| 

بين الخامس والعشرين من أيار والفاتح من حزيران 2001، وبينما الانتفاضة الفلسطينية في ذروة احتدامها أمضى هشام شرابي في فلسطين سبعة أيام متواصلة جال في أثنائها في شعاب الأرض التي غادرها قبل ثلاث وخمسين سنة. وعلى مدار أسبوع كامل تنقل بين الناصرة في الشمال وحيفا في الوسط ويافا في الجنوب، ثم في القدس والخليل ورام الله، ولم ينسَ مسقطه في يافا، ومدرج طفولته في عكا، ومدرسته الأثيرة في رام الله، وكانت له من هذه البقاع ذخيرة وذكرى. عن هذه الرحلة يتحدث فيقول:
«ذهبت الى فلسطين، هذه المرة، عبر جسر الشيخ حسين، أي من الأردن. وكنت الوحيد الذي يجتاز الحواجز الإسرائيلية في ذلك اليوم. وكان في انتظاري بعض الأصدقاء من «التجمع الوطني الديموقراطي» الذي يرأسه الصديق عزمي بشارة، وهم من مدينة الناصرة بالتحديد. دخلت الناصرة وأنا مثقل بالقلق والذكريات والشجن. ولكن ما ان وصلت المدينة والتقيت الناس وتحدثنا معاً، حتى بدأ اضطرابي يهدأ. ثم بدأت رحلة في ربوع فلسطين دامت سبعة أيام متواصلة، جلت فيها على عكا وصفد وحيفا، ثم رأيت يافا. غير ان زيارتي يافا اقترنت مناسبة حزينة: فقد شيعنا الراحل ابراهيم أبو لغد الصديق والزميل.÷

أحسبُ أنك ذهبت الى يافا، فنزلت في ساحة الساعة في شارع بسترس، ومررت بشارع جمال باشا، وتغديت سمكاً في العجمي. كيف تروي هذه العودة؟
وصلت مع عزمي بشارة الى تل أبيب من حيفا. ومن هناك اتصلنا هاتفياً بالقائمين على «النادي القومي العربي» في يافا لتحديد نقطة اللقاء. وعندما بلغنا النقطة المتفق عليها، نظرت حولي فلم أعرف أين أنا بالتحديد. فسألت عزمي بشارة: أخال اننا في شارع جمال باشا او في حي النزهة، لكنني غير متأكد تماماً. فثمة أناس كثيرون وصخب واوساخ... الخ. انها فعلاً مدينة من العالم الثالث. وفي هذه اللحظة وصل سعيد شحادة أحد شبان النادي، فسألته: أين نحن الآن؟ فقال: أنت الآن في دوار البلدية. دُهشت، وتساءلت: أين سينما الحمراء اذاً. فأشار الى السينما وقد تحولت الى مصرف. ما أفرحني هو ان حي العجمي ما زال فلسطينياً حتى اليوم وفيه بيتنا.

هل زرت منزلك هذه المرة أيضاً؟
نعم، زرته لكن لم أدخل اليه، ولم أخطُ في داخله، بل ذهبنا الى الميناء، وتغدينا في أحد المطاعم. والطريف اننا لم نجد يهوداً في المطاعم العربية. وهذا، وان يكن مدعاة سرور لنا، الا انه مدعاة للأسف لدى اصحاب المطاعم. بعد ذلك غادرنا للمشاركة في جنازة الصديق ابراهيم ابو لغد التي بدأت من الجامع القائم في حي العجمي حتى مكان قريب من المسبح الذي كنا نسبح فيه صغاراً. والرائع ان ابراهيم ابو لغد جمع في موته العشرات من الشخصيات الفلسطينية المختلفة والمتنافرة التي ما كان بالامكان ان تجتمع في أي مناسبة أخرى.
من حوار أجراه معه صقر أبو فخر بعنوان «عائد من فلسطين»، جريدة «السفير»، 5/6/2001.