| 

اليوم الأخير الذي عشته في بيتي في القدس كان اليوم السادس والعشرين من نيسان، سنة 1948. كان الوالد قد اتخذ القرار أخيراً بسفرنا إلى لبنان لزيارة الأهل وقضاء فترة ريثما تهدأ الأحوال، ولم يكن توفر المواصلات سهلاً بسبب ندرة البنزين، وكان أخي خلدون قد غادر البيت باكراً بحثاً عن سيارة تقلنا إلى عمّان، وبقينا نحن ـ أبي وأمي وأخواتي وأنا والحقائب ـ في الانتظار.
عاد أخي وهو يقول: «السيارة عند الباب». سأله والدي: «هل تأكدت من السائق أن لديه ما يكفي من البنزين»؟ «نعم». «وهل قلت له بأنني عائد معه إلى القدس من عمّان». «نعم».
وهكذا.. بكل بساطة غادرنا. وكان كثير من الجيران قد غادروا قبلنا، وهم يتعجبون كيف نبقى في القدس ولنا في لبنان أهل وبيت. أذكر جارتنا «ست زكية» وهي تبكي بكاء مراً وتقول لأمي: «سأبقى وحيدة يا خالتي أم خلدون، سأبقى وحيدة»، وأمي تؤكد لها بأنها «بضعة أسابيع ونعود».
أعترف اليوم بأنني كنت سعيدة في ذلك اليوم، وأكاد لا أصدق بأن حلمي برؤية جبال لبنان الخضراء سوف يتحقق. أنا من صغار الأسرة الذين ما كانوا قد زاروا الموطن الأول بعد بسبب الحرب العالمية وما تلاها.
لم أتعجب من خلو الشوارع تقريباً من السيارات والبشر، لكن ما أثار قلقي أننا عندما مررنا بالقرب من مقبرة مأمن الله (ماميلا) رأيت أمي وأبي يتبادلان النظرات الحزينة، ورأيت الدموع تنهمر من عيني أمي. لماذا تبكي أمي؟ كنت أعرف أن ضريح أختي الحبيبة مها في ذلك المكان، وكم كنت أتألم عندما كانوا يرفضون أخذي معهم لزيارتها قائلين لي في كل مرة بأنهم سوف يأخذونني عندما أكبر. كنت أتمنى أن أزور ضريحها ولو مرة، فأنا أحبها ولا أعرفها، كانت تكبرني عمراً وقد اختارها الله إلى جواره وهي في الثالثة. هل حقا أننا قد لا نعود كما قالت الست زكية؟ لا.. مستحيل. لا.. ممكن. إذاً لماذا تبكي أمي وكأنها تمر بضريح مها للمرة الأخيرة؟
أعوام مرت قبل أن أعترف لأمي بمخاوفي في تلك اللحظات، لكنها لحظات ومرت. ولا تقاس مخاوفها بمخاوف الأعوام التي تلتها، بل العمر الذي تلاها.
ما كان والدي ليتحدث كثيراً عن الأيام التي عاشها في القدس قبل سقوطها، وكذلك أخي خلدون، وهو من أوصلنا من عمّان إلى دمشق، وبعد أربعة أيام قضيناها في ضيافة الخالة أنيسة أوصلنا إلى رأس المتن في لبنان، مسقط رأس والدي، ثم عاد إلى القدس في صباح اليوم التالي. ما عرفته عن أيامهما الأخيرة تلك، عرفته على مدى العمر. كان كل منهما لا يتكلم إلا رداً على سؤال. جزء من مأساة ضياع الوطن.. إننا نعتقد أننا نتكلم كثيراً عن ضياعه، غير أن العمر يمضي قبل أن نكتشف أن ما لم نتكلم عنه أكثر بكثير مما ذكرناه أو تذكّرناه.
المرة الأولى التي استمعت فيها إلى من يتحدث أمامي بإسهاب عن مصير بيتي في القدس كانت في أوائل الخمسينيات، وكنا قد غادرنا لبنان لنقيم في عمّان، حيث استقر والدي. اقترب عيد الميلاد، وكانت مفاجأة يوم أذنت إسرائيل للفلسطينيين بزيارة أقربائهم في الأردن، مشترطة عليهم بأن يقضوا سحابة يوم العيد فقط، ثم يعودوا من بوابة مندلبوم قبل انقضاء النهار. كلنا انتظرنا على أحر من الجمر زيارة الست إميلي والست إدما، وهما شقيقتان وجارتان لنا في البقعة الفوقا، إذ توقعنا أن تقوما بزيارة أخت ثالثة لهما في عمّان، ومن ثم تأتيان لزيارتنا. وكان قرع على بوابة الحديقة في الثالثة بعد الظهر، فهرعنا جميعنا لنفتح البوابة.
