| 

المكان مدينة القدس.
كنا ننتظر قدوم الخامس عشر من أيار بفرح وشوق. كنا صغاراً. والكبار منا كانوا ينتظرونه ايضاً بفرح وشوق. لم تكن الدراسات المستقبلية من هموم النخبة السياسية في تلك الأيام، وإلا... لكانت تنبأت بالمصير او تساءلت على الأقل: لماذا تفرغ القدس من سكانها والشوارع من روادها ما دامت فلسطين ستغدو بألف خير؟
صوتان لايفارقان اذنيّ من تلك الأيام. أزيز الرصاص الذي كان يلعلع بين الحين والحين في سماء حيّنا الهادئ، حيّ البقعة الفوقا، وأمي وهي تصيح بنا كي نبتعد عن الشرفة. كانت فلسطين في ثورتها ضد التقسيم. وكنا فخورين سعداء.
وكنا ـ صغاراً وكباراً ـ نترقب اليوم الموعود مع دخول الجيوش العربية من جميع الحدود.
وفعلاً... دخلت فرق من تلك الجيوش مع شمس الخامس عشر من أيار، غير ان شعب فلسطين ما كان قد تنبه الى ان الحكّام العرب ـ أصحاب القرار ـ لم يبلغوا «القرار» الى قادة جيوشهم إلا قبل اسبوعين من اليوم الموعود!
فأي نكبة كانت حقاً تلك النكبة؟
أكانت بالحرب ـ المسرحية؟ او كانت بالتقسيم الذي سرعان ما اضحى «أمراً واقعاً»؟ او كانت النكبة باللاجئين من أبناء فلسطين الى ما حولها من بر وبحر؟ او كانت بهؤلاء اللاجئين من فلسطين الى فلسطين؟ من اللد والرملة الى رام الله؟ او من القدس الى القدس؟
ما كانت النكبة يوماً نكبة شعب فلسطين وحده، بل كانت أولاً وأخيراً نكبة العرب بحكّامهم، هؤلاء الحكّام الذين ما دخلوا الحرب إلا خشية من شعوبهم... والذين ما كادت الحرب تبدأ حتى اضحت الهدنة اولى أمانيهم...
إن نكبة العرب بحكامهم، او القسم الأكبر من حكّامهم، توشك ان تصبح هي القضية.
اثنان وستون عاماً مرت على ذلك الخامس عشر من أيار. نحن الصغار كبرنا، وكبرت معنا الآلام والمرارة، أما هؤلاء الكبار من الأجداد والآباء، فكلهم رحلوا عنا الى دار البقاء، ونسينا مع الزمن إجاباتهم المتكررة والمبهمة على السؤال: لماذا؟ وكيف جرى ما جرى؟
اليوم كل شيء يتغير في هذا الشرق الأوسط القديم لا «الجديد»... حتى المفهوم الشائع للنكبة الاولى يتطور مع النكبات اللاحقة: من مجزرة دير ياسين تحت جنح الظلام... الى طرد عشرات الآلاف من بيوتهم علناً في وضح النهار، من قضم الأراضي في غفلة عن الأعين المشدودة الى حرب ما... الى حرق الأراضي او قطع اشجارها او بناء المستوطنات عليها تحت سمع الدنيا وبصرها؛ من مأساة الشعب الفلسطيني لاجئاً بلا وطن... الى توطينه او الى إلغاء وجوده كلياً.
شيء واحد فقط، شيء واحد يتطور نحو الأفضل، انه «شعلة المقاومة من جيل الى جيل»، انها تلك الشعلة التي أوقدها على أرض فلسطين الشيخ عز الدين القسّام، ومن بعده القائد عبد القادر الحسيني... وتكبر لائحة الأسماء... وليس الشيخ أحمد ياسين آخر المجاهدين الشهداء.
اليوم، بعد ثلاثة ارباع القرن من رحيل الشيخ القسّام، شيخ المجاهدين، يرتفع نور الشعلة منارة تهدي المجاهدين والمناضلين الشرفاء في كل مكان، انها الشعلة التي تضيء ليلنا الحالك كلما تكلم السيد حسن نصر الله.
أما تلك النكبة، فلن تبقى ذكراها هي النكبة التي عرفناها، فالانتصارات تمحو الهزائم. هكذا تعلمنا من السيد القائد.