| 

كتب هذه الرواية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي مؤرخون رسميون وغير رسميين، ينتمون الى الجيل الأول من علماء السياسة والاجتماع والشؤون العسكرية الذين كانوا يحتلون مراكز رفيعة في الجامعات الإسرائيلية وفي فرع التاريخ التابع لهيئة الاركان العامة، وآمن بها وتشربها المجتمع الإسرائيلي جماعة وأفراداً، ونظر الى ما جاء فيها باعتباره حقائق لا يرقى إليها الشك، وتبعه الغرب في ذلك، جامعات ومراكز بحث وساسة وكتّاب وفنانون وصحافيون، واتخذ هؤلاء، اسوة بالإسرائيليين مواقفهم من النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، و«النكبة»، والفلسطينيين وحقوقهم بناء على ذلك، متجاهلين الرواية الفلسطينية. وعلى الرغم من التصدّعات التي اصابت الرواية الصهيونية، جراء اكتشاف كثير من الحقائق المناقضة لمرتكزاتها الأساسية وما ورد فيها على يد جيل جديد من المؤرخين الإسرائيليين، بالاضافة الى نضج الرواية الفلسطينية واتضاحها وتوثيقها وانتشارها، اكثر فأكثر، إلا انها لا زالت، مع تعديلات معينة، هي الرواية السائدة في إسرائيل والغرب، وربما تكون قد تسللت، للأسف، الى عقول بعض من العرب واستقرّت فيها.
ونظراً لأهمية الرواية الصهيونية، في تبيان طبيعة الذهنية الصهيونية، عندما تتعامل مع التاريخ وحقائق النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بما يعنيه ذلك من لجوء الى تزوير للوقائع وتبرير لجرائم وإخفاء ما يدعو الى الخجل منها، نرى من المناسب تقديم عرض موجز للرواية الصهيونية لحرب 48، وما تعرّضت له على يد المؤرخين الجدد، وما آل إليه أمر هؤلاء، وما تعرّضت له من تعديلات على يد ما يُسمى حالياً بـ«بالمؤرخين الصهيونيين الجدد» من اجل تجميلها واعادة تسويقها بعد ان انكشف خداعها. ونظراً لضيق المجال سنتطرق في هذا العدد للرواية الرسمية وظهور المؤرخين الجدد، على ان تعالج ما آل إليه امر المؤرخين الجدد، وما اتى به «المؤرخون الصهيونيون الجدد» لاحقاً.

الرواية الصهيونية الرسمية
ارتكزت الرواية الصهيونية الرسمية لحرب 48، التي سادت في المؤسسات السياسية والاعلامية والاكاديمية إسرائيل (والغرب) في العقود الاربعة الاولى لقيام إسرائيل، الى عدد من المقولات التي اعتبرت بمثابة حقائق راسخة. ولا يتسع المجال هنا للإحاطة بها جميعاً، ولذا سنكتفي بالتطرق، بإيجاز وتبسيط شديدين يفرضهما ضيق المجال، الى ما نعتبره المقولات الأربع الاهم بينها المقولة الاولى هي ان الحركة الصهيونية قبلت في سنة 1947 قرار التقسيم القاضي بقيام دولتين، عربية ويهودية، وان الفلسطينيين والعرب كلهم رفضوا القرار، ومن ثم شنّت الدول العربية المجاورة الحرب على الدولة فور إعلان قيامها بهدف تدميرها وإلقاء اليهود في البحر.
المقولة الثانية هي ان الدولة الوليدة كانت مهدّدة بخطر الإبادة، نظراً لتفوق الجيوش العربية عديداً وعدة على الجيش الإسرائيلي الذي كان قد تشكل حديثاً من قوات الهاغانا، والمنظمات الصهيونية المسلحة الأخرى والمجندين والمتطوّعين، وأن إسرائيل تمكّنت من تفادي هذا الخطر وإلحاق الهزيمة بالجيوش العربية بفضل بطولة وتضحيات هذا الجيش الذي كان وضعه، بحسب الرواية الصهيونية، أشبه بوضع داوود الضعيف في مقابل جوليات القوي في القصص التوراتية.
المقولة الثالثة هي ان الفلسطينيين تركوا بيوتهم وقراهم إما بإرادتهم او استجابة لأوامر الزعماء العرب والفلسطينيين، وهكذا ولدت مشكلة اللاجئين.
والمقولة الرابعة هي ان إسرائيل بعد انتهاء الحرب مدّت يدها للسلام مع العرب، ولكن هؤلاء لم يظهروا اهتماماً بذلك واختاروا الحرب الدائمة.
وفي ثنايا الرواية الصهيونية جرى التغني بأخلاقية قوات الهاغانا، والجيش الإسرائيلي والترويج لأسطورة «طهارة السلاح» العبري، ونسبت التجاوزات(!) القليلة التي اعترف بها، كمجزرة دير ياسين الى عصابة الاتيسل، فيما وصف المقاومون الفلسطينيون باستمرار بأنهم عصابات وقطاع طرق ولصوص وما شابه ذلك من أوصاف، وليسوا مدافعين عن أنفسهم وبيوتهم ووطنهم.