قالت الست إميلي بأنهم ـ أي الإسرائيليون ـ ما تمكنوا من فتح باب بيتنا أول مرة (كان الباب من حديد صلب يصعب جداً قهره ويقع في منتصف الدرج الطويل المفضي إلى الدور الثاني). غير أنهم سرعان ما جاؤوا بسلالم عالية فتسلقوها حتى وصلوا إلى الشرفة الكبيرة وتمكنوا من فتح بابها. وقد أعربت الست إميلي عن الدهشة التي أصابتها من إصرارهم على الدخول هكذا، فهم لن يستطيعوا سكنى البيت بواسطة السلالم المؤقتة، لكنها عادت لتقول بأن السبب اتضح سريعاً حين توقفت أمام المنزل شاحنة كبيرة فارغة، وشاهدت عدداً كبيراً من الشباب يعاونون بعضهم بعضاً، منهم من يقذف بالكتب من الشرفة إلى الحديقة، ومنهم من يجمعها، ومنهم من يوصلها إلى الشاحنة حيث يتولى آخرون تكديسها فوق بعضها البعض. ولم يتعبوا. استمروا هكذا لساعات عدة حتى تمكنوا من السطو على المكتبة كاملة. وقد علمت السيدة اميلي فيما بعد، من السكان اليهود الذين احتلوا البيت بأنهم وجدوا خزانات الكتب كلها فارغة.
طوال الحديث لم ينبس والدي بكلمة واحدة. سؤال واحد وجهه في النهاية للست إميلي: طمئنيني عنكم، وعمّن تبقّى من الجيران؟
كانت السنوات تمضي.. ومكتبة والدي الجديدة في عمّان تكبر، حتى بت أتجرأ على سؤاله عن هذا الكتاب أو ذاك، إلى أن رأيته مرة يكاد لا يستطيع الإجابة وهو يقول بصوت منخفض وألم: «كان عندي في مكتبتي في القدس». ولما قالها للمرة الثانية ما عدت أجرؤ على سؤاله عن أي كتاب، كنت أنتظر خروجه من البيت حتى أبحث بمفردي..
بعد أكثر من نصف قرن على حديث الست إميلي، قرأت مقالاً عن مصير المكتبات الخاصة في القدس الغربية بالذات، للكاتب الإسرائيلي غيش عميت (مجلة Jerusalem Quarterly ، العدد 33، 2008، 7ـ 20)، وعنوانه: «أشياء لا مالكين لها؟ حكاية الكتب التي خلفها الفلسطينيون وراءهم سنة 1948». وفي نهاية المقال لائحة بأسماء مكتبات في أحياء البقعة والقطمون والطالبية والمصرارة وغيرها.. وعلى رأس اللائحة «مكتبة عجاج نوبهض ـ البقعة». عجبت حقاً من الكاتب الذي حاول جاهداً أن يظهر بمظهر الباحث عن الحقيقة، غير أنه نقل من غير تعليق ما ورد في تقرير «المكتبة الوطنية» عن الفترة ما بين كانون الثاني 1948 وحزيران 1949: «الكتب الفلسطينية لم يكن لها مالكون بالأصل. الكتب وُجدت ببساطة، مبعثرة تحت رحمة من يمر بها، حيث كان ممكناً أن يتعثر المار في الشارع بمجموعة من الكتب مجهولة المصدر»، وفي أكثر من مكان يشيد الكاتب بالجيش الإسرائيلي الذي بذل الجهود «المضنية» لجمع الكتب!!
أين هذا التجني الفاضح من الواقع؟ جميع أصحاب المكتبات المذكورة أسماؤهم لا يمكن تصور مشهد كتبهم ملقاة في الشوارع. وأين هذه الترهات من رواية الست إميلي التي شاهدت بعينيها كيف تمت سرقة مكتبتنا بتخطيط مسبق واقتحام علني للمنزل في وضح النهار؟ ثم إن والدي لم يترك مكتبته وراءه كما قال التقرير، وهو من الذين لم يغادروا القدس أصلاً، والحكاية معروفة.
ومن المكتبة إلى البيت.
كان بيتنا في حي البقعة الفوقا، في شارعها الرئيسي مقابل سكة الحديد، وكنا من شرفة بيتنا نشاهد جزءا من الشارع التجاري الكبير الذي تتباهى به جارتنا البقعة التحتا، وكذلك كنا نشاهد أمامنا حي القطمون المرتفع على هضبة، والذي كان من الأحياء الجديدة، ومعظم ساكنيه يبتني الفيلات الأنيقة. أما حينا فكانت بيوته قديمة الطراز، يعلوها القرميد ذو اللون الأحمر الباهت قليلا، وعلى النسق الألماني إجمالاً، وكانت الكولونية الألمانية من أقرب الأمكنة إلى بيتنا، كذلك كانت محطة سكة الحديد.
