في أواخر سنة 1975 راحت الأخبار تتسرب الى الفاعليات الفلسطيــنية في مناطق 1948 عن خطة إسرائيلية لتهويد الجليل ومــصادرة المزيد من الأراضي. فتداعى الفلــسطينيون الى اجتماعات متلاحقة في حيفا والناصرة أدت الى تأليف «اللـــجنة القطرية للدفاع عن الأراضي العربية» في 18/10/1975، وكــان من بين أعضائها سالم جبران وعزمي بشارة (وكان آنـــذاك طالباً جامعياً) وسميح القاسم ووليد الفاهوم وتـــوفيق طوبي ونايف سليم. وفي 18/2/1976 صدرت وثيقة بعنوان «تطوير الجليل» أعدها خبير الاستيطان يسرائيل كيننغ، وهي تهدف الى جعل أغلبية سكان الجليل من اليهود. وفي تلك الفترة، وفي سياق هذه الخطة، قررت الحكومة الإسرائيلية مصادرة 17 ألف دونم من أراضي منطقة البطوف في الجليل، وإعلانها منطقة عسكرية مغلقة على الفلسطينيين. وعند هذا الحد انتفض الفلسطينيون في الداخل للدفاع عن أراضيهم، وقرروا الاضراب العام في 30/3/1976. وقبيل موعد الاضراب عُقد اجتماع في شفـــاعمرو، وظــهر فيه موقفان: الموقف الأول عبّر عنه الشاعر توفيق زيّاد رئيس بلدية الناصرة آنذاك، وكان يدعو الى إعلان الاضراب التام. أما الموقف الثاني فكان لا يرغب في الاضراب على الاطلاق، وفي نهاية المناقشات تبين ان الأغلبية مع إعلان الاضراب. لكن بعض عملاء الحــكومة الإسرائيلية حاولوا الاعتداء على توفيق زيّاد، فهــب الشــباب للدفاع عنه، وجرى الاشتباك بالأيدي داخل مقر الاجتماع.
تذرعت إسرائيل بهذه الحادثة للادعاء بأن قرار الاضراب ليس قرار الفلسطينيين بأغلبيتهم، وقامت بإنزال قوات عسكرية في منطقة البطوف بقيادة رفائيل إيتان الذي صار رئيس الأركان في ما بعد، والذي قاد عمليات الحرب على لبنان في سنة 1982. وفي اليوم المحدد للاضراب اشتعلت قرى الجليل والمثلث بالتظاهرات، وعمت المسيرات الاحتـــجاجية عــرابة وسخنين وأم الفحم ودير حنا ودالية الكرمل وعــسفيا وحرفيش ومعليا والناصرة وغيرها، فاقتحـــمت قوات الجيش الإسرائيلي هذه القرى. وقد تمكن الـــشبان من أبناء عرّابة من محاصرة إحدى الدبــابات الإســرائيلية، الأمر الذي اضطر رفائيل إيتان الى طلب المعونة من رئيس بلدية عرّابة لاطلاق سراح الدبابة وطاقمها. فاشترط عليه رئيس البلدية سحب قواته من القرية. وهذا ما وقع بالفعل، واحتفل شبان القرية بالنصر.
لكن إيتان، بعدما استعاد الدبابة، أمـــر جنوده باطلاق النار على الشبان المحتفلين، فسقط خير محمد ياسين وجرح ثمانية آخرون. وتكرر الأمر نفسه في قرى أخرى، وكانــت النتيـــجة ســـقوط ستة شهداء، ثلاثة من سخنين، وآخرين من الطـــيبة، وجرح 1200 بينهم 200 أصيبوا بعاهات دائـــمة. لكــن هذا الاضراب الدامي أرغم السلطة الإسرائيلية على التراجع الجزئي عن مصادرة الأراضي، فاضطرت الى إعادة بعضها الى البلدات العربية. غـــير ان الأثر الأكثر أهمية الذي تركه «يوم الأرض» هو ان الفلســطينيين تحولوا، جراء ذلك، من جماعات ضعيفة ومــتفرقة، الى جماعة تعتد بنفسها، وتكافح، في سبــيل حقوقها. وكان هذا اليوم يوماً تأسيســياً في تاريــخ الحركة الوطنية الفلسطــينية فـي الداخــل، والمدماك الأساس الذي قامت عليه معظم النضالات العربية اللاحقة.