| 

حتى عشر سنوات خلت ظلت محاولة فهم موقع فلسطينيي 1948 ودورهم في خريطة الانتماء الوطني والقومي معضلة لشرائح واسعة في العالم العربي بما فيها جزء كبير من التيارات القومية. ولكن بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وانتقال شرارتها إلى القرى والمدن العربية الفلسطينية داخل إسرائيل، في تشرين الأول 2000، واستمرار المواجهة وسقوط الشهداء والجرحى أربعة أيام متتالية أصيب الكثيرون بالدهشة والمفاجأة لاكتشافهم عنصراً جديداً في الصراع العربي ـ الصهيوني. صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية كتبت في الأيام الأولى لهبة عرب 48 أن «مشكلة إسرائيل المقبلة هي المواطنون العرب في إسرائيل». قبل ذلك كان قد بدأ يلمع، اسم شخصية قيادية ومفكرة هو عزمي بشارة الذي كان يشد الكثيرين في الداخل والخارج إلى فهم جديد لموقع فلسطينيي 1948 ودورهم.
قبل ذلك، تجاهل أو قلل من أهمية دور هذا الجزء من شعب فلسطين معظم، إن لم يكن جميع اللاعبين في صراع الشرق الأوسط. وتمكنت إسرائيل من إخفاء بنيتها العنصرية لفترة طويلة، وعرضت نفسها كدولة التنوير الوحيدة في «غابة الدكتاتوريات»، فواصل الغرب تمجيدها على أساس هذه الصورة، في حين كان مئات الآلاف من العرب الناجين من مذابح 1948 يرزحون تحت حكم عسكري ونظام محكم من السيطرة والقمع والحصار، ومصادرة الأرض والمياه.

محاولات لملمة الجراح بعد النكبة
كانت صدمة الهزيمة هائلة، بل كانت زلزالا؛ حالة من الذهول والصدمة الشديدة، وحالة من الضياع. لم يكن بالإمكان تخيّل إمكانية أن يقوم هؤلاء في مراحل الصدمة بلملمة الجراح وإقامة حركة وطنية لمجموعة صغيرة (150 ألفًا) من شعب مهزوم في داخل دولة انتصرت في الحرب، ولا تزال تطمح الى طرد من تبقى منهم. كان الشاغل الأساسي لهؤلاء هو البقاء وعدم إعطاء ذريعة لاستئناف مخطط الطرد والمذابح.
لم يكن لدى الدولة الجديدة تصوّر لكيفية التعامل مع هؤلاء الفلسطينيين آنذاك. فإمكانية الطرد المباشر أصبحت متعذرة بسبب اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل كدولة مستقلة مطلوب منها الالتزام بميثاقها واحترام «الأقليات». بعض الأوساط في الدولة الجديدة اعتبرت بقاء فلسطينيين داخل حدودها خطأ وظلت تتحيّن الفرص والظروف المواتية لطردهم. وظنت تلك الأوساط الصهيونية أن العدوان الثلاثي عام 1956 على مصر عبد الناصر وفّر تلك الفرصة، فارتكبوا مذبحة كفرقاسم بحق 49 مواطنًا بحجة عدم احترام حظر التجول. غير أن هدف هذه المذبحة لم يتحقق، أي لم تحدث حالة ذعر وهروب كما حصل عام 1948.
استقرّ الرأي لدى الدولة الجديدة على اعتماد سياسة السيطرة المحكمة على العرب، واحتوائهم وإضعاف كيانهم الجمعي، أي وضع المعيقات أمام تحولهم إلى مجموعة قومية ذات خصوصية تستحق حقوقاً جماعية. من مكونات هذه السياسة، طمس الهوية الوطنية، وقمع مادي ومعنوي لأي شكل من أشكال التنظيم السياسي العربي المستقل، والاستعانة بالمخبرين وتعزيز التفرقة الطائفية والعائلية.
