| 

«دير ياسين تتكلم مرة أخرى.. يتامى المجزرة يروون ما تبقى من شظايا رست في الذاكرة الفلسطينية رلى جبرايل، تكتب في «ميرال»، الكتاب الذي سيتحوّل إلى فيلم سينمائي سيرة متقطعة لأربعة فلسطينيين من محظوظي دير ياسين.
ويبدأ عرض الشريط السينمائي في الصالات الأوروبية في أيلول/سبتمبر المقبل، وهو من إخراج جوليان شنابل وبطولة فريدا بينتو.
«لا أتذكر عمري. أظن أنني في السبعين. إنما، أتذكر جيداً اليوم الذي كان يجب أن أكون فيه ميتاً. كان ذلك في التاسع من نيسان 1948. في ذلك اليوم، تعرفت إلى حياتي».
هذا الكلام، لواحد من يتامى المجزرة التي ارتكبها الصهيونيون في قرية دير ياسين، وهو شبيه لشخصيات كتاب «ميرال»، وبحكايات من تبقى وما لم يبق من دير ياسين.
الكاتبة الفرنسية جولي كالديرون، تتبعت آثار واحد من أولئك المحظوظين الناجين من المجزرة، والحاملين لحظات التأسيس للنكبة. التقته في القدس، بعد ممانعة، لأنه يتجنب الحديث عن المعاناة. يحتفظ بها لنفسه، ويسردها لمن يخصه بأسرار الدم، ومعظمهم من أفراد عائلته وأصدقائه.
يدعى عدنان عقيل، يقيم في القدس، ولا يقترب أبداً من بوابة يافا: «الطريق من البوابة تصل إلى دير ياسين. أنا لا أسلكها. أخاف من العودة. يتملكني إحساس بأنني سأعتقل أو سأقتل إن كنت هناك».
كأن الأعمار بيد الطغاة. يقول: «بدأت حياتي في اللحظة التي أطلق فيها الرصاص على عمتي وقتلت أمامي. قرعوا الباب. وتقدمت منه وفتحته، وانهال الرصاص على جسدها من جنود عصابة الأرغون التي كان يقودها مناحيم بيغن». وهو بالمناسبة، حائز جائزة نوبل للسلام.
جولي كالديرون، التي نشرت المقابلة والتحقيق في مجلة «لو بوان» الفرنسية، أخذت محدثها السبعيني إلى دير ياسين، من دون أن يطأها. أعادته بالكلمات والعبارات المكتظة بحزن جاف ومزمن. بدا لها أن سيرته بدأت بدير ياسين وآخرها فصول من الحنين إلى دير ياسين.
يقول لها: «لم تعد دير ياسين في الجغرافيا. أكلتها «غيفعات شاوول». هي اليوم ضاحية خاصة لليهود الأرثوذكس، حيث يطيب لهم لعب الكرة وإجراء المباريات»... إنما، على مقربة من المكان، تحوّلت المقبرة إلى مزبلة، إلى مكب كبير للنفايات. وغير بعيد عنها، مستشفى للأمراض العقلية».
فدير ياسين الماضي لا تمتّ بصلة إلى ما لم يتبق منها.
سألته عن أمور كثيرة... تأمل الأسئلة طويلاً ولم يجب. أكمل حكايته: «خلف الأسلاك الشائكة هناك، يقع منزلنا. لا يزال المنزل حياً يرزق، غير أن المقيمين فيه مجانين. لقد حوّلوه إلى مأوى للمعتوهين».
يرتجف صوت عدنان، ويصمت طويلاً.
وذات يوم، جاءت «أمنا تيريزا». نحن الفلسطينيين، لدينا «الأم تيريزا». وهي تحمل اسم هند الحسيني. هبطت علينا من السماء، وكأنها ملاك مرسل. حكينا لها رعب المجزرة. ومن يومها لم تتركنا. أخذتنا واعتنت بنا. وأنشأت بعد ذلك، «بيت الطفل العربي» في بيتها. في حي الشيخ الجراح، حيث تعلمت كيف أحيا، مرة أخرى.
ليست «الأم تيريزا» في قيد الحياة، لتروي حكاية المجزرة وأطفالها، لكن ابنتها بالتبني، هداية الحسيني، تفتح باب البيت أحياناً، للزوار، للاستعادة أو للاستفادة.
وربى جبرايل، تحكي في كتابها «ميرال» عن الست هند... «بالفعل، كانت مؤسسة رعاية كاملة».
في سيرة عدنان، أنه كان يريد أن يكون مقاوماً. فمن حسن حظه، أن والده الناجي من المجزرة، استعاده وعلّمه أن ما تبقى له كي يعود إلى دير ياسين، هو بندقية، وأحبّ عدنان أن يكون كوالده مقاوماً. واختار الالتحاق بها في عز «أيلول الأسود»، وانتظم في صفوفها.
عام 1982، اعتقلته إسرائيل وحكمت عليه بالسجن ستة أعوام. وهناك، تعلّم العبرية. قال للكاتبة الفرنسية: الأسلوب الذي تعلّمت به العبرية راق جداً. أول الكلمات التي حفظتها، هي الكلمات البذيئة والمهينة التي كان يتلفظ بها الجنود إبان تأديبي وتربيتي.
عدنان عقيل، الناجي من مجزرة دير ياسين، أستاذ العبرية في مدارس عربية. جعل البعض يظن، عندما يسمعه، أنه إسرائيلي.
يقول إنه يحمل دير ياسين معه. على المنضدة المجاورة للسرير، كتب اللقاء المسائي: «القرآن الكريم، الأناجيل، التوراة، وكتاب عن دير ياسين، وفيه صورة أبي».
ويقول أيضاً: «كل الأيام، أحكي لأولادي عن دير ياسين. أخبرهم للمرة الألف، بأن لهم بيتاً هناك، وأن مفاتيحه معي. ولا بدّ من أن نعود يوماً، فحق العودة لا يموت».
يعرف أصدقاء عدنان عقيل، أنه إذا ترك بيته أحياناً في القدس، فإنه يترك مفاتيح بيته لدى أصدقاء له، أكانوا يهوداً أم عرباً. أما مفتاح بيته في دير ياسين، فإقامته في جيبه أو في قلبه.
كتاب «ميرال» لا يغفل لحظات المجزرة. وعدنان عقيل يروي: «عند بوابة حيفا، وضعونا، نحن يتامى المجزرة. كنا حوالى خمسين طفلاً. لا آباء ولا أمهات. داشرون في الأمكنة. طفرنا إلى المجهول، تسوّلنا. طلبنا خبزاً وماءً وكساءً. عضنا البرد القارس. تيبست ثيابنا علينا. شعر رأسنا صار مقرفاً... جعنا ولم نأكل. بكينا ولم يسمعنا أحد... وأشد ما كان يثير فينا الهلع، هو صوت طفل يسأل عن أمه، وآخر يسأل عن أبيه، وآخرون يجهشون حتى النوم عياءً. ولم يكن أحد يجرؤ على كشف مصير الأهل. الكل كان يعرف أنهم قتلوا في المجزرة.
يصمت عدنان... يتحشرج صوته... يخرج محرمة من جيبه ويمسح بيد مرتجفة عينيه. الدمع أبلغ الرواة أحياناً.