| 

يشكل الشعب الفلسطيني دياسبورا (شتات) حول العالم، وفي بلدان عربية متعددة، وحتى في أرض فلسطين والأردن. هم لاجئون في وطنهم. يعيشون على الأمل. الأمل هو وطنهم الحقيقي. يعتقدون ان الأمل يحقق العودة. ما تنازلوا عن حق العودة الى فلسطين. ما زالوا يحلمون بالعودة الى أرض فلسطين. ما زالوا يعتبرون فلسطين وطنهم. هم يشكلون شعباً محوره الأمل بالعودة الى الوطن الفلسطيني.
ما تنازلوا ولا تخلوا عن حق العودة. العودة هي حقيقة وجودهم. يمكن ان تكون هناك حقائق أخرى أساسية في وجودهم. لكن حقيقة العودة هي ما يقرر كل حقائق الوجود الأخرى لدى الفلسطينيين. لكل فرد منا هويات متعددة، في كل مرحلة تتقدم هوية على أخريات، وتكون لها الأولوية الأولى. الهوية الفلسطينية، التي انبنت على حق العودة، ذات أولوية على كل الهويات الأخرى لدى كل فلسطيني.
يقول أحد كبار الباحثين في الهجرات على مدى الكرة الأرضية وعبر التاريخ الإنساني إن الأوطان تحدد نفسها بالموطن الحالي، وان الدياسبورات (الشتات) تحدد نفسها بالموطن السابق. تختلف قضية فلسطين عما عداها في العالم من قضايا. ما يميز قضية فلسطين هو أن الدياسبورا الفلسطينية، سواء كانت محلية أم إقليمية عربية أم دولية، تحدد نفسها بالمستقبل، بوطن المستقبل. بالعودة الى الوطن في المستقبل. هناك أهوال تفصل بين الواقع الراهن وبين هذه العودة. لكن العودة تشكّل الأمل. يشكّل هذا الأمل الواقع الاساس، المعنى الحقيقي. في الحياة الفلسطينية هو ما يعطي الحياة الفلسطينية المعنى والمغزى.
أنشأت الوطن الفلسطيني دولة انتدابية بفضل اتفاقية سايكس بيكو، إبان الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت نفسه كانت قد تأسست الوكالة اليهودية التي عملت خلال عهد الانتداب من خلال خطة مبرمجة محكمة لإخلاء المدن والقرى الفلسطينية من سكانها بالعنف والإكراه والمذابح فانتشر هذا الشعب داخل أرضه وفي الأقطار العربية، في المخيمات، وفي العالم تحت ظروف شتى. ثم أعلنت دولة اسرائيل عام 1948. عندها فقد الشعب الفلسطيني أرضه بعد نضالات عديدة مريرة طويلة ضد قيام هذه الدولة. خسر أرض فلسطين، حتى الذين بقوا منهم على أرضها، خسروا الوطن الأصيل برغم ان البعض منهم بقي داخل الوطن الأصيل الذي كان في ظل الاحتلال الاسرائيلي أشبه بالسجن الكبير. خسر الشعب الفلسطيني الوطن الأصيل. فتّش عن الوطن البديل. لم يجده إلا في المخيمات. عاملهم الذين استضافوهم من الشعوب العربية، برفق حيناً وبشدة أحياناً. ولكنهم ما شعروا إلا أنهم غرباء.
حياتهم في المخيمات دمغت حياة الذين عاشوا منهم خارج المخيمات. وحتى الذين نالوا شهادات جامعية وعملوا في الحرف المهنية العالية، ما شعروا إلا أنهم غرباء. تقصَّدت الأنظمة العربية في عصر الانتداب والاستقلال لاحقاً إشعارهم أنهم غرباء. لقد أُعيدت صياغة العرب في شعوب. والشعوب مستقلة ذات هوية. ومن مقومات الشعوب ذات الهوية ان تتعصّب ضد من عداها حتى ولو كان عربياً. هُجّر الفلسطينيون، من فلسطين، حسب خطة محكمة بالإكراه والقسر والمذابح. ثم استقبلوا كلاجئين في أراض عربية. وكان القصد من كونهم لاجئين أن يبقوا غرباء، وأن يبقى الشتات أسلوب حياتهم. بعض الشعوب تندثر في الشتات، أما الشعب الفلسطيني فقد تشكّل وأعيد تشكيله مرات عديدة في الشتات. وصولاً الى تشكيل حركة سياسية تعبّر عنه، ولو من دون وطن حقيقي. وطنهم الحقيقي بقي المستقبل. الأمل بالمستقبل.
