| 

الى الجنوب من حيفا - على الشارع المحاذي للبحر الأبيض (...) لافتة بالعبرية تقول «هنا عين هود». اسم القرية عين حوض ولكن حرف الضاد يستعصي على الترجمة. وما هي عين حوض؟ بيوت عربية باقية من الخارج كما تركها أصحابها. كل بيت يختبئ في غابة ويستقل عن العالم، في واد يحمل ثلاث هضاب وطريقاً صغيراً الى البحر. السكان الأصليون نقلوا الى قمة أحد التلال المطلة على جرحهم المفتوح في الوادي. لماذا هذه السادية؟ يرون الى بيوتهم وسكانها الجدد والى أرضهم التريكة ولا يقوون على زيارة العشب والحجارة. وأكثر من ذلك لا يعترفون بذاكرتهم.
لصديقي صديق رسام إسرائيلي يقيم في هذه القرية. اصرَّ على الاحتفاظ بالبيت العربي القديم على حاله. «ديكور جميل يذكرني بالشرق» هكذا قال الرسام الذي روى لنا قصة فراره من النازية. سألناه عن علاقته بالأرض التي يسكنها الآن. فأجاب بأنه يحبها. ذكرناه بأن مجرد حاجته الى ديكور عربي ليربطه بالشرق يلغي أصالة ارتباطه بهذه الأرض، ويعطيه صفة السائح. قال: ليس لي مفر. ثم دلّنا على التشابه التاريخي بين العرب واليهود. إن صفة اللجوء تجمع بينهما. والآن، يشترك كل واحد منهما في تشكيل بنية الآخر. قلنا: إن ما يجمعها هو، في الوقت ذاته، نقطة الصراع بينهما. لقد تخلصت من اللجوء والتشرد لتدفع الطرف الآخر الى نقطة الدائرة ذاتها. وهكذا تكون المعادلة متناقضة. حين تجد نفسك تلغيني من وجودي، وحين أتمسك بوجودي تتحول العلاقة ما بيني وبينك الى صراع. لا لأني أعترض على خلاصك وعلى احتمال المشاركة في الوجود، ولكن لأني أعترض على إلغائي الناجم عن الطريقة التي تمارس بها وجودك.
فعلى بعد خطوات منا يجلس أهل القرية الاصليون وينظرون... إن الذي أباح لنفسه ان يذرف الدموع على ألفي سنة لا يستطيع اتهام من يبكي منذ عشرين سنة فقط بالوقوع في الوهم. واحتكار البكاء ليس صفة قومية تدعو الى الاعتزاز. وفي الخامس عشر من أيار - وفي ساعة محددة في الصباح - تنطلق صفارات الإنذار في كل أنحاء إسرائيل لتعلن الوقوف حداداً على الذين سقطوا في «حرب التحرير». السائر يتسمّر أينما كان. والسيارات تقف. والأعمال والماكنات تتوقف إعلاناً عن الحداد الذي يسبق الاحتفالات والفرح. وماذا يفعل العربي؟ يبكي في القلب او ينفجر من الضغط. إن إعلان ميلاد إسرائيل هو في الوقت ذاته إعلان وفاة الوطن الفلسطيني.
تقف في الشارع الذي يلتهمك وتلتهم الغيظ والقهر. ما هو الوطن؟ ان تحتفظ بذاكرتك ـ هذا هو الوطن. إن أحزانهم كثيرة. كل أعيادهم حزينة. ولكنه حزن الذكريات البعيدة التي تجعل الفرح الراهن في حجم الكون. في الليل يرقصون بجنون، يقبلون على الحياة بجنون. لماذا تطالبهم بأن يفهموك. كنت تقول دائماً: ليتني أكتب مقالاً واحداً دفاعاً عنهم.. وأموت. لا يبدو أن النفط العربي سيتيح لك تحقيق هذه الأمنية الخبيثة. إن أحزان المنتصرين نفاق وخداع، وليست دليل رقيّ بقدر ما هي دليل نقص. لقد حملوا أحزان التاريخ وأفرغوها بك أنت. وأنت مطالب بألا تحزن. ممنوع من الحزن يا عربي!.. هم يحيون ذكرى الحجارة والمومسات وأبطال العدوان، ويحيون ذكرى ضحاياهم الحقيقية، وأنت ممنوع من إحياء ذكرى أحد او شيء. أكثر من ذلك: يدعونك الى الاشتراك في احتفالات انتصارهم عليك. وإذا رفضت عوقبت. لم يسمحوا لك بإحياء ذكرى ضحايا كفر قاسم. إن ضحاياهم ـ كل ضحاياهم سقطوا بأيدي سواك. وضحاياك ـ كل ضحاياك سقطوا بأيديهم. حين تأتي ذكرى كفر قاسم يحاصرون القرية والمقبرة، ويمنعون الناس من الدخول، لأن الحزن ممنوع. وأكثر من ذلك: يصادرون مزيداً من الأراضي في الجليل.. يترجمون الجليل من جديد بمدينة يهودية «كرمئيل». يتظاهر سكان ثلاث قرى عربية سلبت أراضيهم. يحاصرون. يعتقلون، وتنتصر «كرمئيل». ويختارون يوم الاحتفال بتدشينها في يوم ذكرى كفر قاسم بالذات. لا استفزازاً ولا سادية ولا استهتاراً فقط بل مظاهرة قدرة على القهر أيضاً. هؤلاء هم اللاجئون ينهون لجوءهم بخلق لاجئين. فماذا يعني قولك ـ يا صديقي الرسام ـ أن تشابه اللجوء يجمعنا؟ لا شيء.. لا شيء إلا الابتزاز. اللاجئون الذين شرّدتهم النازية وجدوا وطناً لهم في فلسطين. واللاجئون الذين شرّدتهم الصهيونية.. أين يقيمون.. أين؟
المصدر يوميات الحزن العادي، بيروت، مركز الأبحاث ـ منظمة التحرير الفلسطينية، 1973.