تضمن الكتاب التوثيقي الأخير للمؤرخ الممتاز الدكتور عادل اسماعيل «مأساة جنوب لبنان» وثيقتين مهمتين:
÷ الأولى، تكشف كيف تواطأ الاحتلال البريطاني لفلسطين مع الاحتلال الفرنسي للبنان، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، لتمكين اليهود الذين ستغدو لهم «دولة» في فلسطين، من «سرقة» الأرض في المنطقة بين الناقورة وشرق بحيرة طبريا.
يقول عادل اسماعيل في كتابه الجديد، الفصل الثالث ـ قضية الحدود:
«لدى ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين، تولت المفوضية العليا الفرنسية سنة 1922 تحديدها بالتفاوض مع السلطات البريطانية المنتدبة على فلسطين. ومن المؤسف القول ان سلطات الانتداب الفرنسية تساهلت كثيراً في رسم هذه الحدود بحيث انها، في عهد الإمارة ثم في عهد ولاية صيدا، كانت تتمثل بخط مستقيم بين الناقورة وشرق بحيرة طبريا. لكن في المباحثات بين دولتي الانتداب فرنسا وبريطانيا، كانت الوكالة اليهودية تشرف، الى جانب السلطات البريطانية في فلسطين، على رسم هذه الحدود متراً متراً إذا صح التعبير، ولم يكن للجانب اللبناني أي وجود عند تخطيط تلك الحدود. لذا، بدلا من الخط المستقيم الذي كان مرسوماً في السابق، وجد البريطانيون، إرضاء للوكالة اليهودية وتحقيقاً لرغباتها، اقامة «نتوءة» عند الحدود الشرقية، وهذه النتوءة شملت سهول الحولة وبحيرة طبريا ومياه الأردن وقسماً من الروافد اللبنانية والسورية. تجدر الاشارة الى ان معظم مالكي سهول الحولة كانوا آنذاك من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين».
÷ أما في الفصل الثالث من هذا الكتاب، فيكشف المؤرخ ـ المدقق عادل اسماعيل واقعة مطموسة، تتصل بالقرار الرسمي اللبناني حول اختيار اماكن الاخوة الفلسطينيين الذين طردهم الاحتلال الاسرائيلي (بالتواطؤ دائماً مع الاستعمار البريطاني) من بلادهم وجاءوا الى لبنان «لاجئين».
جاء في الفصل السادس من الكتاب، تحت عنوان «النزوح اللبناني والفلسطيني من جنوب لبنان»:
«ـ نتيجة كارثة سنة 1948 حصل النزوح الفلسطيني الى البلاد العربية بفعل اعمال القتل والإرهاب التي مورست عليهم من المنظمات العسكرية الصهيونية، وكان للبنا حصة وفيرة منه. اعتبر الفلسطينيون ان نزوحهم موقت، وأنهم عازمون على العودة الى ديارهم بعد مدة قصيرة لا تتجاوز أياماً او اسابيع معدودة. لكن هذا الاعتقاد كان مع الاسف بعيداً عن الواقع وعن التطورات التي شهدتها الدول العربية في تلك الحقبة سياسياً وعسكرياً. أما في ما يتعلق بلبنان فقد نزح إليه في البداية حوالى مئة وأربعين ألف لاجئ.
ـ حصلت واقعة سياسية لا بد من احاطة القارئ علماً بها. فقد اقترح رياض الصلح، رئيس مجلس الوزراء آنذاك، ان يقيم هؤلاء اللاجئون الفلسطينيون في منطقة تقع بين بعلبك والهرمل في البقاع، وقال للشيخ بشارة الخوري، رئيس الجمهورية اللبنانية يومئذ، ان الفرنسيين في عهد الانتداب اقدموا على عمل مماثل يجدر بنا ان نحتذي به، وهو انهم عند وصول الأرمن الذين لجأوا الى لبنان على إثر المذابح التي تعرضوا لها في كليكيا والمناطق التركية الاخرى في اثناء الحرب العالمية الأولى، أسكنوهم في منطقة عنجر في البقاع، البعيدة عن المدن اللبنانية. أما الشيخ بشارة الخوري فكان يرى في قدوم هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين يداً عاملة رخيصة، ولم يمانع بالتالي بأن يقيموا عند مداخل صور وصيدا وبيروت وطرابلس. وكان رأي رياض الصلح ان في اقامتهم هذه عند أبواب المدن اللبنانية وفي المواقع الاستراتيجية منها، ما يشكل ازمة في المستقبل. إلا ان الشيخ بشارة الخوري اصر على موقفه وقال لرياض الصلح: انه، بالإضافة الى كون هؤلاء اللاجئين يداً عاملة رخيصة للاقتصاد اللبناني، فإن خزينة الدولة اللبنانية لا تسمح لها ببناء المساكن اللازمة لهذا العدد الكبير من الفلسطينيين في المنطقة المقترحة بين بعلبك والهرمل. وكان رأي الشيخ بشارة الخوري هو الذي أخذ طريقه الى التنفيذ».