| 

دُرست النكبة بشكل مستفيض، لكن بشكل منقوص. فجُلَّ ما كتب عنها اتخذ منحى سياسياً او جاء محدوداً بنطاق تجربة فلسطينيي الشتات. وقررت ذاكرتنا الجماعية وخطابنا التاريخي السائد لسبب ما تناسي تجارب كثيرة ارتبطت بمن عاش النكبة في داخل فلسطين المحتلة تحديداً، وفي المدن مثل القدس ويافا وحيفا وغيرها، إما لطبيعتها الشخصية والفردية ـ في مقابل تجارب اللاجئين ذات الطابع الجماعي ـ او ربما لأسباب طبقية أهملت تجارب فلسطينية مهمة لسكان المدن من الطبقة الوسطى.
هذه محاولة لتقديم صورة ميدانية استناداً الى مفكرة يومية كتبها جريس السلطي خلال وجوده وعائلته في بيتهم في ضاحية البقعة في غربي القدس عام 1949 بعد عام من سقوط القدس الغربية بيد الدولة العبرية حديثة الولادة. كان هذا الحي وبقية مناطق القدس التي سقطت في سنة 1948 مكان اقامة أكثر من ثلاثين ألف قاطن عربي قبل عام فقط من كتابة المفكرة، بقي منهم بحسب تقدير السلطي ما لا يتعدى المئتي مواطن. وقد كتب السلطي يومياته على صفحات مفكرة لسنة 1937، وفيها التواريخ المطبوعة في أعلى كل صفحة.
بقى السلطي في منزله طوال أول شهر ونصف الشهر من الاحتلال لا يغادره. فقد دوّن في مفكرته بتاريخ 14 حزيران 1949: «في مثل هذا اليوم من العام الماضي أول مرة طلعت على الشارع رحت عند أم جورج ولما شافتني صارت تبكي وقالت الحمد لله اني شفت ناس من جماعتنا».
بقيت العائلة في منزلها الواقع على شارع صغير متفرع عن طريق بيت لحم طوال العام الماضي لا يخرج أفرادها الا للضرورة القصوى. ولهذا بدت البقعة وجل المناطق العربية كمدن اشباح لا يعبر طرقاتها سوى الكلاب الضالة ودوريات الجيش والشرطة والقوات اليهودية غير النظامية. أحد أسباب خوف السكان العرب من الخروج من منازلهم هو الاعتقال والطرد الى الشطر العربي من القدس الواقع تحت السيطرة الأردنية آنذاك، والذي غالباً ما كان يتم عبر نقطة العبور الوحيدة ما بين شطري المدينة والمعروفة باسم «بوابة مندلبوم» الواقعة في المنطقة الحرام في حي الشيخ جراح.
وكانت المنطقة الحرام تفصل بين شطري المدينة ويتعذر عبورها إلا من خلال هذه البوابة التي سميت كذلك كونها تمر في عمارة أصبحت مقراً لقوات الفصل ومراقبة الهدنة الدولية. وقد عرفت البناية باسم بيت مندلبوم نسبة الى مالكها آنذاك وهو تاجر يهودي معروف. ولم يكن يسمح بعبور «البوابة» إلا للدبلوماسيين الأجانب والمغادرين العرب الذي كانوا يعبرون الى القدس العربية ولا يعودون. وفي حالات قصوى كان يسمح لبعض السكان العرب بالخروج بتصريح من السلطات الى الشطر الأردني لزيارة قصيرة لا تتعدى أياماً عدة.
كانت البقعة، حيث يقيم السلطي، احدى الضواحي العربية لمدينة القدس والتي نشأت بالتدريج منذ أواخر القرن التاسع عشر. وبحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر عام 1947 والقاضي بتقسيم فلسطين، فإنها أسوة ببقية انحاء القدس كانت ستصبح كياناً منفصلاً عن كلا الدولتين المقترحتين، وخاضعة لنظام دولي خاص تحت اشراف الأمم المتحدة. وبعد توقيع اتفاق الهدنة مع الأردن في 3/4/1949، أعلنت الحكومة الإسرائيلية الموقتة ـ من جانب واحد بالطبع ـ القدس جزءاً من حدود دولتها. ومع ان هذا القرار، ولو نظرياً على الأقل، كان يعني إلغاء الحكم العسكري في القدس المحتلة، إلا انه لم يؤثر مباشرة في أوضاع السكان العرب في غربي المدينة الذين ظلوا خاضعين لقوانين تحد من حركتهم وحريتهم وأماكن اقامتهم، ومنحوا بطاقات هوية موقتة تسمح لهم بالاقامة داخل الدولة. وكانت سلطات الاحتلال جمعتهم في أيلول 1948 في منطقة صغيرة اعتبرت «منطقة أمنية خاصة» لا تتعدى مساحتها نصف ميل مربع وسميت «المنطقة أ» Zone A. وكان يسمح لسكانها العرب بالتجول داخلها بحرية خلال النهار فيما يفرض حظر التجول عليهم ليلا. إن إقامة منطقة او غيتو لتجميع السكان العرب لم يتم في القدس وحدها، بل حدث في أماكن أخرى أيضاً. ففي أوائل تموز 1948 قامت السلطات العسكرية بنقل السكان العرب في حيفا من اماكن سكناهم في شتى أنحاء المدينة وجمعتهم في وادي النسناس، افقر احياء المدينة.
