| 

تجرّأت الحكومة الإسرائيلية، في تموز 2009، على اتخاذ قرار يقضي بتغيير اللافتات التي تدل على المواقع الجغرافية، وحذف العبارات العربية منها. وعلى سبيل المثال، سيتم حذف كلمة «القدس» من لافتات المدينة، والاقتصار على الكلمة العبرية «يروشلايم» والكلمة الإنكليزية «Jerusalem». وعلى خطورة هذا الشأن، فهو ليس بجديد على الإطلاق، لأن تغيير أسماء المواقع بدأ منذ قيام دولة إسرائيل في سنة 1948. لكن الجديد فيه هو أن هذا القرار يندرج في سياق الدعوة الإسرائيلية إلى اعتراف العرب بالدولة الإسرائيلية كدولة يهودية.

السرقة مهنة قديمة
تذكر التوراة في سفر الخروج أن العبرانيين ذهبوا إلى المصريين، قبل ليلة واحدة من خروجهم من مصر، واستعاروا منهم كثيراً من الأدوات والأواني. وفي صباح اليوم التالي كانوا في طريقهم إلى سيناء بعدما سرقوا الآنية التي استعاروها في الليلة السابقة. ومع أن هذه الرواية أقرب إلى الخرافة، إلا أن نزعة الاستيلاء والغصب ما زالت سارية لدى القيادات الإسرائيلية المتعاقبة. ومنذ البداية سرقوا اسم فلسطين واستبدلوه بعبارة «أرض إسرائيل» (إيرتز يسرائيل)، وأطلقوا كلمة «حبرون» على مدينة الخليل، وكلمة «عيمك زبولون» على سهل عكا، و«بئير شيفع» على بير السبع، و«بيت شآن» على بيسان، و«عيمك يزراعيل» على مرج ابن عامر، وكلمة «كريات دان» على الرملة، و«هشيلوح» على سلوان، وكلمة «يام كنيرت» أو «يام هجليل» على بحيرة طبرية، و«يركون» على نهر العوجا، و«شلوي» على البصة... وهكذا. وكانت الغاية تغييب الفلسطينيين تماماً، والسعي إلى تدمير تاريخ الشعب الفلسطيني وحضارته وآثاره في أرض أجداده. ولم يكتفِ الإسرائيليون بذلك، بل عمدوا إلى سرقة التراث الشعبي أيضاً، ومنها الثوب الفلسطيني المشهور بمطرزاته الجميلة، وجعلوا ثوب بيت لحم التقليدي لباساً لمضيفات طائرات العال، ووضعوا ثوب العروس في منطقة بيت لحم في موسوعة «الأونيفارساليس» على أنه ثوب إسرائيلي، ثـــم أزيــل من الطـــبعات اللاحقة بعد حملة إيضاحية. والمعروف أن للأثواب هوياتها المحلية. فالأحمر النبيذي لرام الله، والأحمر البرتقالي لبير السبع، والكحلي للمجدل. والأحمر والأخضر معاً يسمى «الجنة والنار».

المواطنة العسيرة
في السياق نفسه قام الكنيست الإسرائيلي في تموز 2003، أي قبل نحو سبع سنوات، على إصدار «قانون المواطنة»، وهو قانون عنصري، يهدف إلى منع الفلسطينيين من حقهم في «لمّ الشمل»، كأن يتزوج شاب من الناصرة امرأة من نابلس، فتنتقل هذه المرأة إلى العيش مع زوجها في الناصرة. وهذا القانون بات يمنع انتقال هذه المرأة إلى «إسرائيل» للالتحاق بزوجها. بينما تبيح القوانين الإسرائيلية لأي يهودي أن يأتي بزوجته الأجنبية للإقامة معه أينما شاء في إسرائيل. وليست خافية على أحد الأهداف المكشوفة التي تسعى إسرائيل إلى الوصول إليها من مثل هذا القانون الجائر الذي يتناقض، على طول الخط، مع القانون الدولي الإنساني، ومع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