لو سئلت ما أكثر ما كان شارعنا الطويل يتميز به لقلت من دون تردد إنها أشجار الكينا الباسقة، والتي منها تعلمت الكبرياء مع الخشوع لله. أما الهدوء فكان شاملاً، حتى السيارات كانت لا تمرّ في شارعنا إلا قاصدة منزلاً معيناً، ونادرا ما تملك أحد السكان سيارة خاصة.
أذكر بأننا كنا نشعر بأننا سعداء جداً لأننا في القدس، المدينة التاريخية العظيمة، ليس فقط لأننا هكذا تعلمنا في البيت والمدرسة، بل لما كنا نشاهده بعيوننا في المدينة العتيقة وأيدي الكبار تمسك بأيدينا خوفاً من أن نضيع في الزحام، كنا نشاهد أقصاها وقيامتها والدرج الطويل الذي مشى عليه السيد المسيح، وكذلك كان إعجابنا كبيراً بأبوابها وقبابها وأزقتها، حيث في كل زاوية هناك تاريخ.. غير أننا كنا نحبّ أيضاً شارعنا الذي لا عبق للتاريخ فيه، وكانت سعادتنا تتضاعف مع شعورنا بأن شارعنا لنا وحدنا، وكأن القدس قدسان، قدس للجميع وقدس لنا نحن وحدنا ـ نحن الصغار ـ حيث كنا في شارعنا نلعب الغمّيضة، ونركض وراء العجلة (الدحديله) بلا رقيب، وكنا نركب الطائرات الورقية، ونحسد بنات الحي المجاور في سهل البقعة الفوقا ـ السهل الواقع خلف بيوتنا ـ فطائراتهن كانت ترتفع أكثر من طائراتنا. لكن.. يا لغبائنا، هن كن يتمتعن باللعب في سهل واسع وكأنّ لا حدود له، ونحن يحد شارعنا سكة الحديد من جهة، وتحاصرنا من الجهة الأخرى أصوات الكبار بألا نقترب من السكة.
حقيقةً.. لم نكن نبالي، كان القطار صديقاً حميماً لنا، نسعد بصفيره، ويدهشنا جبروته، وكأننا في كل مرة يمر فيها نراه أول مرة. ومن شدة التعب من اللعب كنا نأوي إلى بيوتنا حتى قبل المغيب أحياناً. ولا أنسى كم كنت أشعر داخل البيت بأمان عجيب لا أدري اليوم سبباً له، خاصة أن الأحداث كانت تتفاقم في الأشهر الأخيرة. لكن ما مر يوم خطر لنا فيه أن يكون ذاك العام هو عامنا الأخير في القدس.
هل أسمح لنفسي بالعودة بالذاكرة إلى بيتي؟ ولو قليلا؟
كان البيت متسع الأرجاء، فيه سبع غرف وليوان كبير كنا نقضي فيه كعائلة معظم الأوقات. في إحدى زوايا الليوان كان يقبع الراديو/المذياع، ونحن حوله نتحلق لنستمع إلى الأخبار، وكثيراً ما كانت أختي الكبرى «نورا» تطلب منا بحزم أن نسكت كي تستمع إلى عبد الوهاب. أمّا قرب المدخل فكان هناك التليفون الثابت المكان ورقمه (4702)، كان يسعدني أن أكون أول من يرد على التليفون لأسجل لوالدي أسماء أصدقائه وأصحاب الدعاوى منذ عاد إلى المحاماة. وكان لليوان باب واسع يأخذنا إلى الشرفة العابقة صيفاً بالريحان والفل والياسمين الذي لا يخلو منه بيت في القدس، أما ملك الأزهار على شرفتنا فكان عرف الديك المخملي الخمري.
كنّا نسكن الدور الثاني، ويسكن الدور الأول جارنا الأستاذ العلامة باللغة العربية، عادل جبر، ولا أنسى الليالي الطوال وهو في الصالون مع والدي يتناقشان في مسألة تاريخية أو فقهية أو لغوية، ويناديني والدي كي آتيهما بكتاب ما. كانت تلك من أسعد اللحظات لديّ، فأنا مؤتمنة على مكتبته، وكنت أعرف مكان الكتب، ولا أذكر أن والدي قال لي مرة: «لا تقربي هذا الرف»، أو «أن هذا الكتاب ممنوع». فالكتاب عنده توأم الحرية.
