| 

أعمى الغضب الدولي على المجزرة البحرية ضد أسطول الحرية أبصار الإسرائيليين الذين حاولوا تفجير حقدهم في المواطنين العرب من الفلسطينيين الباقين على أرضهم في مناطق 48. وصرخت عضو الكنيست الليكودية ميري ريغف ضد عضو الكنيست العربية حنين الزعبي التي كانت على متن أسطول الحرية وقت المجزرة: «إذهبي إلى غزة يا خائنة!». كما أن متظاهرين يهوداً مؤيدين للعملية العسكرية ضد نشطاء السلام حاولوا الاعتداء على مراسل عربي يحمل الجنسية الإسرائيلية لإحدى الفضائيات العربية وصرخوا ضده بأن عد إلى «صحراء العرب».
ومثل هذه الهتافات العنصرية معهودة وقديمة ولكنها باتت أكثر حدة. ففي الكنيست يرد أعضاء الكنيست العرب على هذه الهتافات بأنهم «أبناء البلد» وعلى المهاجرين من روسيا وسواها العودة إليها. وقرب ميناء أسدود, البلدة العربية, التي غدت غيتو روسياً بامتياز رد المراسل العربي على جمهرة الغاضبين: عائلتي هنا منذ 600 عام, منذ متى عائلاتكم هنا؟
والواقع أن المجتمع الإسرائيلي يقفز عن كل المعطيات ويحاول أن يتعاطى مع الأقلية العربية الباقية على أرضها بوصفها عنصراً شاذاً وغريباً. وكثيراً ما أوحى للعرب بأن بقاءهم على أرضهم ليس حقاً بل منة من الدولة اليهودية التي سمحت لهم بالبقاء ولم تطردهم كإخوانهم الذين باتوا لاجئين في الضفة والقطاع أو في الشتات الفلسطيني.
وعلى الدوام لعب «قانون العودة» الإسرائيلي دوراً مركزياً في تهيئة الأرضية الفكرية والقانونية للتضييق على الفلسطينيين الباقين على أرضهم في الدولة العبرية وإبقائهم كمواطنين درجة ثانية. ويشكل قانون العودة الآلية النقيضة لحق العودة الفلسطيني الذي كفلته القوانين والقرارات الدولية.
فقانون العودة الذي سنته الكنيست العام 1950 لينظم الهجرة الفردية والجماعية رسمياً بعد أن كان الأمر حكراً على الحركات الصهيونية ينطلق من فكرة أساسية وهي أن إسرائيل «دولة الشعب اليهودي» في كل أرجاء العالم. وبالتالي فإن بوسع كل يهودي نيل الجنسية الإسرائيلية فور وصوله لإسرائيل إذا كان قد رتب هذا الوصول وفق قانون العودة. وأعطى القانون لوزير الداخلية صلاحية الحرمان من هذا الحق لمن يمكن أن يضر بأمن إسرائيل وسلامة سكانها.
ومنذ البداية دار الخلاف حول ماهية اليهودي المخول بممارسة هذا الحق, في ضوء الاختلافات القائمة بين التيارات الدينية اليهودية وكذلك الاختلاف بين حاجات الصهيونية والتعريف الديني. وقد حلّ بن غوريون في حينه هذا الخلاف بالصيغة التي عرفت بـ«الأمر الواقع» وهي التي تحدد العلاقة بين الدين والدولة. ومن الجائز أن أحد أبرز من حاولوا الدفاع عن تلك الصيغة كان شمعون بيريز في الكنيست 1985 حينما أكد أثناء نقاش لتعديل قانون العودة على أن هذا القانون «صهيوني بطبيعته أكثر منه قانوناً دينياً». ورفض بذلك محاولة تعريف اليهودي وفق «الهالخاه» (الشريعة اليهودية) التي تحصر اليهودية بمن ولد لأم يهودية أو تهود وفق المذهب الأرثوذكسي.
ومن الطبيعي أن الإصرار على سن «قانون العودة» عنى تأكيداً على عدة عناصر في الوقت ذاته: الإقرار من دون نقاش أن فلسطين وطن قومي ليهود العالم يعودون إليه ليس فقط بفعل وعد إلهي وإنما بموجب حق قانوني. كما أن هذا القانون وفّر الأساس الحقوقي للتمييز ضد الفلسطينيين الباقين على أرضهم، لأنه أصرّ على أن هذه دولـــة اليهود في العالم بمن فيهم من لا يريدون الهجرة لإسرائيل. وعكس هذا القانون نفسه في كل أسس القوانين التي تميّز ضد العرب حيـــث تشير تلك القوانين صراحة إلى حقوق من عـــادوا بفـــعل «قانون العودة» حيناً أو سبق لهم أن أدّوا «الخدمة العسكرية» حيناً آخر.
ويمكن القول إن «قانون العودة» والقانون الذي ينظم علاقة «الكيرن كييمت» بـ«دائرة أراضي إسرائيل» وهما الجهتان المتحكمتان بالأراضي العامة في الدولة العبرية يوفران أغلب أسس التمييز ضد الفلسطينيين الباقين على أرضهم. وقد منحت الدولة الصهيونية لـ«كيرن كييمت» نوعاً من احتكار أغلب الأراضي العامة. وهي التي كانت ملكا للفلسطينيين لإعفاء الحكومة من الاضطرار لتوفير أراض للعرب. فالـ«كيرن كييمت» خاصة باليهود وأراضيها تخدم اليهود. وبالنتيجة فإن مدينة تاريخية مثل الناصرة تأوي حوالى 80 ألفاً من العمر لا تملك من الأراضي سوى 17 ألف دونم فيما أن «الناصرة العليا» التي أقيمت لليهود على أراضي الناصرة التاريخية وتأوي حوالى عشرة آلاف نسمة تملك أرضاً تزيد مساحتها عن 70 ألف دونم.
