| 

عزيزي الأستاذ طلال سلمان
لقد عرفت أنكم في «السفير» ترتبون لإصدار ملحق خاص بفلسطين، وقد أسعدني ما سمعت وأثار اهتمامي وهمتي أيضاً، ذلك أن هواجسي تزداد يوماً بعد يوم بأن قضية فلسطين وهي الأزمة المركزية في حياة العرب وأمنهم ومستقبلهم طالت دون قيادة، وتفاقمت دون حل، وتقدم لمسؤوليتها من هم أقل من مطلبها، ثم آل قرارها إلى من لا يقدر عليه، فترك للزمن أن يغطيه، والزمن له قانون آخر حسابه بالفعل، وبغير الفعل فليس هناك غطاء، لأنه ليس مع الضياع حساب!!
أذكّرك وأذكّر غيرنا أن الضياع طريق مؤكد إلى النسيان، فحين يشيع الخلط، وتشتد الفتن، وتضل السبل، يحاول الناس مقاومة الإحباط عن أحد طريقين: إما الهرب إلى الأوهام بأمل أنها تستطيع ملء الأيام بدلاً من تركها فارغة! وإما أن يسافر الناس بلا تذاكر، لاجئين إلى ملكوت النسيان، حيث المنافي الأكثر بُعداً عن الذاكرة.
وفي فضاءات الوهم أو النسيان تضيع القضايا، ويكون ذلك هو القصد المقصود، وقد أقول لك إن ذلك بالتحديد ما تريده إسرائيل، فليس لديها جواب عن سؤال عجز أصحابه عن الرد عليه، وفي عجز أصحاب السؤال، فقد طرحت هي، وفرضت جوابها!!
أسلوبهم لسوء الحظ تنبّه للزمن بالفعل فيه، ثم إخراج غيرهم منه بالغفلة عنه.
وهنا فإن مقاومة النسيان تصبح هي الخط الأخير من دفاعاتنا، بمعنى أن الوقفة على خط الذاكرة موقع لا يمكن التراجع عنه.
الذاكرة ـ كما تعرف ونعرف جميعاً ـ مقدمة ضرورية للوعي، والوعي مكمن الإرادة، وهذه معركة نستطيع أن نكسبها حتى تتبدل أحوال، وتتبدد ظلمات، تظهر أجيال لا تستر عوراتها بالأوهام، ولا تسافر تسللاً إلى المنافي البعيدة.
هذه معركة يمكن كسبها بيقين وثقة، لأنها لا تحتاج إلى دول عاجزة أو غير موجودة أصلاً ـ ولا تحتاج إلى جيوش جاهزة أو غير جاهزة ـ ولا تحتاج إلى قيادات أخذها هيلمان السلطة، وسطوة الثروة، ومهرجانات العز والنفوذ، وربما تقدر على فتح أبواب السجون، لكنها لا تملك سلطاناً على قفل أبواب الذاكرة!!
وأراكم الآن في «السفير» تفتحون باباً جديداً للذاكرة، ودعني أؤكد لك أن أبواب الذاكرة هي نفسها أبواب المستقبل!!
ولك أطيب تحية.