كنت أدرك أن بيتنا لم يكن من البيوت الثرية ذات الأثاث الفاخر، وكنت أسخر ممن يعتقدون بأهمية المظاهر. كنت أحبّ في بيتنا الكتب موزعة في كل ركن، وليس في غرفة والدي وحدها حيث كانت هناك سبع خزائن على طراز واحد، كان لكل منا له مكتبته الخاصة، حتى أختي الصغرى جنان كانت لها رفوفها العامرة بكتب الأطفال. وكان والدي مغرماً أيضاً باللوحات الفنية، ولا أدري من أين ابتاع لوحة زيتية للقائد خالد بن الوليد، فعلقتها أمي في صدر البيت. ولا أنسى ثلاثة أشياء أحببتها جداً في بيتنا: تلك اللوحة، وتلك المكتبة، وذلك الهدوء النفساني على الرغم من الاضطرابات في الخارج، فداخل البيت كان هناك الأمان. وكان هناك حلمي بأن أكبر وأدرس الحقوق كما درس والدي!
أذكر يوماً ليس ببعيد سألني فيه أحدهم من غير مقدمات، وكأني به كان يعرف الجواب: «بالتأكيد كان بيتكم في القدس ملكاً لكم. أليس كذلك»؟ وأجبت ببساطة: «لا. كان بالإيجار». وهنا علت الدهشة المصطنعة وجهه: «اذا، اسمحي لي بأن أقول لك بأنه من المستحيل على امرئ لم يكن صاحب ملك أن يشعر بما أشعر به أنا مثلا. أنا بيتي وبساتين الزيتون التي كنا نمتلكها أغلى عندي من الدنيا كلها. قولي لي بصراحة يا أختاه: أنت هل تملكين غير الذكريات»؟
ليس يعنيني الآن كيف أوقفت الحوار مع إنسان كهذا، بل جل ما يعنيني هو السؤال الذي يقض مضجع شعب بأسره، ألا وهو السؤال عن العودة. هناك من يعتقد بأن العودة ما هي إلا مجرد العودة إلى البيت أو البيارة أو البستان المتوارث أبا عن جد، فكيف ستكون هذه العودة «إذا» وقد غيرت إسرائيل من معالم فلسطين كلها؟ دمرت قرى بأكملها، ومحت أسماء مدن، وهدمت ما تشاء من شوارع وأبنية، واحتلت داخل البيوت قبل البيوت، فكيف ستكون هذه العودة؟
أنا أعجب من مجرد السؤال. وأطرح سؤالاً بدوري: نحن متى غادرنا بلادنا حقاً كي نعود إليها؟ ألا تعيش بلادنا في حنايانا ليل نهار؟ أليست هي معنا؟ ومن قال بأن الوطن ليس إلا بيتاً وحجارة وصك ملكية؟ مثل هذا الصك أو السند يسمى ـ بالمناسبة ـ في فلسطين بـ«الكوشان».
أما الواقع فهو أن هناك كثيرين ما زاروا فلسطين مرة، غير أنهم يحبونها ألف مرة أكثر من محدّثي ذاك.
سألت أخي يوماً بأنه لو استطاع الوصول إلى بيتنا في القدس، ولو كان البيت ما زال كما كان، ولو كان له الحق بأن يأتي معه بشيء واحد، فبماذا يأتي؟ كان جوابه حاضراً: «ألبومات الصور». وسألت والدي يوماً السؤال نفسه، فأجاب بحسرة: «أعود بمراسلاتي مع أصدقائي». وسألته: «وإن لم تتمكن من حملها كلها»؟ أجابني: «أبدأ برسائل الأمير شكيب أرسلان».
أما لو طرحت السؤال على نفسي، فأقول بأنني أعود ومعي لوحة خالد بن الوليد، وأعترف بأن ليس لي من أمنية سوى أن أزور بيتي مرة، ولو في ظل الاحتلال. أعرف أن حديقتنا تغيرت، ماتت فيها أشجار المشمش والرمان والبيلسان، وابتلعت الأرض زهرات كأس القاضي وأوراقها الخضراء التي كانت تعربش على الجدران وتمتد على كل ذرة من تراب الحديقة. وقد شاهدت أخيراً كيف اقتُطع جزء من الحديقة كي يتحول إلى موقف للسيارات على الشارع، كذلك شاهدت من خلال الصور والفيديو الذي صوره لي صديق دبلوماسي ألماني، سنة 1996، أن بيتي أصبح له رقم، وهو الرقم 19 في «رحوف هاركيفيت»، أي «شارع القطار».
ربما ذاك كله مجرد حنين. غير أن الحنين ليس من المحرمات. وزيارة الإنسان لبيته ليست من المحرمات.. ويبقى السؤال:
ما هو البيت؟ وما يعنيه؟
البيت هو الوطن. وعندما تكون فلسطين هي الوطن، لا تغدو وطناً لأهلها فقط، بل لجميع أحبائها وجميع المؤمنين بتاريخها وحضارتها وتراثها وأقصاها وقيامتها.