والواقع أن «قانون العودة» الإسرائيلي هو أبرز تجسيد لمعادلة التكريس/التبديد التي تحكم العلاقة العربية الإسرائيلية. فكل تكريس لزعم يهودي في أرض فلسطين أو عليها هو بالتأكيد تبديد لحق فلسطيني والعكس صحيح. وهذا يفسر ذلك الرفض الإسرائيلي المطلق والجامع لحق العودة الفلسطيني. وقد سبق لأرييل شارون أن برر قراره بالانفصال عن غزة وتفكيك المستوطنات فيها بالفشل في توطين عشرات إن لم يكن مئات الألوف من المستوطنين فيها. كما أن مشروع منع قيام دولة فلسطينية دفع شارون, وهو وزير للدفاع, لدعوة المستوطنين لاحتلال كل رابية وتلة في الضفة الغربية والاستيطان فيها. فالحضور اليهودي في مكان يعني واقعياً الغياب العربي أو الفلسطيني عن هذا المكان.
والتجربة التي عاشها الفلسطينيون في مناطق 48 أكبر دليل على ذلك. فهم, ورغم امتلاكهم الجنسية الإسرائيلية, يعانون من اعتبارهم رسمياً «قنبلة ديمغرافية» وفعلياً من اتهامهم بأنهم «طابور خامس». ولهذا تجري بشكل منظم عليهم عملية اضطهاد منظم تجد تعابير لها في العديد من الأوجه، أبرزها الإهمال والتهميش من ناحية والاستهداف من ناحية أخرى. ورغم أن الفلسطينيين الباقين على أرضهم يمثلون حوالى 20 في المئة من سكان الدولة العبرية إلا أنهم على سبيل المثال لا يحتلون سوى 2 في المئة فقط من الوظائف الرسمية. وإذا كانت الممارسات القمعية ملحوظة بشكل وافر في إخضاعهم الدائم للرقابة الأمنية واحتلال جهاز الأمن العام «الشاباك» مكانة مركزية في التوظيف حتى في الجهاز التعليمي أو في سدنة المساجد فإن أوامر من وزير الداخلية, وبغطاء قانوني, باتت تمنع فلسطينيي 48 من الزواج من فلسطينيين من الضفة والقطاع.
الحاضر الغائب
ولكن كل معادلة العلاقة بين العرب واليهود في الدولة العبرية تجد تجلياتها في ما اشتهر على تسميته بـ«قانون الحاضر الغائب», و«القرى غير المعترف بها». فقانون الحاضر الغائب يتعلق بحوالى مئتي ألف فلسطيني يحملون الجنسية الإسرائيلية و«حاضرون» فعلياً فإنهم غائبون رسمياً. ولا يمكن فهم هذه المفارقة إلا إذا عرفنا أن إسرائيل سنت قانوناً يعرف بـ«قانون أملاك الغائبين» ينظم عبر «وصي على أملاك الغائبين» علاقة الدولة العبرية مع أملاك الفلسطينيين الذين طردوا من أرضهم وباتوا لاجئين خارج حدود هذه الدولة. ولكن إلى جانب من صاروا «غائبين» في الضفة والقطاع والدول العربية ودول الشتات بقي «لاجئون» في وطنهم، وإن لم يكن بالضبط على أرضهم. واعتبر القانون هؤلاء الناس «غائبين» حتى لا يتمكنوا «قانوناً» من ممارسة حقهم في امتلاك أرضهم وإدارتها. إذ لا يمكن سلب هؤلاء حقهم في أرضهم وأملاكهم من دون اعتبارهم «غائبين». وهكذا باتوا غائبين لا يحق لهم التمتع بحقوقهم على أرضهم وإن كانوا يتمتعون بحقوق مدنية أخرى كالمشاركة في الانتخابات. ويحظر القانون على «الغائب الحاضر» محاولة استرداد ملكيته مهما حمل من أوراق واثباتات. وكثير من أراضي «الحاضرين الغائبين» تقع على مقربة من أماكن سكناهم، لكنها باتت ضمن مخططات هيكلية أو أراض زراعية لكيبوتسات أو موشافات زراعية يهودية.
وفضلا عن ذلك هناك القرى غير المعترف بها وهي قرى قائمة غير أن عدم الاعتراف بها كان يعني عدم شق طرق إليها وعدم وضعها على الخارطة والأهم عدم تقديم الخدمات البلدية أو الاجتماعية لها. فانعدمت في هذه القرى المدارس وخطوط الكهرباء والمياه وخطوط المواصلات العامة. وفي الماضي تشكلت لجنة للدفاع عن حقوق أربعين قرية كهذه غير معترف بها. ومع الوقت تمّ الاعتراف ببعض هذه القرى إلا أن المشكلة تعمقت أساساً في القرى البدوية في النقب. وبديهي أن الغرض الأسـاس من عدم الاعتراف بالقرى هذه هو الطمع من جهة بأراضيها وعدم إفساح المجال لأهلها لتطوير أنفسهم على أرضهم والاضطرار للرحيل للسكن في قرى أخرى توجد فيها الخدمات الصحية والبلدية والتعليمية.