في القدس كانت عائلة السلطي احدى العائلات السيئة الحظ التي كان مسكنها خارج المنطقة هذه، ولذا أجبروا على ترك بيتهم والانتقال الى بيت عربي متروك في داخل المنطقة أ. في هذا الأثناء كانت البيوت العربية المتروكة خارج هذه المنطقة توزع على السكان والمهاجرين اليهود الجدد بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض تحول دون اضطرار الدولة الى إعادة البيوت الى أصحابها في المستقبل. وعندما بدأت البيوت المتروكة خارج المنطقة أ بالامتلاء بالسكان الجدد، بدأ المهاجرون اليهود القدوم الى داخل هذه المنطقة للاستيلاء على البيوت الفارغة أيضاً. وبحسب ما يورده السلطي في يومياته نجد ان الرعاع اليهود بدأوا الاستيلاء حتى على البيوت المسكونة عبر السيطرة على طبقات او غرف او أجزاء منها. وفي يومياته المؤرخة في 19 تشرين الأول 1949 كتب السلطي:
«ان الحالة تزداد سوءاً حتى ان اليهود صار (صاروا) يهجموا على بيوت العرب المسكونين لكي يأخذوا أوضة ويسكنوا، والحالة كرب. أما أنا فإن ثقتي بالله تعالى لا تتزعزع وهو في عنايته يدبر لنا الصالح».بعد إلغاء المنطقة أ هذه وجد السكان العرب الذين تمكنوا من العودة الى بيوتهم أنفسهم مضطرين الى استئجار بيوتهم ذاتها والتي بنوها بأنفسهم على أراضي يمتلكونها شخصياً، من «حارس أملاك الغائبين»، كما لو كانت ليست ملكيتهم. دوّن جريس السلطي في مفكرته في 22 حزيران 1949 ما يلي: «اليوم أيضاً دار واحد من الموظفين اليهود يقيد أسماء الساكنين في الدور لكي يأخذوا منهم أجار». حماسة السكان اليهود لسرقة البيوت العربية أدت ببعض المتطرفين الإسرائيليين من خارج المنطقة الى البدء بحملات ازعاج وتخويف للسكان العرب فقد كانوا يقومون بقيادة مركبات مزعجة في الليل - مثل الموتورسايكلات - في البقعة في الساعات المتأخرة من الليل محدثين ضجة وجلبة بهدف دفع السكان العرب الى ترك المنطقة والبيوت. السرقة لم تتوقف عند حد السيطرة على البيوت بل امتدت الى سرقة محتويات البيوت من أثاث وأدوات منزلية ونوافذ وأبواب وحتى بلاط الحمام الصيني والمجوهرات الشخصية. وقد دون جون روز (أو حنا وردة) وهو ارمني فلسطيني بقي في القدس الوصف التالي لعمليات السطو:
«في اليوم التالي وفي حوالى الرابعة من بعد الظهر توقفت حافلة شحن خارج بوابة الحديقة الأمامية. خرج منها خمس رجال مسلحين دخلوا الى الطابق العلوي لبيتنا. بقينا في الداخل وراقبناهم وهم يأخذون الفرشات والمخدات واللحف وكل ما يمكن حمله ملقين بها من النوافذ الى الحديقة. لقد حملوا العفش عبر بيت الدرج للأسفل. رأيت آخر الخارجين من البيت. الرجل يحمل عودا وقد وجده فوق الخزانة.
