| 


يروي حسين لوباني هنا حكاية لجوئه إلى لبنان ورحلة العذاب التي لم تبرح مخيلته طوال 62 سنة. وقد عمل حسين لوباني مدرساً في مدارس الأونروا، وله نحو 15 كتاباً معظمها يدور على فلسطين وتاريخها وحضارتها وتقاليدها.


نجح اليهود في احتلال قرية البروة ذات الموقع العسكري الاستراتيجي، والمشرف بشكل فاضح على الدامون. ولما صار خطر هجوم اليهود على قريتنا وشيكاً، ارتأى رجال القرية أن يخرجوا النساء والأطفال والشيوخ من القرية، ليتفرّغ الرجال الباقون للدفاع عنها ضد الخطر القادم.
ولأول مرة أخرج مع بعض أهل القرية الى موقع قريب في شرق القرية لنقضي ليلة في العراء، وسط حرارة شهر حزيران. وهناك صرنا نسمع أصوات انفجار قذائف المدافع اليهودية وهي تدك بيوت القرية.
ولأول مرة يحسّ الطفل حسين (أي الكاتب نفسه) وأترابه الصغار بالخوف الحقيقي. فصوت الانفجار المروّع كان أكبر من أن يتحمله، وسماع أخبار مصرع فلان من بيت شعبان وتلك الصبية من بيت أبو علي ترك أثراً صاعقاً في نفسيته
... قبل الخروج من البيت، والقرية لم أصطحب معي، من كل موجودات البيت إلا كيس كتبي ودفاتري
... ثم تطوّرت أوضاع القرية الدفاعية الى الأسوأ
وغاب جيش الانقاذ، فجأة، الى غير رجعة، فيئس بعض المقاتلين، فانسحبوا الى خط قتالي متأخر، ورحل أهل القرية الى وادي شنَّة بقرب قرية ميعار.
بقينا حوالى 12 يوماً في الوادي، ونحن نتسقّط أخبار القرية التي صارت قلوبنا (تغلي) عليها، واشتقنا إليها، مما شجّع بعض النسوة على العودة الى الدامون لإحضار بعض الأغراض وفعلاً، عادت أمي وأنا معها، وبعض جاراتها في الحارة، ووصلنا الى الحارة فالبيت، لنجد القرية تهجع في منظر مرعب، كئيب: منظر الماشية والحيوانات والطيور الجائعة العطشى، والبيوت الخالية الخاوية وما إن وصلت الى عتبة البيت حتى تجمع حولي عشرات الطيور والحيوانات لأرمي لها شيئاً. وفجأة لعلع الرصاص، وانهالت قذائف المدفعية فخرجت مع أمي بأقصى سرعة، وقد ألقينا ما كنا قد حملناه وبدأنا رحلة العذاب.
عندما صرت خارج القرية، وفي موقع آمن نسبياً، ميّلت على كرم عنب محاذ للطريق فقطفت عنقود عنب قد أنضجه حر تموز لآكل منه حبات وأعطي الباقي لأمي، ليكون ذاك العنقود آخر اثر من خيرات الدامون.
وصلنا الى وادي شنّة لنجد الأهل قد سبقونا باتجاه الشرق، صوب بلدة سخنين،
وفي خراج بلدة سخنين، وتحت أشجار اللوز، قضينا ليلتنا لنستيقظ قبل حلول الفجر، ونتابع المسيرة على درب الجلجلة. لنصل بعد مسيرة شاقة الى وادي سلامة الذي تحيط به عدة قرى، منها سخنين او دير حنا والمغار والرامة: وهو وادٍ أخضر جميل، تجري فيه المياه وتدور على مياهه طواحين.
حططنا الرحال فيه، وصرنا نذرع جنبات الوادي، لنفتش على عروق ملوخية تائهة، أو بعض الفرفحينة فنقطفها لنعود بها الى أمهاتنا، فتصنع منها طعاماً ما...
بقينا في عذاب معيشي، وصحي ونفسي طيلة 40 يوماً سلخناها على جنبات وادي سلامة.
كانت أمي حاملاً، في شهرها التاسع، وفي أواخر آب ولدت طفلة أسميناها سلمى تيمنا باسم الوادي الذي احتضننا طيلة أربعين يوماً...
... وفي الوادي، وصلتنا أخبار احتلال الدامون الحبيبة، ثم تدميرها... فبكينا عليها بكاء مرّاً، مستمراً... ولم يفارقنا طيف الدامون، وحلم العودة الى ركامها وأطلالها...
وفي وادي سلامة قدّر لعائلتنا أن ترى، وللمرة الأخيرة، جارنا المسيحي الوفي جميل أبو حمدي والسيدة زوجته وبعض بناته، الذين وفدوا من بلدة شفا عمرو للمباركة لأمي بالمولودة الجديدة، وقد حملوا معهم هدية هي عبارة عن سلة بيض وبعض الفواكه.
