| 

لم تسقط فلسطين في 15 أيار 1948 على يد الصهاينة في غفلة من العرب. كان الخطر يتهددها منذ مطلع القرن العشرين وعرفوا الكثير عن نشاط الصهيونية العالمية وأهدافها وسياسات الغرب ومخططاته. قاوموا بالثقافة والسياسة والحرب على قدر ما كانوا مستعدين في مرحلة انتقالية معقدة خروجاً من الحكم العثماني إلى الوقوع تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية الإنكليزية.
من ثورة الشريف حسين المغدورة من وعود الغرب والسير هنري مكماهون، إلى وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو ولوزان لم تتشكل دولة العرب، ولم تفز كياناتهم المجزأة بالقدر الكافي من المناعة والقوة لمواجهة التواطؤ الغربي الصهيوني. تحت الانتداب تشكلت مجتمعات تتنازعها شرائح سلطوية ساومت على القضية العربية، وناهضت شرائح أخرى الأمر الواقع بنخب سياسية لم يسبق أن تآلفت في مشروع موحد.
جمعت الحركة الوطنية مثقفين وقيادات تقليدية على جمهور معظمه من فلاحي الأرياف وصغار التجار والكسبة والحرفيين. تركزت القوى المسلحة في الأطراف حيث تضعف السلطة المباشرة.لم تجد تلك الحركات والانتفاضات التي عمّت بلاد الشام ما يوفر لها القيادة الجامعة والدعم والإسناد والتكامل، فكانت أشبه بعصيان أقاليم على كونها حركة تحرير وطني. كانت هناك فجوة بين القيادة السياسية في المدن الكبرى والأحزاب شبه الحديثة فيها، وبين القوى الشعبية التي كانت مادة تلك الانتفاضات. انخرطت قوى سياسية واجتماعية وازنة في مشروع الدول والكيانات وأخذت تتباعد اهتمامات هذه الفئات عن الهم القومي العربي. في لحظة نشوء الكيان الصهيوني وإعلان دولة إسرائيل لم تكن هناك إرادة سياسية واحدة تجسدها خطة لمواجهة هذا الحدث التاريخي الذي صار يعرف بالنكبة.
شكل الاستعمار كيانات وأنظمة على قاعدة التفكيك والتركيب الذي يضمن المصالح الاستعمارية المتعددة، كالنفط والمواصلات، كرعاية الأقليات، كإقامة التوازن الإقليمي الذي يضمن قيام الكيان الصهيوني.
قامت كيانات تهجس بشرعيتها الوطنية، بهويتها، بوحدتها، فلم تكن فلسطين استثناء إلا من زاوية الاستيطان الصهيوني. بعد التحركات السياسية الدبلوماسية بدأت منذ العام 1921 المقاومة الشعبية للهجرة اليهودية (الإضراب العام والتظاهر). وتصاعدت المقاومة عام 1929 حتى المؤتمر الإسلامي حول القدس عام 1931. ثم انطلقت ثورة علنية عام 1936 (فلسطينية بمشاركة عربية) حتى نهاية عام 1939. وتعاظم الإرهاب الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية، وكذلك الهجرة والدعم الدوليين، والحافز الاضطهادي النازي واللاسامي في أوروبا. حتى نشأت جامعة الدول العربية عام 1945 وبدأت تتولى إدارة المواجهة. دخل الموقف الأميركي مع قيادة الرئيس ترومان عنصراً دافعاً إلى جانب الدور البريطاني، وتواطؤ الأطراف الدولية الأخرى، فكان قرار التقسيم رقم 181 الذي تحفظ عليه العرب واستغلته المنظمات الصهيونية للإطاحة بالجزء الموعود من الدولة الفلسطينية.
بعد فشل الجيوش العربية (مصر، العراق، سوريا، الأردن ولبنان) في تحقيق إنجازات مهمة، جاءت الهدنة لتحقق إسرائيل من خلالها المزيد من الاختراقات والتقدم عبر أبشع المجازر وسياسات التطهير العرقي.