بيع أملاك الغائبين
صحيح أن الصهيونيين استولوا على فلسطين في سنة 1948 بالقوة العسكرية وبالدعم المباشر من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة، ومع ذلك فإن أراضي الفلسطينيين التي أُرغم مالكوها على مغادرتها قسراً وُضعت في تصرف مؤسسة دُعي مديرها «القيم على أملاك الغائبين» الذي راح يؤجرها لآجال طويلة أو قصيرة لأفراد أو لمؤسسات صهيونية. وكان هذا الإجراء يعني أن إسرائيل تتهيّب التصرف النهائي بهذه الأراضي، وتؤجل تحديد ملكيتها إلى أمد غير محدد. لكن، منذ فترة أقدمت الحكومة الإسرائيلية على نقل مرجعية التصرف بهذه الأراضي إلى الوكالة اليهودية التي راحت تبيع هذه الممتلكات إلى الأفراد والجماعات والمؤسسات، الأمر الذي يعني إقفال المجال أمام عودة اللاجئين. وحتى لو عاد بعض هؤلاء إلى ديارهم الأصلية فلن يجدوا أمامهم ممتلكاتهم بل مجموعة من دعاوى التنازع على الملكية.

دولة اليهود
إن الغاية من هذه الإجراءات كلها هو الانتقال إلى مطالبة العرب، والفلسطينيين بالتحديد، بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. وهذا أمر خطير جداً، لأن فكرة «الدولة اليهودية» تطاول في نتائجها الفلسطينيين في داخل إسرائيل، وتمنع على الفلسطينيين في الخارج حقهم في العودة، وتفرض على عرب 48 عنوة قسم الولاء لهذه الدولة المستعمِرة، وتفرض على كل فرد منهم لا الولاء للدولة باعتباره مواطناً فحسب، بل الولاء للرموز الدينية كالعلم والنشيد الوطني وشعار الدولة، وهي رموز تتناقض في مدلولها اليهودي مع عقيدة المسلم والمسيحي معاً. وفوق ذلك، فإن الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل يؤدي إلى إنكار حق العودة للفلسطينيين، ويجعل قيام دولة إسرائيل أمراً مشروعاً وأخلاقياً، وهذا يعني أن المقاومة الفلسطينية والعربية للمشروع الصهيوني كانت اعتداء على إسرائيل، وعدواناً على سكانها اليهود، أي أنها أمر غير مشروع وغير أخلاقي معاً.

*****
أقامت الحركة الصهيونية مشروعها على فكرة جدل المنفى والعودة. لكنها بتحويلها آلام اليهود في أوروبا إلى مشروع سياسي موظف في خدمة الاستعمار جعلت اليهود أنفسهم أداة للاستعمار الحديث. ثم أمعنت في محاولة إلغاء الشعب الفلسطيني ووجوده وتراثه وحضارته، لأنها تدرك أن الوجود الحي لهذا الشعب هو البرهان الدائم على عدم مشروعية إسرائيل والصهيونية معاً. فالصهيونية حوّلت فكرة الخلاص اليهودي من الكراهية الأوروبية والإذلال الديني إلى اقتلاع للشعب الفلسطيني، وهذا الحدث جريمة سياسية وتاريخية وثقافية وإنسانية لا يمكن محوها إلا بتصحيح التاريخ وعودة الفلسطيني إلى دياره الأصلية. ومن المؤكد أن محاولات تغييب الكائن الفلسطيني عن جغرافية بلاده ستفشل، لأن الذاكرة الفلسطينية المكتوبة والمنقوشة والمروية والمحفوظة من شأنها أن تدمر هذه المحاولات كلها. وما يجري اليوم في إسرائيل من سعي إلى تغيير المعالم الفلسطينية لغوياً وبصرياً، لن يكون مصيره إلا الاصطدام بصخرة هذا الشعب الذي لم تُنسه السنوات الاثنتان والستون من المنفى، أرضه وتاريخه وتراثه.
المصادر وليد الخالدي، «كي لا ننسى»، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1977. شكري عراف، «المواقع الجغرافية في فلسطين»، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2004. إبراهيم عبد الكريم، «أسماء الأماكن الفلسطينية»، مجلة «شؤون عربية»، العدد 199، أيلول 1999.