| 

من الصعب أن نراه كلما مررنا بالشارع الذي يسكنه، إذ يقع في آخر الشارع بالقرب من السور الشرقي لمدينة عكّا، وبالقرب من البوابة الشرقية التي أطلق عليها ظاهر العمر الزيداني إسم «بوابة دمشق». هو البيت العكّي لعائلة الأديب والمناضل والشهيد الفلسطيني غسّان كنفاني (9 نيسان / أبريل 1936 8 تموز / يوليو 1972)، الوحيد بين أشقائه الذي وُلد في عكّا للعائلة التي كانت تتنقل بين يافا وعكّا. أما بيت العائلة القريب من «بوابة دمشق» والسور الشرقي فهو البيت الذي بناه والد غسّان وعاشت فيه العائلة ما بين تشرين العام 1947 وأواخر نيسان 1948، حين هجمت القوات الصهيونية على مدينة عكّا، وتهجّرت الأسرة إلى لبنان واستأجروا بيتاً في بلدة الغازية قريب صيدا على سفح الجبل.
في أولى فقرات قصة «أرض البرتقال الحزين» (الكويت، 1958)، يصف غسّان كنفاني المشهد الأول لاحتلال عكّا الذي رآه حين كان في بيته العكّي، قائلاً: «ففي ليلة الهجوم الكبير على عكّا بدأت تتوضح الصورة أكثر فأكثر.. ومضت تلك الليلة قاسية مُرّة بين وجوم الرجال، وبين أدعية النسوة.. لقد كنا أنا وأنت ومن في جيلنا، صغاراً على أن نفهم ماذا تعني الحكاية من أولها وإلى آخرها.. ولكن في تلك الليلة بدأت الخيوط تتوضح، وفي الصباح، ساعة انسحب اليهود متوعدين مزبدين.. كانت سيارة شحن كبيرة تقف في باب دارنا.. وكانت مجموعة بسيطة من أشياء النوم تقذف إليها من هنا وهناك بحركات سريعة محمومة.. كنت أقف متكئاً بظهري على حائط البيت العتيق عندما رأيت أمك تصعد إلى السيارة، ثم خالتك، ثم الصغار، وأخذ أبوك يقذف بك وبإخوتك إلى السيارة، وفوق الأمتعة، ثم انتشلني من زاويتي ورفعني فوق رأسه إلى القفص الحديد في سقف غرفة السائق حيث وجدت أخي رياض جالساً بهدوء.. وقبل أن أثبت نفسي في وضع ملائم، كانت السيارة قد تحركت.. وكانت عكّا الحبيبة تختفي شيئاً فشيئاً في منعرجات الطرق الصاعدة إلى رأس الناقورة..».
البحر غرباً، وحيفا جنوباً، واللجوء شمالاً
خرجنا أنا وصديقتي المصوّرة الفوتوغرافية خلود باسل طنوس من بيتنا في عكّا باتجاه بيت كنفاني في عكّا أيضاً، مشياً على الأقدام. عكّا سهلة، التنقل سريع فيها بين مكان وآخر. بيتنا يقع عند الشاطئ الغربي للمدينة، وبيت كنفاني عند السور الشرقي والبوابة الشرقية (بوابة دمشق). دخلنا الشارع الذي تقع فيه بيوتٌ قديمة عديدة، في معظمها بيوت مكوّنة من طابقٍ واحد أو طابقين. وعند آخر الشارع الصغير بالضبط، يقع بيت كنفاني، المكوّن من طابقين مبنيين من الحجر. وقفنا عند باب البيت، وقرعنا. طلبت منا السيدة كاملة بشر (أم سامر) أن ندخل. صعدنا إلى الطابق الثاني على درجٍ لم يتغيّر فيه شيء منذ أكثر من 66 عاماً. وعندما انتقلت عائلة بشر إلى البيت في العام 1969، كانت تسكن فيه عائلات يهودية مغربية. اشترت عائلة بشر من بعض العائلات غرفها في البيت، وشاركت باقي البيت مع عائلة يهودية مغربية لفترة استمرت حوالي 10 سنوات. يتحدثون سويةً بالعربية، مع فارق اللهجات، إلى أن تركت العائلة المغربية البيت تماماً. وبعد سنوات، اشترت عائلة بشر البيت، أي الطابق الذي تسكن فيه، من شركة «عميدار»، وهي الشركة الإسرائيلية للإسكان التي تسيطر على أملاك اللاجئين الفلسطينيين، تحت اسم «أملاك الغائبين».
كان الطابق الذي تعيش فيه عائلة بشر (يعود أصلها إلى قرية مجد الكروم، أما «أم سامر» فهي من آل منصور في عكّا)، يحتوي على ست غرف، قبل أن تقسّم العائلة البيت إلى قسمين، كي يسكن الإبن وزوجته وابنته وأولاده الثلاثة في القسم الثاني. كل أبواب الغرف تطلّ على الغرفة المركزية، أي صالون البيت. أما جهة البيت الغربية، والتي يطل شباكها على السور الشرقي ومن ثم البحر، فيتشكل حائطها الخارجي على شكل نصف دائرة، فيه شبّاكان لم يتغيّر شيئاً فيهما منذ أن تم بناؤهما، حيث تظهر القناطر في الجزء العلوي من الشباك. وفي كل شهر، تختار لها الشمس شباكاً تطل منه. هذا ما اكتشفته بعد سنوات السيدة أم سامر.