وقد أكسبت هذه الرواية المجتمع الإسرائيلي رضى عن الذات، واعتزازاً بقيادته وجيشه، وشعوراً بالتفوق المادي والأخلاقي، وإحساساً بالمتعة، وجرأة على تجاهل المسؤولية عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، وتأييداً لتدمير القرى المهجورة العربية وتلغيم أنقاضها لمنع الفلسطينيين من العودة إليها، وتغاضياً عن العدوانية الإسرائيلية تجاه الدول العربية المجاورة في السنوات اللاحقة للحرب.
كما أكسب ابتلاع الغرب لهذه الرواية إسرائيل اعجاباً ببطولاتها(!) واخلاقية جيشها، وتأييداً لحقها في الدفاع عن نفسها، ومزيداً من الدعم والتفهم لمواقفها وسلوكها العدواني. وفي المقابل جرى تجاهل مأساة الشعب الفلسطيني وحقوقه وروايته للنكبة.

المؤرخون الجدد
في أواخر السبعينيات من القرن الماضي رفعت السرية عن جزء من الارشيفات العسكرية المتعلقة بحرب 1947ـ 1948، وتقاطر الدارسون الإسرائيليون والاجانب إليها لتفحص محتوياتها، ولعله كان في ذهن كثير منهم انهم سيجدون فيها ما سيساعد على استكمال وتعزيز توثيق الرواية الصهيونية الرسمية، والإجابة على تساؤلات تفصيلية تتعلق بثغرات في هذه الرواية ناجمة عن وقائع غابت عن السرد او عولجت بإيجاز، وربما كانت هناك رغبة لدى البعض في التحقق من صدقية الرواية في هذا الأمر او ذاك.
ولكن رفع السرية الجزئي هذا عن الارشيفات العسكرية تمخض عن مفاجأة لم تكن في حسبان المؤسسة الصهيونية الحاكمة والمؤرخين المتواطئين منها، وإن كانت جاءت متأخرة عشر سنوات، ربما ريثما استوعب المؤرخون ما وجدوه من معلومات في الوثائق المحفوظة في الارشيفات. وكانت هذه المفاجأة ما سمي في إسرائيل بـ«المؤرخين الجدد» او «المؤرخين ما بعد الصهيونيين»، الذين اتضح لهم نتيجة التنقيب والتدقيق في الوثائق، ومقارنة ما ورد فيها بما ورد في الرواية الصهيونية الرسمية، ان جوهر هذه الرواية هو عبارة عن اكذوبة ضخمة، وان مرتكزاتها الاساسية لا تعدو كونها أساطير (myths) او بحسب تعبير أحد أبرز المؤرخين الجدد، «تلفيقات» (fabrications)، ولم يتردد هؤلاء في مجابهة الرواية الصهيونية الرسمية بالحقائق التي كانت مخفية داخل الوثائق، وتوالى خلال فترة قصيرة، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، ظهور عدد من المؤلفات (انظر الكادر) التي صدعت أركان الرواية الصهيونية، وكان من اللافت للنظر أنها صدرت باللغة الانكليزية وعن دور نشر أجنبية. وفي أواخر التسعينيات جرى رفع السرية عن جزء إضافي من الارشيفات العسكرية وساعدت المعلومات المتضمن فيها أكثر فأكثر في جلاء حقيقة ما جرى طمسه او التعتيم عليه في الرواية الصهيونية.
ماذا قال المؤرخون الجدد، استناداً الى الوثائق الرسمية، في شأن المقولات الاساسية الأربع التي اشرنا إليها اعلاه، والتي سنكتفي بها ايضاً؟
في شأن المقولة الاولى: ان قبول القيادة الصهيونية قرار التقسيم وقيام دولتين إحداهما يهودية والاخرى عربية، وقبول الحدود التي عينها التقسيم لهما، كان قبولاً تكتيكياً ولفظياً، وانه كان هناك تواطؤ بين الملك عبد الله والقيادة الصهيونية على اقتسام فلسطين، ومنع قيام دولة فلسطينية، وانه كانت هناك لدى القيادة الصهيونية خطة عسكرية لتوسيع حدود الدولة اليهودية بمقدار ما يستطيع الجيش الإسرائيلي توسيعها، وهذا ما قام بفعله خلال الحرب بحيث اتسعت رقعتها من نحو 57% من مساحة فلسطين الى 78% تقريباً.