قاوم الفلسطينيون قرار التقسيم، ومنعت قوات الانتداب المساندة العربية الشعبية، ولم يكن الاستعداد الفلسطيني يقارب مستوى آلة الحرب الصهيونية التي تقاطر الغرب على دعمها بالمال والسلاح، كما تعاطفت معها آنذاك دول الكتلة الأوروبية الشرقية.
لم تكن العروبة الفطرية التي تبلورت في مواجهة سياسات التتريك العثمانية قادرة على التعرف على ذاتها في أي بلد عربي. انتهت ثورة الهاشميين إلى القبول بمملكة العراق مستقلاً، ومملكة الأردن، وكلا البلدين تكوين مستحدث، الأول على وحدة البصرة وبغداد والموصل، والثاني على اقتطاع جزء من سوريا وفلسطين. ولبنان ظلال لمشروع الإمارة وحدودها. تربعت على هذه الكيانات أسر حاكمة أو تحالف أسر تنتمي بجذورها إلى عصر المقاطعجية التي تفيأت نظام الدولة العثمانية الذي أرخى الحبل للملل والطوائف والعشائر أن تدير شؤونها المحلية.
كانت نكبة فلسطين هي الخط الفاصل بين عروبة التقليد وعروبة الحداثة. أطلقت نكبة فلسطين حركة فكرية سياسية غير مسبوقة هي العروبة الحديثة، الفكروية (العقائدية) والتنظيمية في حركات حزبية تخترق حواجز الكيانات القطرية، البعث (1947) وحركة القوميين العرب (1949) والناصرية (1952).
مع انهيار الإمبراطورية العثمانية (1915 ـ 1924) لم تكن فكرة الدولة العربية المستقلة قد نضجت بعد. ففي مؤتمر باريس العربي (1913) كان العرب ما زالوا يطالبون باللامركزية. تحويل فكرة العروبة إلى كيان مستقل تأرجحت إلى زمن مؤتمر دمشق (1920)، ثم ضعفت مع سقوط مملكة فيصل في دمشق ونشوء الكيانات المجزأة. التجزئة ونكبة فلسطين كانتا منطلقاً لبلورة الفكرة العربية العقائدية في صيغة القومية العربية (الوحدة والتحرير، أو التحرير والوحدة).
كانت الثورة المصرية الناصرية (23 يوليو 1952) هي حركة الإحياء العربي. من موقع مصر الجغرافي والديموغرافي والقيادة الكارزماتية نشأت حالة عربية ساهمت في خض الشارع العربي وبعثت الأمل في مشروع التحرير والوحدة، بعد معركة السويس (1956) صارت الناصرية مظلة للكثير من الحركات السياسية ذات الطابع القومي.
انخرطت مصر في مواجهة السياسة الاستعمارية، فكانت الوحدة مع سوريا عام 1958 مقدمة لانتفاضة لبنان في صيف ذاك العام على انحراف السياسة اللبنانية عن الخط العربي، وثورة تموز العراقية ضد الحكم الملكي. ثم كانت في مطلع الستينيات العمق الأساسي لثورة الجزائر واليمن، وفي العام 1964 الحاضن لفكرة إطلاق منظمة التحرير الفلسطينية. هكذا عادت فلسطين إلى موقعها الطبيعي في مشروع العروبة.
استشعرت الصهيونية ومن خلفها الغرب تحديات حركة التحرر الوطني العربية التي وضعت لبنات أولية لمشروع الاستقلال، الوحدة، التنمية، التحرير. سارعت إسرائيل لشن عدوان الخامس من حزيران 1967 لفرض الانكفاء على حركة العروبة وفرض مناخ جديد على المنطقة يتحسس كل كيان مستقل رأسه. جاءت قمة الخرطوم واللاءات الأربع (لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف، لا حلول منفردة) وكأنها الانتفاضة الأخيرة لذاك النبض العربي الواحد.