.. وبعد ان ولدت أمي أختي سلمى بيومين، شرع القوم بالرحيل فحملنا أحزاننا وآلامنا، وعاودنا استئناف مسيرة العذاب على طريق الجلجلة، بين الصخور والأشواك، وفي طرق جبلية، وعرة الى أن وصلنا الى شارع معبَّد شرق بلدة الرامة لنسير على جنباته على هيئة جنازة طويلة تمتد على مسافة مئات الأمتار. وكان نصيبي حمل أخي محمد العليل بمرض الإسهال طيلة الطريق الممتدة من وادي سلامة حتى قرية البقيعة.
وفي البقيعة استأجر والدي غرفة تشبه الزنزانة لها طول وليس لها عرض، فانحشرنا فيها لنقضي أياماً هي من أتعس الأيام.
وفي البقيعة تبخّر آخر قرش مع والدي، فصار يفتّش على عمل على غير طائل... وقرأت البؤس والهم في وجهي أبوي، فصرت ارحل يومياً مع بعض أولاد عمومتي الى ترشيحا ومعليا حيث هناك معسكر كبير لجيش الإنقاذ، لنستعطي بعض الخبز والطعام لنعود به الى أهلنا الذين كانوا يتضوّرون جوعاً.
بقينا في البقيعة الجبلية، على هذا الحال، طيلة شهري ايلول وتشرين الأول الى أن كان الأول من شهر تشرين الثاني، حينما هاجمت طائرات العدو الصهيوني بلدة ترشيحا وقصفت بنيرانها المعسكر، والبلدة، والجوار.
وفي اليوم التالي، شاهدت مع أترابي فلول جيش الإنقاذ المنسحب وقد بدا التعب والإنهاك، وعلامات الخيبة والفشل على أجسامهم وهيئاتهم.
وفي اليوم التالي أيضاً، قدمت، ومن صوب الشرق أيضاً، وعلى الشارع المعبد نفسه: دبابات العدو اليهودي، وحاملات الجنود، وحطّت رحالها غرب قرية البقيعة.
خاف أهلي ولم يعرفوا ماذا سيفعلون وكيف يتصرفون... ولم أر أمي في حالة هلع كتلك التي رأيتها فيها يوم دخول اليهود الى قرية البقيعة.
وفي الليلة التالية، التي لم نذق فيها طعم النوم، سمع الأهالي أحد المنادين يعلن بصوت عالٍ، يقول: «على كل شخص غريب عن قرية البقيعة أن يغادرها فوراً وإلا عرّض نفسه للقتل». وبعد سماع صوت المنادي، هبّ والدي وأعمامي وقد حملوا ما تبقى معهم من متاع، وشرعوا يغادرون القرية، ويسيرون في رحلة المجهول. ساروا في قافلة طويلة مع غيرهم من القرى المهجّرة... ساروا جميعاً في جنازة أنفسهم بصمت فظيع، ونحيب هامس، وبكاء مكبوت، حيث كانت الدموع سخيّة، مدرارة.
وبعد أمتار من الحدود اللبنانية، وقفت جموع كثيرة، واستدارت الى الوراء، والتفتت الى جهة الجنوب، حيث أرض فلسطين وقال أحدهم: هذه هي آخر بقعة من أرض فلسطين وأجهش بالبكاء... وقال آخر: الله اعلم، هل لنا قسمة بعد، ومنشوف فلسطين مرة ثانية. وانحدرت الأقدام نحو قرية رميش اللبنانية، لألتفت وأهلي الى الوراء لنرى فلسطين قد امتزجت بالأفق، وصارت حلماً ضبابياً!!
كان يوم السادس من تشرين الثاني 1948 هو اليوم الأخير لنا على أرض فلسطين: وكان هو نفسه اليوم الأول لدخولنا أرض لبنان حيث دخلنا رميش حفاة، شبه عراة، نتضوّر جوعاً، ونلتهب عطشاً، ولا مسعف أو مغيث.
غادرنا رميش، وتابعنا رحلة العذاب: فصعدنا تلالاً، وهبطنا أودية لنصل أخيراً الى بلدة عامرة بالسكان، وذلك قبل غروب الشمس بلحظات اسمها بنت جبيل.
وبعد المساء، جمع اللاجئون الفلسطينيون في إحدى ساحات (بنت جبيل)، حيث حضرت مجموعات من الشاحنات... حيث حمّلنا فيها كما تحمّل المواشي، لنصل بعد لأي الى منطقة رملية واسعة، نصبت فيها صفوف طويلة منتظمة من الخيام، كانت ملاذاً للكثيرين.
ولم يستقرّ بنا المقام، حتى نادى المنادي: (من أراد البقاء في صور فليأخذ خيمة مع عياله، ومن أراد الرحيل الى سوريا فلينتظر قرب عربات القطار.
عرفت ساعتها، أننا في بلدة اسمها صور. ولم ننم ليلتها فيها، بل فضّل الأعمام والأقرباء الرحيل الى سوريا. فكان القطار بانتظارنا، حيث حشرنا في عرباته كما يحشر سمك السردين في علب التعليب.
وتوجّه بنا القطار، ليلاً على درب المجهول، شمالاً على نيّة الذهاب الى مدينة حلب، فعلمنا لاحقاً، ان سوريا رفضت استقبالنا وكنّا قد وصلنا الى محطة سكة حديد طرابلس ـ الشام في شمال لبنان. وهناك قعدنا، ولا زلنا منذ ستين عاماً.