في شأن المقولة الثانية: ان الدولة اليهودية لم تكن تواجه خطر الإبادة مطلقاً، وان القوات المسلحة الصهيونية كانت تفوق الجيوش العربية بما لا يقاس عديداً وتسليحاً وتدريباً وخبرة قتالية، وان الجيوش العربية (باستثناء الفيلق الاردني) كانت ضعيفة وسيئة التسليح وتفتقر الى التنسيق فيما بينها، فضلاً عن ان قائدها العام، الملك عبد الله، كان متواطئاً مع القيادة الصهيونية وبالتالي فإن اسطورة «داوود الضعيف» مقابل «جوليات القوي» مجرد تلفيق كاذب، وانتصار الجيش الإسرائيلي لم يكن نتيجة بطولة خارقة او معجزة وانما بفضل تفوقه.
في شأن المقولة الثالثة: ان الفلسطينيين لم يهجروا قراهم وبيوتهم استجابة لنداءات زعماء عرب او فلسطين لم يكن لها فعلاً وجود، وان هذا الزعم كان مجرد تلفيق آخر لإخفاء حقيقة ما جرى فعلا وللتنصل من المسؤولية عن مأساة اللاجئين ومشكلتهم، وان ما جرى فعلا كان عملية تطهير عرقي مخطط لها سلفاً ونفذها الجيش الإسرائيلي بناء على أوامر تفصيلية من القيادة السياسية العليا، ووفقا لخطة «دالت» الشهيرة التي ارتكب خلال تنفيذها، وبناء على تخطيط مسبق، عدد كبير من المجازر وعمليات الطرد والاعدامات الفورية وهدم القرى المهجورة وتلغيم انقاضها لمنع سكانها من العودة إليها، وقتل كل من حاول التسلل إليها من الافراد قبل بلوغها.
في شأن المقولة الرابعة: ان إسرائيل بعد الحرب لم تكن معنية بالسلام مطلقاً، وانها احبطت او تجاهلت كل المبادرات والوساطات للتوصل الى سلام مع جيرانها، وذلك لأن السلام كان يفترض عودة اللاجئين والتخلي عن الأراضي التي احتلها الجيش الإسرائيلي خارج الحدود التي عينها قرار التقسيم للدولة اليهودية.
ومع تداعي هذه المرتكزات (الأساطير، التلفيقات)، تداعت معها اساطير اخرى، مثل «طهارة السلاح»، وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره.
كيف استقبلت المؤسسة الحاكمة، والمؤرخون القدامى، وأقسام التاريخ والعلوم الاجتماعية في الجامعات، ووسائط الإعلام والرأي الإسرائيلي العام عموماً هذا التعدّي على حرمة الرواية الصهيونية لحرب 1947ـ1947؟ هذا ما سنتناوله، كما اسلفنا، في عدد لاحق، بالاضافة الى تتبع ما آل إليه مصير المؤرخين، وما أدخله «الصهيونيون الجدد» من تعديلات على الرواية القديمة لتعويمها مجدداً.
خلال الهدنة، لم تعزز القوات الإسرائيلية مواقعها داخل القدس وحولها فحسب، بل يبدو انها طوقت قرية عين كارم وهاجمتها. وهناك روايات كثيرة متضاربة بخصوص تحديد الوقت الذي احتل فيه الجيش الإسرائيلي القرية. وما يلي هو حكاية رواها احد سكان عين كارم ممن شاركوا في الدفاع عن القرية:
كان في حيازة سكان عين كارم ما بين 30 و40 بندقية، ليس بينها واحدة في حالة جيدة. وأرسل إلينا المجلس القومي في القدس بعض الذخائر الفاسدة من مخلفات الحرب العالمية الثانية. أنا شخصياً اشتريت بندقية وذخيرة بـ25 ديناراً من مالي الخاص. دافعنا عن القرية ضد الهجوم الصهيوني تسعة ايام. كنت في الجبهة. ناشدنا جنود الجيش المصري الموجودين في بيت لحم مساعدتنا، لكنهم أخبرونا انهم لا يستطيعون ذلك إلا اذا تلقوا أوامر صريحة من الملك عبد الله. وفي النهاية، ارسل الملك عبد الله دبابتين (من الفيلق العربي) لمساعدتنا. قال لنا جنود الشرق الاردنيون ان نذهب ونرتاح لأننا قاتلنا فترة طويلة جداً، وانهم سيدافعون عن القرية. وفي اليوم التالي اختفت الدبابتان واحتل الصهيونيون عين كارم. حدث ذلك في الحادي عشر من تموز/ يوليو.
بحسب هذه الرواية، قام الجيش الإسرائيلي باحتلال عين كارم فعلاً بعد ان انتهت الهدنة في 9 تموز/ يوليو، لكن المعركة على القرية احتدمت عدة ايام في اثناء الهدنة. أما قرية المالحة المجاورة، فقد سقطت في 13ـ14 تموز/ يوليو، بعد معارك طويلة مع وحدات الجيش الإسرائيلي والإرغون.
المصدر: القدس 1948. الأحياء العربية ومصيرها في حرب 1948. تحرير: سليم تماري. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تموز 2002.