دخلنا عصر المزايدات والمنافسات وتوزيع المسؤوليات على الصعيد السياسي، وبدأنا مراجعة فكروية طاولت كل شيء في وجودنا ومكوناتنا. جذبتنا الكوفية الفلسطينية وكأنها رمز التحدي الجديد. بدأت الثورة الفلسطينية المعاصرة مشحونة بالاستقلالية والكيانية اللتين انضمتا إلى حركة المحاور العربية والنزاعات العربية العربية. بعد حرب تشرين ومفاوضات "السلام" أجهزنا على النظام العربي وبدأنا مسيرة الانفكاك عن قضية فلسطين، لأنها صارت عبئاً على الأنظمة القطرية المنشغلة بتوطيد سلطتها ومكتسبات الشرائح الاجتماعية العليا فيها، وإعادة الانخراط في النظام الدولي الذي ترجح فيه المصالح والنفوذ الأميركيين.
أكدت إسرائيل في غير مناسبة وعودها للغرب بأنها ضابط الإيقاع الذي يتحكّم بتطور المنطقة، وفي رأس تلك الأهداف ضرب المشروع العربي، أكان وحدوياً أو تنموياً أو تقدماً أو استقلالاً فعلياً. قد لا تكون نجحت في الكثير من التفاصيل والمهام والشعارات بأن تحقق جغرافيتها التلمودية أو مداها الحيوي الأمني والاقتصادي، لكنها لم تتوقف عن السعي لمثل هذه الأهداف كلما لاحت لها الفرصة مستبعدة خيار السلام والاندماج السوي العادي كأي دولة أخرى في المنطقة. ما زالت إسرائيل تجدد مشروعها الإيديولوجي والسياسي والأمني بأشكال معاصرة وملائمة للحاضر. فلسطين في هذا المشروع هي قاعدة الانطلاق والركيزة المادية للفكرة السياسية والإيديولوجية، لكن الأفق هو العروبة بوصفها الحركة المناقضة للقومية اليهودية، والفكرة السالبة للكيانات الدينية والعرقية، والمجتمع التكاملي الذي يحاصر بؤرة العنصرية والتفوق والهيمنة.
خلال 62 سنة لم تسلّم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، تحت أي صيغة من صيغ الوجود الوطني، بما فيها القرارات الدولية الجائرة. خاضت وتخوض الحروب المتتالية تحت عنوان الاعتراف بها دولة قومية لليهود، بما يعنيه ذلك حقها التاريخي في احتلال فلسطين وفق نظرتها اللاهوتية التلمودية. لكن إلغاء الشعب الفلسطيني ليس هدفها الوحيد، بل ما زالت تتطلع لدور الإمبريالية في محيطها. طرحت منذ أواسط التسعينيات مشروع السوق الشرق الأوسطي الكبير. أعادت تعريف أمنها القومي على مستوى دائرة تتسع لشمال أفريقيا وآسيا الوسطى.
في العام 1948 كان الشعب الفلسطيني وحيداً يحاصر الانتداب البريطاني ويجزره الإرهاب الصهيوني. كان الكم العربي مجموعة أنظمة عاجزة عن بناء قرارها الوطني وإرادتها العربية الموحدة. أنظمة تخرجت من مدارس الانتداب السياسية تدير مجتمعات لا تنتظمها حركات سياسية وطنية فاعلة. إذا كان من معنى للنكبة فهذا المعنى تجسيد لعدم القدرة على التحدي والمواجهة. لم يكن عبثاً أن الحراك الوطني خرج من مؤسسات الجيوش العربية تحت وطأة تلك الصدمة التي أذلت الكرامة العربية. ظلت الفوارق نوعية بين حركات الضباط الأحرار والمنظمات الصهيونية العالمية التي استقطرت ذاك الدعم الهائل على أرض فلسطين. كلما تجذر الخطاب الوطني العربي كان العرب ينقسمون سياسياً ويتنابذون. مَن كانت لديهم أحلاماً وحدوية صادقة لم يمتلكوا أدواتها ومؤسساتها. سبقت الجماهير قادتها وسبقت الأفكار وقائع البنيات المجتمعية المتحركة في دوائر انعزالية إقليمية وجهوية وفئوية في أكثر من بلد عربي. تنفس العالم العربي الصعداء في مناخ النهوض التقدمي العالمي شرقاً وغرباً وفي حركات التحرر في العالم الثالث. لكن النظام العربي بمحوره التقدمي لم يعرف كيف يرسي طريق التنمية المؤدية إلى الاستقلال الذاتي، ولم يسمح له الغرب أن يأخذ طريقه المستقل.