وقد ألقى اللصوص المفاتيح باتجاهنا غير عابئين. بعد خروجهم صعدنا للطابق العلوي لترتيب ما تبقى وركبنا ترتعد من هول هذه التجربة».
يزودنا السلطي بواقعة مشابهة دونها في 19 أيار 1949: «اليوم أجو أخذوا من دار ابو جظم باقي عفشهن وأخذوا أيضاً بلاط الحمامات، وقد صحنا عليهم فلم يردوا علينا». لم تقتصر عمليات السطو على الأفراد والمهاجرين الجدد، فالحكومة ذاتها كانت تمارسها على مستوى واسع، وكذلك موظفوها، فالشرطة غالباً ما كانت تداهم منازل العرب بحجة الأمن، وخلال المداهمات يمارس أفرادها النهب والمصادرة. يذكر لنا السلطي في مفكرته بتاريخ 6 حزيران 1949 كيف أن المضايقات الرسمية لاحقت احدى معارفه وهي السيدة ديب من القدس القديمة التي اتهمت بحيازة ذهب:
«أخبرتنا مدام ديب أنهم كبسوا دارها على اخبارية (تقول) انه موجود عندها ذهب من القدس القديمة بدها تتاجر به. كما يقولون ان سعر الذهب في البلدة القديمة أربع جنيهات اما عندنا فهو ست جنيهات ولم يجدوا شيئاً أبداً».
مداهمة بيت السيدة ديب يشير الى ان ممثل السلطات كانوا على علم بأن الاتصالات ظلت قائمة بين الفلسطينيين على جانبي الحدود وعبر الأسلاك الشائكة. هذه الاتصالات لم تكن تتم عبر الزيارات الطارئة والمتباعدة التي كانت تجري أحياناً بعد الحصول على التصاريح اللازمة للسفر الى الشطر العربي من القدس، بل كانت تتم في ساعات الصباح الباكرة عبر الاسلاك الشائكة، خصوصاً في قرية بيت صفافا الواقعة الى الجنوب من البقعة. عبر هذه الاتصالات كانت السلع الغذائية والاغراض الشخصية تنتقل عبر الحدود المغلقة. جريس السلطي يذكر بسعادة غامرة استلامه مواد تموينية في اوقات عصيبة عصي عليه خلالها شراء أي شيء نتيجة شحة السلع والمصادر المالية. إن مثل هذه الهدايا من الاقارب في الأردن كانت تمر عبر الشريط الحدودي أحياناً، وكانت تصله أحياناً أخرى عبر القلة القليلة من سكان المنطقة الذين سنحت لهم الفرصة لزيارة القدس العربية في مواسم الاعياد. وفي 24 آيار 1949، كتب السلطي في دفتر يومياته ما يلي:
«وصلت من البلدة القديمة (الواقعة تحت السيطرة العربية آنذاك) الست نهى حلبي وقد جابت لنا اغراض مرسلهم سامي (الابن الأكبر لجريس) وجريس اللوصي وأولاد أبو روفا، وقد انبسطنا جداً بهم وخصوصاً الخيار والبندورة واللحمة. أما هند فقد انبسطت في الصرامي وكذلك رجا في الصندل وأيضاً أم سامي في الصرماية (أي الحذاء) وأنا انبسطت في الرز والسكر الذي أرسله جورج اللوصي وخصوصاً في البندورة والخيار والفلفل الذي أرسله سامي مع زجاجتين عرق وفستق وقضامة وحامض حلو».
مثل هذه الزيارات للطرف الآخر كانت قليلة، ولهذا فغالبية عمليات التبادل ما بين الشطرين كانت تتم بالطريقة الأكثر خطراً، أي عبر السياج الذي كان يقسم قرية بيت صفافا الى شطرين: عربي الى الجنوب وإسرائيلي الى الشمال. وقد قسمت البلدة هذه في أيار 1949 بعدما وافقت السلطات الأردنية على اخلاء الجزء الشمالي من القرية بعد توقيع اتفاقات الهدنة في رودوس. ويورد السلطي اسم بيت صفافا عدة مرات ذاكراً حوادث وزيارات اليها لرؤية الأقارب في الجانب الآخر. وقد أصبحت بيت صفافا بالتدريج نقطة تجمع دوري للعائلة على الرغم من خطورة الاعتقال فيما لو شاهدته الشرطة الإسرائيلية، وهي امكانية راحت تزداد مع الزمن. فعبر الاسلاك الشائكة كان افراد العائلة غالباً ما ينقلون عفشاً او متاعاً لأحد المعارف في الجانب الآخر ممنوع من العودة أسوة بالفلسطينيين الذين هُجِّروا في العام السابق. وفي الثامن من حزيران دوّن السلطي الحادثة التالية في مفكرته:
«ذهبت أم سامي (أي زوجته مدللة) ورجا من الساعة 45, 4 وحملت تخت (سرير) باسم (وهو احد الاقارب في الجانب الأردني من الحدود) ولحافه وفرشته وماكنة اللحمة والجكيت وحين نزولها في أول الطريق قرب دار فرعون شافهم البوليس وكان طالعاً من بيت صفافا وأخذهم الى النقطة. وقد ارسلت تخبرني أم سامي فذهبت الى عندها وبقينا هناك الى الساعة الحادية عشرة والنصف ثم أخذونا في اطومبيل (سيارة) الى دائرة التحقيق. بقينا الى الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر وأخذوا كفالة بأن ارجع الساعة 4... وقد رجعنا وأخذوا عليها تعهداً بأن لا تذهب الى بيت صفافا».