خسر الفلسطينيون موطن الأصل بواسطة التهجير (بالإكراه والقوة أي سياسة التطهير العرقي). حاولوا لفترة الاستعاضة عنه بوطن بديل. أدى ذلك الى اقتتال سياسي. والاحتكاك السياسي أدى الى العنف، مما قاد الى طرد حركتهم من الأردن الى لبنان في بداية السبعينيات. كان الوضع في لبنان في ذلك الحين ملتهباً بين الطوائف والطبقات. كانت الانقسامات السياسية أعمق. والانقسامات الاجتماعية والمطالب الناتجة عنها أكثر عمقاً. اضاف لجوء بعض الفلسطينيين الى لبنان الى وضعه المتفجر. اندمجوا او تعاونوا مع الحركة الوطنية. ظنّوا النضال السياسي والعسكري في لبنان وطناً بديلاً. مارسوا السلطة على جزء من الأرض اللبنانية، لدى جناح من جناحي الحرب الأهلية. انتهى الوطن البديل بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. أُخرج مقاتلون، حاول بعضهم العودة من دون طائل. ما عادوا، ما عادت القيادة ومن معها إلا الى فلسطين أرض العودة. بعد اتفاق أوسلو، على سيئاته، خسروا أيضاً الوطن البديل. أحس الذين منهم عادوا الى فلسطين بعد اتفاق اوسلو أنهم لم يعودوا الى الوطن المأمول، بل عادوا الى سجن كبير. يعرف الجميع كيف ولماذا قُتل الجنرال رابين، وهو الذي كان وقّع اتفاق اوسلو. ثم جاء بيريز الى رئاسة الوزارة، ثم جاء نتنياهو، وكان مشروع clean break ، الذي كتبه له صهاينة أميركيون، يهدف الى القطيعة مع اتفاق اوسلو. حتى اتفاق أوسلو لم يكن يرضي الصهاينة. ثم تتالت الهجومات والمذابح ضد الفلسطيني، وهي ما تزال مستمرة. والواضح كما قال أحد كبار المؤرخين الصهاينة قبل تركه اسرائيل للتدريس في بريطانيا إن هدف اسرائيل الحقيقي هو الترانسفير من الضفة الغربية، والإبادة الجماعية في غزة.
لم يبقَ للفلسطينيين إلا حق العودة. لم يبقَ لهم إلا الأمل بالمستقبل. على ما في ذلك من مخاطر وأهوال. يتمسك الفلسطيني بالعودة لأنها هي ما يعطي حياته المعنى والمغزى. حياته من دون هذا الأمل خواء. هو مهمّش أينما عاش في أية بقعة من بقاع الأرض. لا معنى لحياته إلا إذا تمسّك بحق العودة الذي تحاول اسرائيل تجريده منه ونزعه من وعيه والتأكيد على نفيه، وفي جميع الاتفاقات المعقودة او التي سوف تعقد.
هناك تناقض بين الشتات وحق العودة. في الشتات ابتعاد وتفرّق. وفي العودة تجمّع وتوحّد. يتعرض الفلسطيني للتناقض داخل ذاته، فهو مضطر الى الذهاب في الشتات من أجل حياة أفضل، وهو مضطر لأسباب تتعلق بالهوية الى التمسك بحق العودة واعتبارها حقيقة وجوده. هي حقيقة افتراضية، ما لم تتحقق. لكنها حقيقة تقرر وجوده بشكل أو بآخر. ما يساعده على ذلك هو العائلة واللغة. العائلة أصغر من شعب وأكبر من فرد. هي الحميم المحيط بالفرد في بلد الغربة. ليس لديه علاقة حميمة إلا مع عائلته القريبة. أما اللغة فهي عربية شاملة أكثر من فلسطينية. تذكره اللغة أن فلسطينيته مسألة عابرة. وأنه حالما يتكون في شعب فلسطيني، فإنه سيندمج في عروبةٍ ما، إذا تحققت، وأنه سيفقد وجوده كشعب مستقل رغم النضالات المريرة في سبيل أن يتشكّل كشعب.
لا يعيش أحد (من العرب والبشر الآخرين) تناقضات الشعب الفلسطيني في الشتات، ولا مأساوية هذه الحياة بكل ما تتعرض له من قيود حتى في الدول العربية المجاورة. تتخذ القضية الفلسطينية خصوصيتها من هذه التناقضات الذاتية التي يعاني منها كل فلسطيني على أرض الوطن السليب أو في الشتات الهادف الى العودة. هي حياة مستلبة بالكامل.
ربما خرج من هذه التناقضات العميقة أفكار وتجارب تضيء الدرب للشعب الفلسطيني وتضيء الدرب للأمة العربية. ربما اكتسب الفلسطينيون من تجربة الشتات ما يقدم إضافات عملية ونظرية للوعي العربي المشتت. ألا يعيش العرب وعياً مشتتاً؟ ألا يعيش بقية العرب في شتات الوعي وهم يقيمون في أرضهم؟