| 

إنه مساء الأحد وها هي الشمس تغرب ببطء. تجمع عدد من الرجال في أعلى التلة أمام أحد البيوت ينشدون ويغنون ويرفعون علماً فلسطينياً. وبينهم كان عدد من النساء المتقدمات في السن، اللواتي يرتدين الأثواب الفلسطينية المطرزة، يقاطعن الأناشيد بالزغاريد والتمنيات.
عندما وقفتُ مع النساء، شعرت كأنني في الضفة الغربية، أو خيّل إليّ أن ذلك يشبه الضفة الغربية على الأقل. وكان استغراقي في الحدث ينقطع بين الحين والآخر عندما تمر سيارة تصدح منها موسيقى الريغي، أو يأتي جار بلباس الرياضة ليشاهد ما يجري بدهشة، فيذكرني ذلك بأننا في نيوجيرسي، وبأنني ربما الوحيدة في هذا العرس التي ليست مواطنة أميركية. فأنا لاجئة فلسطينية ولدت في لبنان ونشأت في الكويت الأمر الذي يجعلني غريبة عن هذه الجالية. وكان الشبان والشابات من حولي ولدوا في معظمهم في نيوجيرسي أو نيويورك، ودرسوا في مدارس عامة أو كاثوليكية محلية، وهم آباء وأمهات الجيل الثالث من المهاجرين الفلسطينيين إلى الولايات المتحدة أو سيكونون كذلك.
تثير وضعية هؤلاء كمهاجرين كثيراً من الأسئلة عن العرس. هل يحاولون التمسك بعاداتهم قبل الهجرة؟ هل يفهم الجيل الثاني من هذه العادات أم أنه يسترضي الأهل؟ هل هذا تمثيل؟
إن الماضي المحدد الذي تحاول هذه الجالية الارتباط به والمحافظة عليه هو ماضي الفلاحين. وغالباً ما يشير أبناء الجالية إلى أنفسهم أو إلى بعضهم البعض أنهم «فلاحون». ويشيع استخدام هذه الكلمة على سبيل الاحتقار لدى البعض، لكنها تردد في هذه الجالية للاعتزاز في الغالب. ومن المفارقات غياب الزراعة وتربية المواشي عن أسلوب الحياة الذي يقوم على نمط إنتاجي محدد. وهذا الغياب إغفال مقصود يبرره أن جميعهم غير مزارعين! وهكذا يستعاد ماض انتقائي يفتقر إلى حنين العودة إلى أسلوب معيشة ونمط حياة أكثر بساطة.
قد تبدو أعراس هذه الجالية الفلسطينية شبيهة بالتحف الفولكلورية. لكنها على عكس ذلك تثير أسئلة عميقة عن التنظيم الاجتماعي وسياسة المنفى.
توضح العودة إلى طقوس الأعراس بجلاء مقدار تمحور الحياة الجماعية للفلسطينيين الأميركيين حول وطنية ما بعد الاستعمار، وقوة تأثير شبكات الأمان الفلسطينية في حياة أعضائها.
هم فلاحون في الأثواب التي يطرزونها والأغاني والأناشيد المنتقاة في الأعراس. ويمكن معرفة أهمية الموسيقى من المكانة البارزة الممنوحة للفرقة الموسيقية التي تحيي العرس، إذ توجد على منصة مرتفعة تشرف على حفلة الرقص (كما في حفلة موسيقية). وهي بارزة بقدر بروز العروسين إن لم يكن أكثر.
يبدأ مغني العرس بمزيج من أغاني الأعراس الفلسطينية التقليدية، وأناشيد المقاومة الفلسطينية، والأغاني العربية الشهيرة الحديثة. ويغني المغني بالعربية بلهجة فلاحية مميزة أحياناً. وترتبط الصور في أغاني الأعراس الفلسطينية بالحقول أو بساتين البرتقال أو أشجار التين أو الزيتون، أو الأودية أو أعالي التلال أو الحنين إلى الأرض.
في أغان أخرى، يندمج الشوق إلى الأرض/ فلسطين والعروس معاً، إذ يطلب العريس من أمه أن تجد له فتاة فلسطينية يتزوجها، ثم يعبر عن رغبته في العودة لشرب الماء من نبعها (من الواضح أنها فلسطين). ينهار الزمان والمكان والفضاء في هذه الأغاني ولا يلتفت أحد إلى أن العريس استعد في منزله، وأن الأشجار الوحيدة التي تحيط به هي تلك المزروعة في الأصص أو في مروج العشب الصغيرة في باحة منزل عائلته الخلفية أو في مدخله.