لم تكن مخاطر زيارة المنطقة الحدودية قاصرة على خطر الاعتقال، بل تعدته لتشمل خطر الاصابة برصاص الشرطة او الجيش او حتى دوس الالغام المزروعة في المنطقة. وقد دوّن السلطي الحادث التالي في مفكرته في التاسع من أيلول:
اليوم سمعنا خبراً مزعجاً جداً وهو ان يوسف ابو خليل الذي له خمس بنات ذهب هو وبناته الى دارهم في طريق بيت لحم على طريق بيت صفافا وقد قطفوا عنب وتين من دارهم التي أصبحت كوم حجارة. وفي رجوعهم انفجر تحت اقدامهم لغم او بونمبا (المقصود قنبلة)، وقد ذهب ضحيته ابنته وهي اجملهم وأحسنهم وعمرها 23 عاماً والبنتين الثانيات اصيبوا اصابات خطرة.
تبقى حياته وحياة عائلته ومجتمعه الصغير المتبقي في البقعة والنواحي العربية الأخرى بعيدة كل البعد عن ان تكون حياة عادية حتى لو أقرينا بأنها حياة في ظروف غير اعتيادية وطارئة. ولهذا فمن غير المستغرب ان نجد وصف اجمل اللحظات مرتبط بوصول ضروريات غير متوفرة عبر الشريط مثل الخيار او البندورة او أحذية جديدة. وعلى الرغم من احتفائه بمثل هذه اللحظات في مفكرته فإن ما دونه السلطي يعكس درجة عالية من الاحباط النفسي والشعور بالهزيمة أمام صعوبات الحياة. وما تكرار السلطي للدعاء الى الله للخلاص إلا دليل على ذلك. فصفحات المفكرة تكاد لا تخلو من عبارات من عيار «نفد صبري» و«الحالة محزنة» و«ضاق خلقي» و«لم اقدر اتحمل يا رب» و«اشفق علينا وارحمنا يا رب» وما الى ذلك من العبارات التي تشير الى حالة من الاحباط التام. مثل هذه الاسقاطات أيضاً تشير الى شعور كاتبها العميق بالغربة والاغتراب عما يحيط به. ويعكس هذا الاغتراب عيش السلطي في حالة الوجود العتبي بين الدولة التي تحيطه ومجتمعها الذي لا تربط السلطي به أي علاقة تذكر ومجتمعه الواقع على الجانب الآخر من الشريط الحدودي الفاصل. ولعل مداخلة السلطي في 23 تشرين الأول تشير بوضوح الى غربته عما يحيط به وارتباطه بما كان قائماً في المكان نفسه، فكتب: «الآن الساعة 6,45 صباحاً وأنا مستند على تختي أمام الشباك وانظر للخارج واشوف اليهود ذاهبين راجعين. فقلت في فكري متى يا رب ترد أهالي البقعة الى مساكنهم». مثل هذا الاحساس بالاغتراب يتكرر مرات عدة في المذكرات. ولعل ملاحظة السلطي يوم الجمعة 10 حزيران تعطينا أفضل تعبير عن هذا الاغتراب، فقد ورد فيها ما يلي:
«رجعنا على البيت الساعة 8 مساء وكان القمر بدراً والمشي جميل ولكن الدور والشوارع ملآنة من ناس اغراب وأهل البقعة ليسوا موجودين. المناظر جميلة لكن الحالة محزنة».