| 

يقع منزلنا العائلي في الطالبية، وهو حي من القدس الغربية قليل السكان، بناه وسكن فيه حصراً فلسطينيون مسيحيون من أمثالنا. والمنزل كناية عن فيللا حجرية مهيبة من طبقتين، كثيرة الغرف، تحدق بها حديقة جميلة نلعب فيها أنا وابنا عمي الأصغران وشقيقاتي. ويصعب الحديث عن جيرة فعلية، مع أننا كنا نعرف جميع ساكني الحي الذي لم تكن معالمه قد تبلورت بعد. أمام المنزل بورة مستطيلة خالية، كنت ألعب فيها او أركب دراجتي. ولم يكن لنا جيران مباشرون، مع انك تلقى على مسافة خمسمئة ذراع تقريباً صفاً من الفيللات المشابهة يسكنها اصدقاء أبناء عمي. اليوم، أضحت البورة حديقة عامة، والمنطقة المجاورة للبيت حيّاً فخماً يسكنه أغنياء اليهود.
قمت برحلة الى القدس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1998. في فلسطين، اكتشفت مجدداً ان ما كان شبكة من البلدات والقرى عاش فيها أبناء عائلتي الموسعة ذات يوم ـ القدس وحيفا وطبريا والناصرة وعكا ـ أضحت الآن مطارح إسرائيلية تعيش فيها الأقلية الفلسطينية تحت السيادة الإسرائيلية. صحيح أن الفلسطينيين يتمتعون بالحكم الذاتي، او الاستقلال الذاتي، على أجزاء من الضفة الغربية وغزة، لكن الجيش الإسرائيلي يحتفظ فيها بالسيطرة الأمنية الشاملة، وهي سيطرة تبدو أشد نفوراً على الحدود وعند نقاط التفتيش والمطارات. وكان أحد الأسئلة الروتينية التي وجهها إليّ الموظفون الإسرائيليون (لما كان جواز سفري الأميركي يشير الى أني ولدت في القدس) هو الموعد المحدد الذي غادرت فيه إسرائيل بعد الولادة. فكنت أجيب اني غادرت فلسطين في كانون الأول/ ديسمبر 1947، مشدداً على كلمة «فلسطين». «هل لديك أنسباء هنا؟» كان السؤال التالي الذي أجبت عليه بـ«لا أحد». وقد امتلكني شعور من الحزن والخسران لم أكن أتصور اني سوف أختبره. ذلك انه مع حلول ربيع 1948 كانت عائلتي الموسعة كلها قد أُجليت عن المكان وعاشت في المنفى منذ ذلك الحين. على أني في عام 1992 تمكنت، للمرة الأولى منذ مغادرتنا عام 1947، من زيارة المنزل الذي تملكه عائلتي في القدس الغربية والمنزل الذي نشأت فيه أمي في الناصرة ومنزل خالي في صفد وغيرها من المنازل. وإذا هي في زيارتي الثانية، يسكنها جميعها ساكنون جدد تذرّعوا بأسباب عاطفية كابحة جداً ومبهمة جداً لعرقلة دخولي إليها مرة ثانية، بل لمنعي عملياً من الدخول، ولو من أجل إلقاء نظرة خاطفة.
إدوار سعيد، «خارج المكان»، بيروت: دار الآداب، 2000 (ترجمة: فواز طرابلسي).