أخذتنا أم سامر في جولةٍ في بيت عائلة كنفاني. هناك تفاصيل كالشبابيك بقيت في البيت منذ بنائه على يد عائلة كنفاني، رغم ما شهده المكان منذ الاحتلال في العام 1948، فالاستيطان، وصولاً إلى يومنا هذا، في العام 2014، عندما عاد ليكون بيت عائلةٍ فلسطينية. وإن لم يحافظ البيت كثيراً على شكله الداخلي الأول، إلا أن العائلة الفلسطينية نجحت بلا شك في الحفاظ على معنى البيت وقيمته بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني: «لو بعطوني مصاري الدنيا ما ببيع البيت». هذه الجملة التي قالتها لنا «أم سامر» وهي تحدثنا عن محاولات قديمة لشراء البيت، لا تأتي كشعارٍ فقط على لسان العكّي في معركته اليومية ضد سرقة بيوته ونكبته المستمرة في عكّا، إنما هي نهج حياة.
من تفاصيل بيت كنفاني التي احتفظ بها منذ بنائه، تظهر قناطر خشبية صغيرة، فيها زجاجٌ شفّاف، تحضر على الحائط المركزي في غرفة الصالون. أيضاً، يحضر باب الشرفة التي تطلّ على الجهة الغربية، وزجاج هذا الباب الذي انكسرت قطعةٌ منه فقط مؤخراً، فاضطرت أم سامر إلى تبديلها. وتشير هنا إلى أن «زجاج زمان أفضل بجودته من زجاج اليوم». أما الشيء الأخير الذي بقي على حاله فهو بلاط الأرض الموجود في أغلب غرف البيت، الذي يختلف بألوانه وأشكاله وزخرفته بين غرفة وأخرى.
طلبنا من أم سامر أن نصعد إلى سطح البيت. سبقتنا وحفيدها الأصغر سناً إبراهيم، أزاحت عن الدرج سلة البصل وبعض الأغراض التي قد تعرقل الصعود. طلب حفيدها إبراهيم منها أن تحمله على يدها. حملته، وقال لها على الفور: «بدي أشوف حيفا». وبالفعل، من سطح بيت كنفاني في عكّا رأينا عكّا القديمة كلّها، البيوت ومسجد أحمد باشا الجزار، وحين نظرنا إلى جهة الجنوب، رأينا البحر وحيفا والكرمل. لربما، لو كان الجوّ أكثر وضوحاً، لرأينا بيت كنفاني، فرع العائلة في حيفا، في حيّ وادي صليب، بيت عمّ والد غسان كنفاني، الذي كان مهجوراً لسنوات طويلة، وتم شراؤه قبل عامين تقريباً و«ترميمه» من أجل تحويله إلى مكتب محاماة، علماً أن مساحته تصل إلى 300 متر مربع.
التقطت خلود صوراً لكل زاوية يطلّ عليها سطح بيت غسّان كنفاني في عكّا. وانتبهنا إلى أن جزءاً من سقف غرفة بيت الدرج يبدو مختلفاً عن باقي المبنى. فاتضح أن السبب في ذلك يعود إلى أن الأب لم يكن قد انتهى من بناء الغرفة، حين هُجّرت عائلة كنفاني باتجاه لبنان. فبدا بيت الدرج مفتوحاً على السماء. أكملت بناء الغرفة عائلة بشر، حين انتقلت إلى البيت.
بيوت تطلّ على أخرى.. وإن غاب سكّانها
صوّرنا كل نواحي البيت. عتبة البيت، الحجارة القليلة الأصلية التي ما زالت عند مدخل البيت، الجدران، البيت من الخارج، ... ثم ودّعنا العائلة، ونزلنا الدرج. خلف الدرج الخارجي، وجدنا غرفةً شبه مهجورة ولها شباك. أدخلت رأسي من باب الغرفة القصيرة، كانت رائحة الغاز تملأ الغرفة: «يا ترى شو كانت هالغرفة؟». لا تخرج مثل هذه الأسئلة من النفس إلا حين نحتاج إلى تشغيل الخيال المتألم. وهذا الخيال يتحرّك في البيوت المهجورة، تلك التي لا تسيطر عليها تفاصيل اليوم. لا يمكن ألا تكوني حزينةً فور دخولك بيت كنفاني في عكّا، البيت الخالي من غسّان منذ 66 عاماً. لا يمكن ألا تكوني حزينة فور تفكيرك بأنه كان يلعب في ساحة البيت يوماً ما، وكتب اسمه الكامل على حيط البيت أو بابه. ولربما، لعب «غميضة» مع أخوته، وكان يعتاد أن يختبئ في الغرفة خلف درج البيت الخارجي. فكانت هذه الغرفة هي منبع الأسئلة كلّها.. لكن الحزن تجاه البيت يأتي ممتزجاً بشعورٍ آخر، بلا كلمة واضحة تعبر عنه، عدا عن جملة مفادها أن «عائلة فلسطينية أخرى تحمي بيت كنفاني الآن في عكّا، إلى أن يعود أصحابه».
