| 

في كانون الأول 1966 أعلنت الحكومة الإسرائيلية برئاسة ليفي أشكول إنهاء نظام الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين الباقين على أرضهم ضمن الدولة العبرية. وقد فُرض هذا النظام منذ إعلان الدولة اليهودية في العام 1948 واستمر فعليا (وفق نظام الطوارئ الانتدابي لعام 1945) بأشكال مختلفة حتى اليوم. ويصعب العثور على اعتراف رسمي بوجود هذا النظام أكثر من إعلان الحكومة الإسرائيلية نفسها إلغاءه.
جاء في بيان أشكول أمام الكنيست ما يلي: سبق أن أعلن في كانون الثاني 1966 «أن الحكومة تنوي منح تسهيلات إضافية في مناطق الحكم العسكري. وقلت انه سيتم إعفاء البدو في النقب من الحاجة الى تصريح تنقل، وأن بوسعهم التحرك بحرية في البلاد. وأضفت: أننا نميل الى التوصل الى إلغاء جهاز الحكم العسكري برمته خلال عام واحد». وأضاف أشكول ان «الحكومة قررت أنه ابتداء من الأول من كانون الأول هذا العام إلغاء جهاز الحكم العسكري وستنقل الوظائف التي كانت ملقاة على الحكم العسكري إلى السلطات المدنية ذات الشأن». وقال إن تسهيلات جرى إدخالها على حياة المواطنين في المناطق الخاضعة للحكم العسكري منذ سنة 1963، ومنحت حرية التنقل في وسط البلاد وشمالها وخصوصا في تل أبيب وحيفا ونتانيا. وبموجب قرار إلغاء الحكم العسكري انتقلت الصلاحيات العسكرية إلى قادة المناطق العسكرية الإسرائيلية وكف الجيش عن منح تصاريح التنقل للمواطنين العرب. من الوجهة الرسمية أنشئ نظام الحكم العسكري الإسرائيلي في مناطق 48 في الحادي والعشرين من تشرين الأول 1948 ليسري على العرب الباقين على أرضهم. وأنشئت عمليا ثلاث قيادات للحكم العسكري في مناطق التمركز العربية في الجليل والمثلث والنقب. ويمكن القول إن نظام الحكم العسكري، من الناحية القانونية، كان هو الصيغة الإسرائيلية لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وحتى إذا لم يكن للتزامن بين فرض النظامين معنى فإن التنفيذ الفعلي كان متشابها من دون أن تسمى مناطقه في فلسطين بانتوستانات. غير أن المناطق الثلاث للحكم العسكري كانت أشبه ببانتوستانات جنوب أفريقيا. فنظام الفصل العنصري كان يسري على السود وحدهم، ونظام الحكم العسكري كان يسري على العرب وحدهم كذلك.
ومع أن «وثيقة استقلال إسرائيل» التي نالت الدولة اليهودية بموجبها اعتراف الأمم المتحدة تنادي بالمساواة أمام القانون، وعدم التمييز بين جنس أو عرق أو دين، فإن نظام الحكم العسكري كان من بين أول القوانين العنصرية التي سنتها إسرائيل. وظل الحكم العسكري أداة التعامل الأكثر فاعلية للدولة اليهودية ومواطنيها العرب إلى حين إلغائه. ويمكن القول ان جميع المحاولات للتظاهر بالمساواة بين العرب واليهود عبر تأليف لجان وزارية للعناية بشؤون العرب بدلاً من الحكم العسكري فشلت. وظل الحكم العسكري الإطار المركزي الضاغط والأداة لتطويع فلسطيني الـ 48 وتبديد هويتهم من خلال تشويه انتمائهم والتفريق بينهم بوصفهم مجرد «أقليات» وليسوا أبناء جلدة واحدة، فلسطينية عربية.
والواقـع أن الـتبريرات الإسـرائيلية لفرض الحـكم العسكري كانت متنوعة ومتنـاقضة. وعلى الـرغم من أن الفـلسطينيين البـاقين على أرضهم غـدوا، من الوجـهة الـقانونية، مواطنين متـساوي الحقـوق مع بقـية المواطنين في الدولة العبرية إلا أن هذه الدولة تعاملت معهـم على الدوام بوصفهم «طابورا خامسا». كما أن الدولة «الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» عمدت الى استغلال الحكم العسكري وجعلته أداة لتحويل الأقلية العربية إلى خزان أصوات انتخابية لمصلحة الحزب الحاكم. ومع مرور الوقت غدا الحكم العسكري وسيلة مراكز القوى السياسية والأمنية والاقتصادية كلها لاستغلال الجمهور العربي والتحكم به.
