| 

كانت أبرز الروايات العربية الأسطورية عن حرب 1948، وأكثرها تداولاً وتواتراً إلى يومنا هذا، رواية فحواها أن القوى الصهيونية كانت مجرد عصابات إرهابية أطبقت عليها الجيوش العربية في مرحلة القتال الأولى من كل صوب، فتوغلت في أعماق فلسطين، ووصلت طلائع الجيش المصري إلى ضواحي تل أبيب الجنوبية، وطلائع الجيش العراقي إلى قاب قوسين أو أدنى من شاطئ البحر الأبيض المتوسط غربي قلقيلية وطولكرم، وطلائع الجيش العربي (الأردني) إلى ضواحي تل أبيب الشرقية. ولم يبق سوى حفنة من أيام معدودة تسدد الضربة القاضية فيها إلى العدو ويحسم الأمر. وإذ بالضغوط الدولية تتراكم وتتصاعد وتصل حداً من التهديد والوعيد إنقاذاً له، لا تترك سبيلاً للحكومات العربية سوى الرضوخ لها، وتُفرض الهدنة الأولى فرضاً عليها، وينتزع الكيان الصهيوني النجاة من فكي هزيمة محتومة لا مفر آخر له منها.
بيد أن دنيا الأساطير شيء ودنيا الواقع المر شيء آخر كلياً؛
فالواقع، خلافاً للرواية الصهيونية، أن الكيان اليهودي في فلسطين عشية 15 أيار/ مايو 1948 لم يكن ذاك الوليد الرضيع الهش وإنما كان مجتمعاً عصرياً غربياً صناعياً متماسكاً ينبض بالحيوية، مضى على تكوينه سبعة عقود منذ بدء الاستيطان الصهيوني في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر بفضل المنظمة الصهيونية العالمية، وتجذرت قواعده خلال ثلاثة عقود من الانتداب البريطاني والحماية البريطانية منذ نهاية الحرب الكونية الأولى، وكان قبل إعلانه كدولة ليلة 14 ـ 15 أيار/ مايو دولة بكل معنى الكلمة لا ينقصها سوى التسمية، لها من أسباب القوة والمنعة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والدولية ما لم يكن لأي من الدول العربية المجاورة. ولم تقتصر "رعية" الكيان اليهودي في فلسطين، في يوم من الأيام، على من فيه من يهود بل شملت بفضل المنظمة الصهيونية الجوالي اليهودية القادرة النشيطة في سائر أنحاء العالم، وخصوصاً في الدول الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. فكان الكيان اليهودي الفلسطيني ولا يزال الواجهة والمصب لطاقات هذه الجوالي البشرية والمادية والسياسية والدعاوية.
وخلافاً للرواية الأسطورية العربية، لم تكن الجيوش العربية عند نهاية مرحلة القتال الأولى وإعلان الهدنة الأولى (11 حزيران/ يونيو 1948) على وشك تسديد ضربة قاضية إلى الدولة العبرية، ولا هي كانت على أية مقربة من وضع كهذا. صحيح أنها، أو بعضها (القوات الأردنية والعراقية والمصرية)، توغلت بعيداً داخل فلسطين خلال هذه المرحلة، لكن تقدمها جميعاً كان عبر مناطق عربية صرفة لا يهودية. فالقوات المصرية تقدمت على محورين: أولهما (وهو المحور الرئيسي) على الطريق الساحلية من العريش إلى رفح إلى غزة فالمجدل فإسدود حيث توقفت عند الخط الدفاعي اليهودي الرئيسي على بعد 35 كيلومتراً من ضواحي تل أبيب الجنوبية. وثانيهما على الطريق الداخلية من سيناء إلى بئر السبع فالخليل فبيت لحم فضواحي القدس الجنوبية، عند الخط الدفاعي اليهودي الرئيسي عن القدس الغربية التي كانت قد وقعت كلياً في أيدي اليهود. والقوات العراقية عبرت نهر الأردن وانتشرت دفاعياً في المثلث العربي، أي منطقة جنين ـ نابلس ـ طولكرم، بالإضافة إلى قلقيلية ورأس العين حيث توقفت عند الخطوط الدفاعية الرئيسية اليهودية. والقوات الأردنية عبرت نهر الأردن وانتشرت دفاعياً في منطقة رام الله واللطرون، وكانت الأخيرة تسيطر على باب الواد العربي المشرف على مدخل الطريق الجبلية إلى القدس. والقوات السورية حاولت عبور نهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، لكنها صُدّت قبالة مستعمرتي دغانيا "أ" ودغانيا "ب" فاتجهت إلى شمال البحيرة ونجحت، في هجوم موفق، في احتلال مستعمرة مشمار هيردين قبيل إعلان الهدنة الأولى، وفي إقامة رأس جسر صغير غربي النهر. والقوات اللبنانية نجحت أيضاً، في الوقت نفسه، في استرداد قرية المالكية الفلسطينية من اليهود على بعد 3 كيلومترات داخل الحدود الدولية لفلسطين.
وصحيح أن القوات العربية نجحت، خلال هذه المرحلة الأولى من القتال، في احتلال بعض المواقع اليهودية الصغيرة. فالقوات المصرية احتلت مستعمرتي نيريم وياد مردخاي القريبتين من محور تقدمها على الساحل، والقوات الأردنية (الجيش العربي) احتلت 7 مستعمرات صغيرة (بيت هعرفاء ومعمل البوتاس شمال البحر الميت، ومستعمرتي عطروت ونفي يعقوف شمال القدس، ومجموعة مستعمرات كفار عتسيون الأربع جنوب القدس)، بينما كان إنجازها الأهم والأبعد خطراً استرداد القدس. والقوات السورية احتلت مستعمرتي مساده وشاعر هغولان شرقي نهر الأردن وجنوبي بحيرة طبرية قبل صد هجومها على "الدغانيتين". لكن هذا كله، إضافة إلى رأس الجسر عند مشمار هيردين واسترداد المالكية (أي حصيلة 12 مستعمرة يهودية من مجموع 300 مستعمرة) من دون المساس بالمعاقل اليهودية المدينية الكبرى (القدس الغربية وحيفا وتل أبيب)، أو بأية مدينة ريفية يهودية (بيتح تكفا، ريشون لتسيون، رحوفوت، نتانيا، حديرا، عفولاء)، ومع بقاء المدن الفلسطينية التي كانت قد سقطت قبل 15 أيار/ مايو في أيدي اليهود (طبرية، يافا، عكا، صفد) إضافة إلى مئة قرية فلسطينية ونيف، هذا لا يشكل، ولا كان من الممكن أن يشكل انعطافاً استراتيجياً يوصلنا إلى عتبة إمكان تسديد ضربة قاضية إلى الدولة العبرية.