أخيراً، هناك أغان سياسية بشكل صريح. وهي تغني عندما يدبك الرجال. ومن أشهر أغاني الدبكة أغنية باسم «نحنا مش إرهابية». وكلمات هذه الأغنية مملوءة بالمعاني وتتحدث عن التاريخ السياسي كما يمكننا أن نتبين أدناه:
نحنا مش إرهابية
نحن شعب الحرية
إسلام ومسيحية، أمتنا عربية
ضربونا بالصواريخ
ضربناهم بالحجارة
سرقوا الأقصى والتاريخ
وسمونا إرهابية
شغلوا العالم بالحروب
فرقونا شعوب وشعوب
راح تبقى أرض فلسطين عربية الهوية
بدنا نحرر فلسطين
فلسطين عربية
واشتهرت أغنية أخرى بعد صيف شهد تصاعد العنف في الضفة الغربية وغزة ولبنان. اسم هذه الأغنية «نصر الله صقر لبنان»، وهي تتحدث أيضاً عن المقاومة والنضال:
ثار الدم العربي ثار
والهمة عربية
مهما تضرب صواريخ شعب العزة ما بينيخ
راح يكتب لك التاريخ مرضي رب البرية
يرددن بصوت عال:
شعب تعوّد عالموت ما بدنا مال وياقوت بدنا
نعيش بحرية
الدم بيجيب الدم ما إلكم غير الهم
في أحد الأعراس أنشدت هذه الأغنية ست مرات، وفي عرس آخر حضرته، أنشدت مرتين لكن بصيغتها المطولة. وبينما كنت أراقب الرجال وهم يدبكون بنشاط على أنغام الأغنية، لاحظت أن كثيرين من المدعوين يرددون كلماتها. إذ ثمة رابط ملحوظ بين السياسة في الضفة الغربية والمناطق المجاورة وبين أغاني الأعراس، فكلما اشتد العنف هناك، ازداد ترداد الأغاني الوطنية وأغاني المقاومة هنا.
لا شك في أن إضفاء الكمال على الماضي الرعوي ليس من اختراع هذه الجالية، إذ إنه مكوّن أساسي من مكوّنات نموذج الوطنية منذ نشوئه. فالفلاح يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأرض لأنه يزرعها. ويمثل بعض النباتات والفاكهة تلك الأرض، وهو بالنسبة إلى الفلسطينيين شجرة الزيتون والتين والبرتقال والزعتر. بل إن المزج بين المرأة والأرض ينبع من الخطاب الوطني، إذ يشار إلى الوطن أنه الوطن الأم أو أرض الوطن.
يكتمل نموذج الوطنية عندما تؤخذ مظاهر العرس الأخرى في الحسبان: العلم الفلسطيني، والشال الفلسطيني والألوان التي يتضمنها (الأسود والأبيض والأحمر والأخضر). فهذه المصنوعات اليدوية دائمة الحضور في الأعراس. ويستخدم الرجال والنساء في أثناء الرقص العلم والشالات والعصي المغطاة بالكوفية والسيوف الكرتونية والسبحات الحمر والبيض والسود والخضر. ويتم الاستخدام الأكثر منهجية في الدبكة، عندما يعطي كل رجل شالاً يرتديه حول رقبته ويحمل العمل عند رأس صف الدابكين.
ومع ذلك فإن الأعراس مكان غير متوقع للتعبير الوطني. لقد استُخدم النموذج ما بعد الاستعماري وجرى تكييفه لبناء الأمم، والاحتفال بها، وغرس الوطنية في الشعب على نطاق واسع. لكن تاريخ الفلسطينيين عامة، وهذه الجالية خاصة، يعلل هذا الاختيار الضيق للمكان. فالفلسطينيون لم يحصلوا على وطن مستقل، كما أن تاريخهم الحديث يجسد الاضطهاد والتشتت. بل إن العرس أصبح ميداناً للكفاح وممثلاً للكفاح الفلسطيني. وقد برز الشعر الفلسطيني بعد سنة 1948 من إسرائيل إلى حد كبير. ورداً على ذلك، حوّل الشعراء الزواج بين الرجال والنساء إلى زواج بين الرجال والأرض/ فلسطين. ولعل أكثر القصائد تعبيراً عن هذا الفن الأدبي قصيدة محمود درويش «طوبى لشيء لم يصل»! ففي المقطع الأول يكتب الشاعر:
هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيداً أو شريدا


(*) مدرّسة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية ـ بيروت.