وبسبب الذرائع الأمنية فإن القيود التي فرضها الحكم العسكري على تنقل الأفراد ضبطت ليس حركتهم فحسب وإنما سبل سعيهم وراء رزقهم أيضاً. وقد استغل الحكم العسكري تصاريح الحركة والعمل واعتبرهما امتيازا ينبغي للمتمتع بهما أن يدفع ما هو مطلوب منه لقاء ذلك. وفي الغالب فإن المطلوب كان إما التعامل مع أجهزة الأمن، خصوصا الشاباك، أو موالاة عملاء هذه الأجهزة الأمنيين والسياسيين. وكانت الوظائف المتاحة داخل القرى والبلدات العربية، ولا سيما في مجالي التعليم والخدمة العامة الــبلدية، مقيــدة بموافقة الشاباك.
وفق مبدأ «فرق تسد» الاستعماري عمد الحكم العسكري إلى تقسيم الفلسطينيين إلى أديان ومذاهب وأعراق. وتحول الفلسطينيون في أرضهم إلى أقليات مسيحية ومسلمة ودرزية وبدوية وشركسية. وخدم هذا المبدأ الحكم العسكري في تمرير القوانين العنصرية الأخرى مثل قانون أملاك الغائبين وقانون سلطة التطوير وقانون شراء الأراضي وهي القوانين الثلاثة التي حرمت الفلسطينيين، ممن باتوا لاجئين، أملاكهم وأراضيهم، وحرمت الفلسطينيين الباقين على أرضهم أراضيهم. وفي السنوات الأولى من الحكم العسكري جرت عمليات نقل كثير من الفلسطينيين من قراهم وإسكانهم في ضواحي المدن العربية الخاوية، كيافا وعكا وحيفا والناصرة واللد من أجل السيطرة على أراضيهم. وقد رفضت السلطات الإسرائيلية على الدوام، في ظل الحكم العسكري، السماح بنشوء أحزاب عربية. وهكذا حوربت منظمة «الأرض» وأيدت المحكمة العليا الإسرائيلية قرار لجنة الانتخابات المركزية بعدم السماح لها بخوض الانتخابات. وليــــست مصادفة أن أول حزب عربي غير مرتبط بأحزاب صهيــونية تأخر ظهوره الى ثمانينيات القرن العشرين وكحزب يهودي -عربي.
كان الحكم العسكري أول تعبير عن تعامل الدولة اليهودية مع مواطنيها العرب بوصفهم أعداء، ولم يشكل هذا النظام وسيلة لتغيير هذه النظرة إليهم بل أداة لترسيخها. وقد حار رجال القانون في وصف العلاقة بين الدولة العبرية ومواطنيها العرب، وغلب الرأي عندهم بأنها علاقة «المنفصل وغير المتساوي». وهي القاعدة نفسها التي حكمت سلوك النظام العنصري في جنوب أفريقيا الذي من دون تفكيكه ما كان في الامكان الوصول إلى علاقة «المنفصل والمتساوي». ومن البديهي أن تغيير القاعدة في إسرائيل مستحيل من دون الاعتراف بالفلسطينيين الباقين على أرضهم كأقلية قومية وليس كمجموعة من الأقليات المتنافرة التي استمر النظر إليها هكذا حتى بعد إلغاء الحكم العسكري.
يرى علمـاء اجتـماع في إسـرائيـل أن الاغتـراب العـربي الفـردي عن الدولـة في إسرائيل، نبع أساسا من نظام الحكم العـسكري. فقد أوجد هذا النظام نوعا من الاعتماد على العلاقات الشخصـية بالدولة ومؤسساتها بما تنطوي عليه من إهانة وإذلال، وهو ما حمله «أبناء البلد» في نفوسهم لاحقا، فرفضوا زيف العلاقة وأكدوا، بحماسة، عروبتهم وفلسطينيتهم. ألغي الحكم العسكري، في نهاية 1966، لكن كثيراً من إجراءاته لا تزال سارية. فعدد الموظفين العرب في قطاعات الدولة وشركاتها العامة يكاد يكون صفرا مع أنهم يمثلون خمس السكان. والأدهى أن الإجــــراءات المتشددة بحق العرب في المطارات والمنافذ الحدودية لم تتــــغير تقريبا. وتكفي الإشارة إلى أن احدى «الدبلوماسيات» الفلـــسطينيات من مناطق الـ 48 (وهي من النوع الذي كانت إسرائيل تتفاخر باندماجه) قدمت استقالتها من الخدمة نتيجة الإذلال الذي تتعرض له في مطار اللد عند قدومها ومغادرتها مع انها تحمل جواز سفر دبلوماسياً إسرائيلياً.