منحت الدولة الجديدة لهؤلاء المواطنة الإسرائيلية وبعض الحقوق السياسية، مثل التصويت للكنيست الإسرائيلي بعد أن ضمنت الدولة العبرية أن من تبقى من العرب هم أقلية ولا يشكلون أي إمكانية أو خطر على حكم الأغلبية اليهودية في أية انتخابات.

أقلية تبحث عن قيادة
بقي هذا الجزء من الشعب الفلسطيني بعد النكبة، من دون قيادته ومؤسساته الوطنية. كانت هناك حاجة الى التصدي للوضع الجديد. بعض الناشطين العرب من ذوي التجربة السياسية، مثل أعضاء عصبة التحرر الوطني ـ وهي جناح الشيوعيين العرب في الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي انشق عام 1943 على خلفية قومية (بين اليهود والعرب) اختاروا الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، بعد الإعلان عن إقامة إسرائيل. وقبلوا تنظيراته بأن إسرائيل هي تجسيد لحق تقرير المصير لليهود، ووقع الأمين العام للحزب ماير فلنر وثيقة استقلال إسرائيل. وكان أن هيمن اليهود الذين رأوا إسرائيل دولتهم القومية على مسار الحزب الشيوعي الذي دعا إلى المساواة داخل الدولة العبرية من دون أن يتحدى طابعها القومي - الصهيوني. وكان معارضـاً لأطر قومية عربية مستقلة راحت تتشكل في بعض المراحل. وانضم العديد من المواطنين العرب إلى الحزب الشيوعي وناصره آخرون لأنه كان المتنفس الوحيد للتعبير عن المشاعر الوطنية والعمل ضد «سياسات التمييز»، في ظل القمع والملاحقة الشديدة لأي تنظيم عربي مستقل. وفي المقابل أنشأت الدولة العبرية، أو بالأحرى حزبها الحاكم، قوائم عربية تابعة ومرتبطة بالأحزاب الصهيونية، وهي طريقة استخدمها الحزب الحاكم (المباي) لتعزيز سيطرته على الحكم في مواجهة الأحزاب الصهيونية الأخرى المعارضة وتعميق التفرقة بين الفلسطينيين.
ومع ذلك ومنذ أواسط الخمسينيات، وعلى خلفية ثورة يوليو 1952 وبعد صمود نظام عبد الناصر في وجه العدوان الثلاثي، بدأ بعض الناشطين الفلسطينيين يطوّرون توجهات قومية مستقلة عن الحزب الشيوعي، وتحالفوا في البداية معه في إطار سمي «الجبهة الشعبية». ولكن الخلاف اشتدّ بين التوجهات الشيوعية والتوجهات القومية على خلفية الصراع بين الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم المدعوم من الاتحاد السوفياتي، وعبد الناصر صاحب المشروع القومي العربي الحديث. وأقام هؤلاء القوميون من فلسطينيي الداخل سنة 1958 حركة قومية، هي حركة الأرض، التي أكدت الهوية القومية العربية وساندت مشروع الوحدة العربية ورفضت المشاركة في انتخابات الكنيست، ونشطت ثلاث سنوات، وإن بشكل محدود، قبل أن تقمعها الدولة العبرية، وتشتت قادتها وتضعهم في الاعتقال المنزلي خارج أماكن سكناهم.
غير أن قيادة الحركة لم تستسلم، بل قررت العودة إلى العمل السياسي من الشباك بعد أن أخرجت من الباب، فخاضت انتخابات الكنيست تحت اسم «القائمة الاشتراكية»، لأنها إذا نجحت في الوصول إلى الكنيست تكون قد أعادت الاتصال بالناس واستئناف العمل على تنظيم المواطنين العرب ضد سياسة الاضطهاد، وإذا رفضت فإنها تكون قد فضحت زيف الديموقراطية الإسرائيلية. غير أن المؤسسة الإسرائيلية قمعت هذه المحاولة وظلّ الحزب الشيوعي التيار الوحيد الذي يحظى بشرعية قانونية.


