| 

كان إعلان قيام إسرائيل في 14 أيار 1948 إعلاناً عن الشروع في عملية سياسية وثقافية معقدة غايتها القصوى اندثار المكان الفلسطيني الذي ظهرت فوق سهوله البهية وجباله المتعالية وسواحله الهادرة وقفاره البديعة حضارات شتى تعاقبت منذ آلاف السنين، وتنافست على كتابة أروع صفحات التاريخ في هذه المنطقة. والمكان لدى الفلسطيني حالة فريدة ولا مثيل لها ومضنية، وهي تحمل في ثناياها توقاً معذِّباً إلى العودة إلى المكان الأصلي. فإذا كانت جميع الشعوب والجماعات والأقوام تعيش في أمكنة لها، فإن الفلسطينيين وحدهم على الأرجح من بين الشعوب والأمم هم الذين يسكن المكان في أفئدتهم أينما ارتحلوا؛ إنهم يعيشون في أمكنة كثيرة متباعدة ومتقاربة، لكنهم لا يعيشون في مكانهم المخصوص على الإطلاق.
فلسطين هي المكان الأصلي، لكنها صارت المكان المتخيل والفردوس المفقود الذي ما برح يعيش تحت أجفان الفلسطينيين كحلم. أما المكان الواقعي فهو المخيم. وبين الحلم والواقع يتردد أنين الفقد والمنفى في كل يوم. فلسطين هي المكان الذي دون الوصول إليه عذاب وارتحال وموت... هو المكان الأبهى المنسوج بخيوط الذاكرة وعذابات الهجر، وهو لا يزال، بحسب أحلام اللاجئين، ينتظر عودة من غادره. غير أن المخيم تحول، بتراكم السنين، إلى فلسطين البديلة والمستنسخة. ففي المخيم تعلّم اللاجئ كيف يحافظ على روابطه العائلية، وعلى لهجة آبائه، وعلى ميراثه البشري وحتى على انقساماته القروية التقليدية. ومن هذه العناصر كلها كان يصوغ هويته في المنفى، أي الرحيل في كل يوم إلى أرجاء فلسطين المتخيلة، والعيش في كل يوم في المخيم، أي في فلسطين المصغرة. لكن هوية اللاجئ في المخيم ظلت ناقصة، فوطنه المتنائي ما انفك يتنائى. و«وطنه» الواقعي يلفظه ويرفضه ويعزله. وتضاءل المنفى حتى صار مجرد «مسطبة» عليها مجموعة من أصص الحبق، أو مجرد شرفة عليها بضع تنكات من الورد، أو «سطيحة» نبتت عليها عريشة لا جدوى منها إلا بعض الظلال في النهارات القائظة.
لعل من مفارقات هذه التراجيديا الإنسانية أن الإسرائيليين يعيشون اليوم في المكان الفلسطيني نفسه الذي لا يكف الفلسطينيون عن استكشاف أي طريق للعودة إليه. ها هم الإسرائيليون يرتوون من مياه الآبار التي حفرها أجداد اللاجئين، وينامون في منازلهم التي غادروها بالقوة قبل اثنتين وستين سنة، وكان أجدادهم بنوها بدأب النملة ومثابرة النحلة.
أخفى المخيم خلف جدرانه الرطبة إرثاً متراكماً من حكايا الليالي المسهدة، وأغاني القرى، ونحيب التذكر. لكن أثمن ما كان يحتويه الصور المعلقة وألبومات العائلة وأوراق الطابو ومفاتيح البيوت المهجورة. وهذا الإرث يكاد أن يضيع في لجج العنف التي لم تتوقف البتة؛ فكم دُفنت تحت ركام المخيمات ثروة من هذه المطمورات الثقافية والإنسانية التي لا يمكن استعادتها قط.

*****

كان المخيم هو المكان الأثير لإعادة صوغ الوطنية الفلسطينية، والفضاء الرحب للتمرد، ولاختبار عوالم جديدة من الحرية. كان ذلك في زمن الأحلام الكبرى ومناطحة السماوات لاستعادة الأرض. أما اليوم فيبدو المخيم كأن لا شأن له في هذه الأشواق كلها. صار مكاناً للسأم وللجلوس على نواصي الطرق أو في مقاهي الأزقة، واجترار الكلام على الخيبة، وعلى إمكانات الرحيل وذم الزمان وصنع النقمة، والانجراف نحو التعصب والتدين المشيخي.
يدور الكلام في أفواه الكبار عن الذين رحلوا، وعن الأبناء الذين هاجروا. أما أحاديث الشبان فتدور، في معظمها، على الأصدقاء الذين غيّرت المهاجر حياتهم، وعن جواز السفر الأوروبي الذي يتيح للفلسطيني اللاجئ إمكان التنقل بحرية، والعيش بكرامة، وفوق ذلك احتمال زيارة فلسطين، وقبل ذلك كله الخلاص من بؤس المكان.
يقع المخيم، في الغالب، عند أطراف المدينة. والعلاقة بين المدينة والمخيم علاقة تنافرية تماماً. المدينة تقمع اللاجئ وتمنعه من الانخراط في نسيجها وتبعده عن اشتيار أعسالها أو جني طيباتها. وهو، بطبيعة الحال، غير قادر على هذا الأمر لضيق ذات اليد أو لأنه غريب في الأساس. إنه يعمل فيها ويكرهها ويحبها في الوقت نفسه. المدينة لهؤلاء مثل المخدر: يشتاق إليها إذا ابتعد عنها، ويرغب بشدة في تركها والرحيل عنها.
ما أصعب ليالي الصيف على أبناء اللاجئين في المخيمات اللبنانية. كل ما في هذه المدن مشتهى ومثير ومرغوب بقوة. لكن بينهم وبين هذه الشهوات دنيا من الصد والمنع والكف واللفظ والرفض. ولا يبقى لهم إلا إظهار ذكوريتهم فوق أرصفة الروشة أو الحمراء أو المنارة، ليعودوا بعدها بالخيبة عند الأماسي، وينطووا على هوياتهم المجروحة. وفي الليالي، بعد أن تقفر الأزقة وتوصد الأبواب، لا شيء يستحوذ على أخيلة هؤلاء الشبان إلا أشرطة أفلام الجبابرة والأجساد المثيرة... إنها البهجة الوحيدة المتاحة التي تجعل الحدقات تتسع حتى النهايات.

*****

كان المخيم وطناً مؤقتاً، واستراحة على طريق العودة. أما اليوم، حيث لا أحلام كبيرة ولا مقاومة أو كفاح، ولا وعد بالكفاح والمقاومة، فقد صار منفى. والأقسى أنه صار محطة على دروب الرحيل نحو عوالم مترامية ومتباعدة. الآن حقاً يفقد هذا المكان فرادته، ويختفي فيه ذلك الميراث الإنساني الذي شكل شعلة النار المقدسة والهادية طوال نحو خمس وثلاثين سنة. إنه، بهذا المعنى، يكاد يندثر في هذه الأيام.