| 

لم يتبق من فلسطين إلا «الداخل»... أي كل فلسطين.
«الخارج» خوارج، يتوزع متناثراً بين «سلطة» أسيرة وشتات يحمل أرضه في روحه والمفاتيح قلادات عرائس، ويجلس فوق الحقائب في مخيمات يراها محطات على الطريق، في انتظار حلم العودة التي يعرف أن بوابتها النصر على الاستحالة.
و«الخارج» مفتوح على الخارج البعيد، مقفل على الداخل، يأخذ من فلسطين الهوية والأمل، ويذهب في رحلة أجيال من دون أن يضيع عنها أو تسقط من قلبه والوجدان والذاكرة.
«الداخل» محاصَر في هويته، منفي في لغته، مهدَّد في بيته، مطارَد في مدرسته، يجعل الصلاة ذريعة والمسجد قلعة صمود، مصلوب عند مدخل كنيسته في نهاية درب الآلام. «الداخل» أعزل إلا من روحه، وبروحه يحاصر حصاره فيكسره.
يعرف أن وجوده، واستمرار وجوده في أرضه، ينقضان أساس وجود عدوه. هو الأصل. هو الأرض. هو الهواء والزيتون والشمس، جذوره عميقة بأسماء أجداده الذين ابتنوا المدن وزرعوا الأرض وابتنوا للحضارة معاهد المعرفة.
الداخل هو بوابة النصر. ما بقي الداخل بقيت إسرائيل مشروعاً مهدداً بالسقوط. إنه الشاهد الحي الذي ينقض أسطورتها بحقيقته.
يحاول الإسرائيلي عبثاً محو الداخل بكل الوسائل: السجن، النفي، القتل، التعذيب، تزوير التاريخ، تمويه الجغرافيا، فتبقى لفلسطين الأسماء جميعاً: الوطن، البلد، الأرض، الأم، القضية.
والداخل هو الفكر، الشعر، الإبداع، الصمود مصفحاً بكلمة «لا» المقدسة. تضيق عليه الأرض فيتسع أفق جهاده: هو الآن يسكن جلد عدوه. يلغي إنسانيته وادعاءاته العقارية والفكرية. يعيده عنصرياً، متوحشاً، غازياً بقوة السلاح، مستوطناً جاء طامعاً بحقوق غيره، لكن مستقبله خلفه. يعيش حبيساً في أسطورة القوة.
***
«الداخل» هو داخلنا جميعاً. كلنا في ذلك «الداخل».
الداخل هو صورة مجسمة للوضع السائد في كل أرض العرب. كل العرب يعيشون أحوالاً تقرّبهم من الداخل الفلسطيني: دولهم ليست لهم، بل هي أقرب لأن تكون كيانات اصطنعت على عجل، تخاف سلطتها على مستقبلها في سدة الحكم أكثر مما تخاف على الوطن وعلى الدولة. علاقتها مع رعاياها كمثل علاقة الإسرائيلي مع أهل الداخل. تخافهم فتضطهدهم. تشتري من عرض نفسه للبيع، وتمنع عن «السكان» حقوقهم. تخرب تعليمهم. تشوّه لغتهم. تسحبهم سحباً إلى وهدة العجز بالتخلف. تطاردهم فتطردهم أو تعتقلهم في السجون حتى يتوبوا عائدين إلى طاعة السلطان.
أنظمة الداخل العربي حرس حدود للإسرائيلي، تنوب عنه في مطاردة المقاومة وفي محاولة اغتيال الغضب قبل أن يتكامل ثورة للتحرر والتحرير.
أنظمة الداخل العربي تدأب على فك الحصار عن الإسرائيلي. تجمّل صورته أمام العالم. تصوره ـ وهو الذي لا يتقن إلا الحرب ـ طالب سلام.
أنظمة الداخل العربي تعامل رعاياها على أنهم جميعاً فلسطينيون. لهذا يعد الفلسطينيون بمئات الملايين.
كل العرب في الداخل الفلسطيني. أما الفلسطينيون فقد تكاثروا حتى باتوا في الهواء ونور الشمس وظلمات الزنازين وقاعات الانتظار في المطارات بلا وجهة محددة ولا تذكرة سفر إلى مقصد بالذات... ما دام الداخل الفلسطيني مستحيلا، والداخل العربي سجنا كبيرا.