بذور الوعي القومي لم تمت
ظلت بذور الوعي القومي والطموح لإيجاد إطار يشدد على الهوية الوطنية والبعد القومي للوجود الفلسطيني في إسرائيل حيّة إلى أن نضجت الظروف، وبدأت تظهر محاولات لتجسيد هذه الطموحات في أطر منظمة.
كانت أولى هذه المحاولات بعد قمع حركة الأرض، ظهور حركة وطنية محلية تحت اسم «حركة أبناء البلد» (في مدينة أم الفحم)، عام 1969، أي في فترة صعود الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج وبعد معركة الكرامة. وانتشرت بعدها في عدد من البلدات العربية، لتبدأ بالانتشار بين الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية منذ أواسط السبعينيات تحت مسميات مختلفة منها الحركة الوطنية التقدمية ـ أبناء البلد.
تبنت الحركة برنامج منظمة التحرير وبرنامج حركة فتح، أي شعار الدولة العلمانية الديموقراطية في فلسطين واعتبرت نفسها جزءًا من حركة التحرر الوطني الفلسطيني. تحولت الحركة إلى المنافس الرئيس للحزب الشيوعي وذراعه الطالبي في الجامعات الإسرائيلية، وتمكنت في العديد من المرات من التغلب عليه في الانتخابات التي كانت ولا تزال تجري سنويًا. لكن الغلبة في القرى والمدن العربية كانت للحزب الشيوعي، وكذلك للقوائم العربية في الأحزاب الصهيونية.
اتخذ هذا التوجه الوطني دفعة قوية بظهور حركة وطنية جديدة، ركزت على الهوية الفلسطينية، هي الحركة التقدمية، في مدينة الناصرة عام 1978. واستندت هذه الحركة إلى قاعدة أوسع قوامها شرائح من الطبقة البرجوازية الصغيرة الصاعدة. وتحولت هذه الحركة منذ أواسط الثمانينيات إلى حركة قطرية خاضت انتخابات الكنيست بعد معركة قضائية باسم «القائمة التقدمية للسلام». ومنذ تلك المرحلة، بدأت الساحة العربية في الداخل تتسع لحركات سياسية وطنية، ذات بعد علماني، والى حركات إسلامية ذات توجه ديني دعوي تحولت منذ أوائل التسعينيات إلى العمل السياسي ومواجهة السياسة الإسرائيلية. وهكذا كـُسر احتكار الحزب الشيوعي للساحة العربية المحلية، ودخل لاعبون جدد بقوة؛ وخاصة التيار الوطني القومي الذي فاجأ هذه الساحة بإعادة تنظيم نفسه وبإحداث انقلاب في الخطاب السياسي العربي.

إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية
عام 1995 ظهر على ساحة فلسطينيي الداخل حزب جديد، هو «التجمع الوطني الديموقراطي». عرض نفسه كتيار وطني قومي، يسعى إلى تنظيم الفلسطينيين على أساس قومي، وإلى تحقيق المساواة الكاملة داخل إسرائيل تحت شعار دولة المواطنين، ثم إلى توثيق العلاقة الحضارية والثقافية والفكرية مع التيار القومي في العالم العربي بحلة حديثة. وقد ظن بعض المنافسين وبعض الناشطين أن هذه الفكرة طوباوية لأنها جاءت في زمن سقوط المثل الكبيرة والمشاريع الوطنية والقومية. قيادة منظمة التحرير تعقد اتفاقًا مع إسرائيل، والعراق يخرج مهزومًا من الحرب الأميركية، وقبلها ينهار الاتحاد السوفياتي. لقد كان لهذه الانهيارات انعكاسات وتداعيات سياسية وأخلاقية مدمرة على سلوك المواطنين العرب في إسرائيل؛ تجلت في تسارع نهج الاندماج والانتماء الى الأحزاب الصهيونية، والارتداد إلى المظاهر الاجتماعية التقليدية (العشائرية) بحثًا عن الحماية الفردية أو طلبًا لامتيازات شخصية، الأمر الذي كان يعني، أن مرحلة من التفكك الجماعي والأخلاقي قد بدأت في ساحة الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل. وهذا الوضع بالذات هو الذي ولـّد الحاجة الملحّة للمشروع القومي الجديد الذي جسّد حصيلة تطور الصدام والحوار والتوتر الطويل بين فكرة الاندماج من جهة وفكرة المشروع القومي المستقل للأقلية الفلسطينية داخل الخط الأخضر من جهة أخرى، وجاء ردًا على المخطط الإسرائيلي بتكريس واقع التمييز والتهميش والعزل.