بعد زيارة البيت في عكّا، قررنا أن نذهب إلى حيّ وادي صليب لزيارة البيت التابع لفرع عائلة كنفاني في حيفا. البيت موجود في شارع البرج رقم 15، ولم يعش فيه غسّان كنفاني ولا عائلته. وكان قد وثق عبد اللطيف كنفاني للبيت، وهو أصغر أفراد عائلته، من خلال كتابه الذي يحمل إسم الشارع في حيفا ذاته، الشارع الذي شهد ابان الاحتلال عام 1948 عمليات إرهابية قامت بها منظمة «الهاغاناه» بهدف تهجير الفلسطينيين من حيفا. وفي أحد الأيام، كان خليل كنفاني، الشقيق الأكبر لعبد اللطيف، ذاهباً في الصباح لشراء الخبز لأولاده الثلاثة، فأصابته رصاصة وسقط شهيداً، ودُفن في عكّا.
وصلنا أنا وخلود وصديقتنا أسماء إلى شارع البرج. صادفنا عند مستهل الدرج امرأةً تُطعم مجموعةً من القطط. خافت خلود من أن تهاجم الكلبة التي ترافقنا القطط، فقرّرت أسماء أن تبقى مع الكلبة خلال تصويرنا منطقة بيت كنفاني في وادي صليب. تركنا أسماء مع الكلبة، وذهبنا في جولةٍ لتصوير البيت من الخارج. حين رأتنا المرأة الإسرائيلية، سألتنا: «لوين رايحين؟»، فأجابتها خلود: «ليه بتسألي؟». فقالت لها المرأة: «لأنه فش إشي تحت.. وخايفة أحسن ما تضيعوا». كانت جملتها كافية لأن يرتفع ضغط دمنا. تجاهلناها، وأكملنا الطريق الذي نعرفه جيداً.
في هذه الأثناء، انتهت المرأة من إطعام القطط، وتوجّهت إلى أسماء كي تسألها عمّا نفعله هُنا: «هل تصورون بيت الكنفاني؟»، سألت. فأجابتها أسماء إيجاباً. فقالت المرأة: «إحنا سكنّا ببيت كنفاني». فسألتها أسماء: «متى؟». أجابتها المرأة التي تجيد العربية، وهي على ما يبدو من أصل مغربي: «قبل أن يهربوا..». فقاطعتها أسماء بغضب: «لم يهربوا.. بل تم تهجيرهم». فقالت لها المرأة: «هل تعرفين لماذا هربت عائلة كنفاني؟ لأنهم عملوا في السياسة.. لأنهم كانوا مخربين».
على ضوء ارتفاع صوت أسماء في شجار مع المرأة، ركضنا أنا وخلود باتجاهها. كان الشجار الكلامي في أوجه. اشتبكنا فيه، ولم ينتهِ إلا مع ذهاب المرأة. عندها، طلبنا من حارس بيت كنفاني أن ندخل إليه لتصويره من الداخل. سمح لنا بالدخول. كل شيء فيه تم «ترميمه». أحضروا بلاطاً حديثاً يشبه بلاط البيت القديم. ذاك الذي يشبه بلاط بيت كنفاني في عكّا أيضاً. الجدران بيضاء. أبيض كاذب يحاول أن يغطي جريمة. بعض تفاصيل البيت ما زالت على حالها، الحفاظ على هذه التفاصيل هو جزء من سياسة الاستعمار في الحفاظ على بعض الأشياء القديمة بصفتها «لذيذة» و«كول». وجدنا جدارين باقيين على حالهما، بألوانهما التي تآكلت مع الزمن والوجع. ومن الشبابيك التي بُنيت بعد هدم شرفات البيت الكبيرة (وُضع لها زجاج حديث)، نظرنا فتمكنّا من تخيّل «الحاكورة الواسعة التي انتشرت فيها أشجار الصنوبر والكينا والسرو»، كما وصفها عبد اللطيف في كتابه، ونتألم. نتألم، ونتأكد أن لا «مخربين» في فلسطين سوى الذين احتلوا البيت وقتلوا صاحبه بجانبه وهجّروا أهله وغيّروا ملامحه الأولى. ملامح الوطن الأول، البيت. ونحن، في كل يوم، ومع كل مواجهة، نفهم الحكاية من جديد يا غسّان، ونعرف الطريق جيداً.. إلى أن تعود سيارة الشحن الكبيرة، مع اللاجئين، إلى باب داركم.