| 

في البدء كان التشتيت. كان لا بد من طمس الهوية الجامعة وتمزيق أواصر القربى والامتداد الطبيعي للتاريخ وارتباط الناس بأرضهم. تم تشطير المشرق العربي الخارج من ركام الخلافة التي انتهت إمبراطورية عثمانية إلى كيانات سياسية مناقضة للجغرافيا الإنسانية تفتقر إلى علة الوجود، فضلاً عن مقوماته.
تم إعداد المسرح مع انفجار الحرب العالمية الأولى لاستنبات «دول» على أرض لم يعرف أهلها «الدولة» بمعناها الحقيقي منذ قرون: كانت مِزقاً من «سلطنة» عظمى يمتنع عليها السقوط إلا بالتوقيت الاستعماري الدقيق (معاهدة سايكس ـ بيكو بين الوارثين البريطاني والفرنسي) تمهيداً للقرار الحاسم والمؤسس للدولة الغربية الوحيدة في هذه الأرض المضيعة هويتها: دولة الحركة الصهيونية باسم إسرائيل.
تم تمزيق الروابط بين من كانوا يعتبرون أنفسهم، بداهة، أبناء شعب واحد لتصير كل جهة «دولة»: لـ«الثورة العربية» التي يسرت ـ بوهج النسب الشريف ـ تنفيذ المشروع، «مملكة» في الشرق العراقي بنفطه ومائه، وفي الجنوب الشرقي «إمارة» صغيرة في بادية فسيحة تتسع لعرش مملكة ستستولد قيصرياً بعد حين لاستيعاب الفائض الفلسطيني عن «دولة إسرائيل»... وفي الغرب «متصرفية الطوائف» التي يمكن ان توفر التبرير بالسابقة... أما في ما تبقى من سوريا الطبيعية فأربع «دول» متوهمة سيكون على شعبها ان يقاتل لتوحيدها متجرعاً حسرة العجز عن حماية الحلم بشرعية الحق التاريخي.
غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار «الحلفاء» دقت الساعة للشروع في الاحتفال الدموي الفخم باستقدام «الدولة» التي تتجاوز الزمان عائدة من بطن الأسطورة بالطائرات الحربية والدبابات والوحدات العسكرية المدربة إلى أرض لم يحفظ أهلها هويتهم بها ولم يحموا وحدة أرضهم بثباتهم متحدين فيها جميعاً. كان الأشقاء في الخارج يصطرعون على «الحدود» فيتنافرون ويتباعدون ويغرقون في متاهات «السيادة» إلى حد التصادم منشغلين بتفاهاتهم عن مقدمات العاصفة التي ستخرجهم من التاريخ والجغرافيا معاً: أقيمت إسرائيل أمام عيونهم المفتوحة بالدهشة والخوف، بقوة السلاح. وتوزع الشعب الذي كان واحداً فشطروه خلف حدود رسمت على عجل، متفقداً أسباب قوته فلم يجد منها إلا بقايا أحلامه التي صارت أوهاماً تتضخم بعد كل هزيمة حتى كادت تغدو حقيقته الوحيدة.
اختارت الأنظمة حماية كياناتها. وكان على كل نظام ان يقدم من فلسطين ما يحفظ وجوده. وغالباً ما صارت إسرائيل ضمانة الكيان والنظام معاً.
ضربت رياح الكيانية أهل الأرض الواحدة فشتتت جمعهم. وضربت فلسطين ذاتها فنشأت مقاومتها وفيها مقاتل الكيانيات العربية جميعاً.
ها هم «العرب» وقد ضربهم التشتيت فوزعهم رهائن لأنظمة عاجزة وملتحقة بالأقوى... وها هي إسرائيل الأقوى فأين المفر؟! لا كياناتهم دول ولا شعوبهم المحقرة والمبعدة عن القرار تملك من الحرية ما تحفظ به هويتها.
وبين الكيانيات العربية عداوة تطغى، غالباً، على العداء لإسرائيل، بل هي تتلاقى معها في ظلال الراية الأميركية ذات النجوم الخمسين.
مع التشتت العربي صارت إسرائيل دولة عظمى ومن حولها تجمعات مستضعفة لقبائل وطوائف ومذاهب وعشائر مقتتلة خارج الزمان، بينما تتقدم إسرائيل لوراثة الإمبراطوريات جميعاً، وفي المكان والزمان معاً.
فلسطين في الشتات. تلك هي النتيجة.
أما التشتت العربي فهو السبب الذي لن يكف عن استيلاد المزيد من الهزائم.
وبين التشتت والشتات تضيع الأوطان وإن بقيت للدول التي استنبتت كبديل منها الأسماء المذهبة.
وفلسطين قد تغدو نموذجاً للمستقبل العربي إذا لم يحفظه أهله من التفتت أشتاتاً.
في هذا العدد من «فلسطين ـ السفير العربي» عرض لجانبي المأساة العربية.