيد للقيمة الأخلاقية للاستعمار الاستيطاني.
تتم معاودة الشرعنة هذه في استخدام مزدوج لسجلّ الصدمة ـ سجل اجتماعي سياسي له بعد عالمي، كما تُظْهر كثير من الحالات التي وصفها ديدييه فاسان ورتشارد ريكمان في كتابهما «إمبراطورية الصدمة» - بطريقة تسمح لمرتكبي العنف («المستوطنون المصابون بالصدمة النفسية») بأن يتحوّلوا إلى ضحايا وبالتالي أن يعثروا على الشرعية لأنشطتهم في الاستيلاء على الأرض.يتضمن الاستخدام الأول نزع البعد التاريخي: إن الصدمة والتحول إلى ضحية يقومان بمحو حقيقة أن المستوطنين هم من سلب الفلسطينيين أرضهم في البداية. عندئذ يبدو وكأن الأرض التي استوطنها المستوطنون هي ملكهم من البداية.
تشمل المرحلة الثانية تحوّل السجل العيادي للصدمة إلى سجل أخلاقي، والذي هدفه النهائي هو شرعنة الاستيطان كفعل عدالة، وربط أفعال معيّنة من إنهاء الاستيطان بالظلم. نستطيع تعريف هذا الاستخدام المزدوج لسجل الصدمة في سياق فلسطينإسرائيل بأنه الاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني ـ الإنتاج الاجتماعي، وتعبئة وتداول القيم والأعراف الأخلاقية ذات الوظيفة السياسية لإدامة الاحتلال الاستعماري الاستيطاني. يتطلب خطاب الصدمة هنا ثلاث وظائف رئيسية: وصف تجربة معاناة؛ محو الأوضاع التاريخية التي قادت إلى تلك التجربة؛ وتغذية زعم أخلاقي مزدوج عن عدالة الاستيطان وانتفاء العدالة في إزالته.
في اقتراحه للعودة من جديد إلى فكرة الاقتصاد الأخلاقي، شدّد ديدييه فاسان على الصلة المساعدة على الكشف لفهم التعبئة السياسية للمشاعر والقيم الأخلاقية. ففي حالة الإخلاء الإسرائيلي للمستوطنات اليهودية، إن فكرة الاقتصاد الأخلاقي وثيقة الصلة بكلّ من تحليل دينامية عمليات الإخلاء والتنظير حول معانيها الضمنية كطريقة لفهم الموقف الاستيطاني الاستعماري الأوسع لفلسطينإسرائيل. وتكشف صياغة فاسان، على المستوى التحليلي، المعاني الضمنية السياسية لتوظيف الصدمة النفسية من قبل فاعلين مختلفين منخرطين في عمليات الإخلاء. إن عيش وتأويل تجربة الإخلاء كصدمة نفسية مزروعة في تعاقب خطي من طرد اليهود وتصويرهم كضحايا يمكن أن يُفهم ـ في ضوء حقيقة أن عمليات الإخلاء مرتبطة أنطولوجياً باحتلال أصلي لأراضي السكان المحليين كتاريخ سياسي وأخلاقي محدد يعتمد على خطاب صدمة نفسية لمحو لحظة البداية وتكرّرها التاريخي. لهذا يتواشج الاقتصاد الأخلاقي الذي أركز عليه مع آلية بناء ذاتية سياسية استعمارية استيطانية خاصة مستندة إلى إنكار وجود السكان الأصليين. وتنتج هذه الصياغة الخاصة للصدمة النفسية فهماً مشتركاً أو مادة غراء عاطفية، اعتقاداً بأن عمليات إخلاء المستوطنات هي انتهاكات للقيم والأعراف الجوهرية المشكلة للذات وللمجتمع السياسي الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي اليهودي.

قلب استعماري للحقائق

تبدو فكرة الاقتصاد الأخلاقي، من وجهة نظر نظرية، ملائمة أيضاً للتعبير عن خصوصية جوهرية أخرى للعملية السياسية التي عُرضت أثناء عمليات الإخلاء. وفي الحقيقة، إن حجتي المحورية هي أن ما يجري أثناء عمليات الإخلاء هو عملية قلب للأخلاق. إنها لحظة يتخذ فيها ما ينبغي أن يُفهم بشكل مشترك داخل إطار اقتصاد أخلاقي لتعويض سياسي (الاعتراف بتجريد المِستَعمِر للمُسْتعْمَر من أرضه) ملامح تجربة تحوّل إلى ضحية: صدم المستوطن القومي وانتهاك ما عرّفه كلّ من كريم راباي وأنا بأنه «الحق الإنساني بالمستعمرة» الزعم بحق الاستعمار المستند إلى حجة أن منع الاستعمار يتواشج مع انتهاك حقوق إنسان المستوطنين.
إن النهاية المحتملة للهيمنة، في الاقتصاد الأخلاقي الذي أستقصيه، مُجربة ومفسّرة جوهرياً كبداية لمنظومة من الاضطهاد للمجتمع الاستيطاني اليهودي. إن عمليات الإخلاء في 1982 من سيناء ومن غزة في 2005 هما لحظتان حاسمتان في بزوغ هذا التوظيف السياسي للقيم الأخلاقية المقلوبة. ففي الاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني، يُصَوَّر المستوطن الذي جُرّد من ملكيته وأُخْليَ كضحية، وتُصوّر العودة المحتملة لابن البلد الأصلي الفلسطيني المطرود كتجربة صدمة نفسية قومية للمستوطن. إن القلب الأخلاقي الذي يتأصل فيه هذا الاقتصاد لا يشرعن فعل المستوطن الأصلي في السلب فحسب بل يقدم الشرعية لسياسة استعمار متجددة أيضاً.
في سياق ليست فيه البديهيات الإيديولوجية والمعيارية والعملية للاستعمار الاستيطاني مشكلة تاريخ بل بالأحرى حضور تاريخي، لا تساعد «صدمة الإخلاء» على محو النكبة فحسب ـ الطرد المنهجي والمنظم لمئات الآلاف من الفلسطينيين في 1948، وطبقات الظلم التي واجهها الفلسطينيون أثناء العقود التالية من القرن الأخير. إن ما هو أكثر جوهرية هو أن خطاب الصدمة النفسية يعزّز الدولة الاستعمارية الاستيطانية القائمة وتوسَّعها. بالتالي، أثناء عمليات الإخلاء، وفي هذه اللحظات من الامتناع عن إنهاء الاستعمار، تصبح الصدمة النفسية خطاباً يُشرْعن الاستعمار الاستيطاني من جديد ويعاود إنتاجه.

أنثروبولوجي وأكاديمي من إيطاليا

ينشر هذا المقال ضمن اتفاقية شراكة مع موقع «جدلية». وقد نشر للمرة الأولى باللغة الإنجليزية على «جدلية»، وترجمه إلى العربية لملحق «فلسطين» أسامة إسبر. وهو نسخة مختصرة من مقالة ظهرت أولاً في «تاريخ الحاضر»