حكمت التجريبية سياسة الأنظمة الوطنية فأعطت أشياء مهمة للناس لكنها لم تعط الناس حرية المشاركة في العمل على حماية مكتسباتها وتطويرها. حركة التصحيح التي بدأها جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران وأثمرت في حرب تشرين 1973 اتخذت مساراً آخر ارتدادياً على إرث الناصرية العربي والتقدمي.
بين نزعة التعب من أعباء المواجهة وقساوتها مع النظام الإمبريالي العالمي، وشعارات الحاجة إلى الالتفات إلى هموم الناس المعيشية، ونشر ثقافة الانعزال والتيئيس، خرجت مصر بما تمثل في المكان والدور والقيادة فانزاح من أمام إسرائيل حاجز كبير. انفتحت أزمات وحروب صغيرة لم يسلم منها بلد عربي فجذرت المشكلات القطرية وعمقت مسار التخلي عن قضية شعب فلسطين. ومن ثقافة التفكك والعجز عبرت مشاريع التسويات السياسية الوهمية التي أكلت رصيد النضال والتضحيات العربية.
عندما اجتاحت إسرائيل عاصمة لبنان (1982) لتطرد منظمة التحرير كانت النزاعات العربية قد استفحلت وصار التعامل مع الشعب الفلسطيني كإحدى الأوراق التي تتجاذبها هذه السياسات. لم تعد القضية الفلسطينية إلى الخارطة إلا مع الانتفاضة في الداخل (1987) التي عززت الحركة الوطنية على أرضها لكنها أضعفت ارتباطها ببعدها العربي. لم تكن "أوسلو" غيمة عابرة في مسار الكيننة المتزايدة، التي بدأت مع كامب ديفيد في مصر، وحرب العراق مع إيران، وحرب العراق مع الكويت، وعاصفة الصحراء على العراق، واتفاق وادي عربة مع الأردن، وابتعاد الفلسطينيين عن خارطة لبنان. هذا الاستنقاع في القطري، بل الانعزال في المشكلات الداخلية أخرج معظم العرب من مشروع العروبة بما هي حركة مواجهة مع الاستعمار والصهيونية، وحركة تقدم وتنمية وتعاون وتكامل، حتى صارت تستولد نقائضها في عصبيات أدنى من الوطنية وتواجه مشكلات شرعية ومشروعية منظوماتها السياسية وخياراتها وممارساتها.
في الذكرى 62 للنكبة هناك درس أول هو أننا حين أدرنا ظهورنا لفلسطين لم ننجز تقدماً ولا تنمية ولا ديموقراطية ولا استقلالاً ولا تصنيعاً ولا مستويات علمية وثقافية ولا مناعة أمنية ولا موقعاً بين الأمم.
ما زالت نكبة فلسطين تشهد على العجز العربي وتجسده وتكشف عمق المشكلات والأزمات التي ترزح تحتها شعوبنا ولو أنها ما زالت هنا وهناك تقاوم بما تيسر لها من إمكانات وبما انفتح لها من جبهات وآفاق. لكن لا يستطيع موقع هنا أو موقع هناك أن يقلب معادلة الانكسار العربي أمام الهجمة الصهيونية الغربية المتجددة ما لم تتكامل مواقع المقاومة تتضافر جهود العرب على مستويات مختلفة لتعميم ثقافة المقاومة وبناء المجتمع المقاوم. ولقد قيل إن الحرب شأن خطير لا يمكن تركه إلى العسكريين. الحرب هي حدث سياسي اجتماعي بامتياز لا يكفي أن نتقنها في معركة بل علينا توفير شروطها كحدث تاريخي متعدد الأبعاد. إنه مشروع تجديد العروبة نهوضاً بفكرة التحرير والوحدة والتقدم والمشاركة الحرة لشعوب تمارس حريتها.