أو الأحزاب العربية الانتهازية التي سعت إلى توفير بعض الحقوق أو المصالح اليومية بمعزل عن الحقوق الجماعية. ومن هنا احتلت مسألة النقاش حول خوص انتخابات الكنيست أو عدم خوضها، حيّزًا كبيرًا وقد ناقشت القوى المؤسسة لحزب التجمع هذه المسألة نقاشـًا مطولاً وعسيرًا قبل أن تحسم قرارها باتجاه المشاركة، رغم كل ما ينطوي ذلك على تناقضات. وكان الدافع وراء ذلك هو الحاجة للارتباط مع المواطن والتواصل معه مباشرة والحديث باسمه خــارج الكنيـست وداخله، وتحويل التناقض إلى عنصر من عناصر بناء الهوية الوطنية لفلسطينيي 48.
حمل التجمع برنامجًا صداميًا مع هوية الدولة الصهيونية، لأن شعار دولة المواطنين ومطلب الاعتراف بالحقوق القومية للمواطنين العرب ينطوي نظريًا وعمليًا على إلغاء جوهر الصهيونية، وإلغاء الامتيازات والقوانين التي تفضل الجماعة اليهودية على المواطنين غير اليهود، كما حمل برنامج تنظيم العرب في الداخل على أساس قومي.

بماذا يختلف «التجمع» عن الأحزاب الأخرى؟
إن هذا الخطاب السياسي الذي ابتكره التجمع الوطني، أصبح خطابًا سائدًا تلتف حوله قوى وشرائح واسعة، وكان ذلك سبباً في ملاحقة المؤسسة الإسرائيلية لحزب التجمع وقياداته وكوادره، وفي المحاولات المستمرة لشطبــه ومنـــعه من دخول الكنيست على طريق إضعافه وتصفيته. لكن التيار القومي (التجمع) ومن خلال الدكتور عزمي بشارة ومنذ الأشهر الأولى لدخوله الكنيست عام 1996 تمكن من يرسخ نمطًا جديدًا وغير مسبوق في العمل البرلماني. ولا يقدّس التجمع العمل في الكنيست، بل يرى فيه وسيلة للتعبئة والتحريض وكشف التناقضات البنيوية في ما يسمى بـ«الدولة اليهودية الديموقراطية». إن نشاط التيار القومي الأساسي هو في الميدان، أي في ميدان العمل الشعبي والسياسي والثقافي والبنائي.
أما على صعيد الصراع العام ضد الصهيونية، فإن التيار القومي المتمثل بالتجمع، يرى نفسه منخرطًا ضد هذه الحركة ومشروعها العنصري على المدى الاستراتيجي، ويبقى الباب مفتوحًا لأفق حل ديموقراطي يتجاوز طرح الدولتين.
بعد هذه التحولات الحادّة في العلاقة بين الدولة العبرية والمواطنين العرب الذين أصبح عددهم اليوم 1,2 مليون نسمة، يصبح «عرب الداخل» في نظر المؤسسة الأمنية، خطرًا استراتيجيًا على كيان الدولة اليهودية، وجميع القوانين العنصرية والتحريض الدموي والممارسات المعتمدة مؤخرًا ضدهم، مشتقـّة من هذه النظرة.