| 

كان وضع العواصم العربية في مساء الخامس عشر من مايو وضعاً لا يمت إلى حالة الحرب بصلة، فلم تعلن حالة الطوارئ، بين الجماهير، ولم تفرض ضرائب للدفاع، بل ولم ترفع حتى أثمان تذاكر المسارح والسينمات بجزء لحملة فلسطين، ولم تغير تلك البرامج في كمها ولا في كيفها. ونظرة سريعة إلى صحف ذلك اليوم في القاهرة، تفيد أنه بينما كان الأبطال من جنود الجيش وضباطه يتجهون نحو خطوط القتال، كانت القاهرة ترقص مع بديعة مصابني وغيرها من الساهرات.
وتفيدنا صحف ذلك التاريخ (الأهرام، 1948/5/11) بما يلي:
غداً... غدً... غداً... سراج منير ـ هاجر حمدي في البوسطجي (ثم نحو عشرة أسماء للممثلين وأمثالهم في خط كبير).
تمتعوا بسهرة صيفية لطيفة بكازينو الجمل، حديقة غناء، مشروبات شهية.
يوسف وهبي: آخر حفلة في الموسم التمثيلي الليلة 1/2 9 مساء بمسرح الأزبكية "بنات الريف".
سينما الشرق بالسيدة زينب: عروسة البحر
سينما حديقة الأزبكية: الوقت والمكان والفتاة.
السينما الأهلي بالسيدة زينب: الهارب من السجن.
سينما شبرا بالاس: المليونيرة الصغيرة.
سينما مصر: ابن الحداد.
سينما ريفولي: طريد القانون.
سينما كايرو: أسرار دون جوان.
أما ملاهي الرقص، فلم تكن أقل نشاطاً من دور السينما:
صفية حلمي: استعراض فن الرقص.
كيت كات: ببا وفرقتها.
بديعة مصابني وفرقتها الكبرى: الجائزة الأولى.
البوسفور: إحسان عبده وفرقتها.
ولا يختلف الوضع في دمشق وبغداد وبيروت عن الوضع في القاهرة، جماعات من الشعب تتحدث عن زحف عسكري على فلسطين، وجموع غفيرة تؤم دور السينما والمسارح وملاعب الكرة، وأندية القمار في اطمئنان، كأن الأمر لا يعنيها ولا يشغلها: فبينما الأبطال الفلسطينيون يترنحون تحت سلاح الصهيونية المستورد بعون أميركا وبريطانيا ودول أوروبا كلها، وبينما كان الشعب العربي في سوريا يحترق ألماً على أحداث فلسطين كان جانب آخر منه يمثل عدم المبالاة والبعد عن مستوى المعركة وجديتها.
ولنقرأ صحف دمشق كالقبس (1948/5/16) حيث تعلن:
مسابقة ذات جوائز مالية بمبلغ 100 ليرة سورية تقدمها إدارة سينما الشرق بمناسبة عرض فيلم الموسم الاجتماعي الكبير الذي سيعرض الاثنين 17 (فيلم سجن الليل)
سينما الأهرام: شادية الوادي
سينما عائدة: برج الأهوال.
سينما دنيا: الجبار.
ومثل هذه الإعلانات السينمائية لا توجد في بلد أعد نفسه لمعركة مصيرية وجهز شبابه ورجاله لخوض لهيب الجلاد، وإذا كانت وسائل الإعلام إحدى دعائم المعركة، وإذا كان الشعب يجب أن يستمع إلى صوت قادته في مثل هذه المواقف التاريخية، وإلى برامج مناسبة للمعركة تقوي الهمم وتنشر الحماسة في جماهير الشعب، فإن تلك الجريدة السورية تنشر برامج إذاعة لندن، لندن التي أرست قواعد اليهودية في فلسطين وعملت على تشريد شعبنا وإذلاله.
ولم يكن الوضع في بيروت يختلف عن ذلك الوضع في دمشق، فلم تكن الصحف تعطي إلا نفس الصورة اللاهية: جريدة صوت الأحرار (1948/5/15):
سينما هوليوود: فيلم سر أبي (الفيلم الغنائي العاطفي الراقص).
سينما روكسي: شمشون الجبار.
سينما دنيا: إيفي جون فونتين.
وإذا كانت هذه هي مظاهر الأمة العربية في القاهرة وفي بيروت ودمشق، مظاهر الذين يحيون في دعة، ويسيرون في سعادة، ويرتادون الملاهي والملاعب والمساهر كأنهم في سلام مقيم، أو كأن النصر معقود لهم من لدن عزيز حكيم، فإن الحال في بغداد لم تكن مختلفة أبداً:
"الافتتاح العظيم لكباريه دولاني روج شارع أبي نواس، تفتح إدارة كباريه دولاني روج بالجوق الموسيقي الاستعراضي النسائي الإيطالي ليماجيمس، وتزف للجمهور الكريم وصول غادات البوسفور الرشيقات ليشتركن في المناهج الغربية مع جميع فنانات الملهى تركي ـ إنكليزي، إيطالي ـ فرنسي ـ إسباني، حفلات للعائلات كل يوم سبت من الساعة 3,30 إلى 5 مساء.
وإنه لمؤسف أن تكون هذه هي حال العراق الذي طالما رفع إليه شباب العرب الأنظار ولقبوه ببروسيا الشرق، والذي طالما نادى شباب "نادي المثنى" في أرجائه بنشيدهم الخالد: "بلاد العرب أوطاني".
(*) صاحب كتاب "جهاد شعب فلسطين" وأول وزير خارجية في ليبيا بعد نهاية الحكم الملكي سنة 1969. استشهد سنة 1973 عندما أسقطت إسرائيل الطائرة الليبية المدنية فوق سيناء وهي متجهة إلى القاهرة، وكان على متنها.