كانت الأوامر صريحة: أقتلوا الشيخ رائد صلاح. واندفع الجنود الذين هبطوا من السماء فوق سفينة «مرمرة» ليطلقوا الرصاص على شخص ملتح وفقير وبسيط... واستشهد الرجل. لم يكن رائد صلاح هو الشهيد هذه المرة، بل رجل يشبهه الى حد كبير. مع أن الذين يشبهون رائد صلاح في نضاله الدؤوب في سبيل القدس قلة، والذين يتشبهون به قلة أيضاً. فقد أراد الإسرائيليون قتله بالفعل فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، واعتقدوا ان موته في معمعان الرصاص، وفي خضم هدير الموج، سيتلاشى بالتدريج. لكن خيبتهم كانت غير متوقعة وكبيرة جداً.
«هلاخ». هكذا قالت احدى الموظفات في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية حينما سئلت عما وقع للشيخ رائد صلاح في سفينة الحرية. وكلمة «هلاخ» تعني «هلاك». أما احد المسؤولين في الجيش الإسرائيلي، حينما سئل عن مصيره بعد الأنباء التي تواترت عن إطلاق النار عليه فقال: «أفود»، أي «انتهى». لكن رائد صلاح لم يهلك ولم ينته، بل ذهب الى سجنه في 25/7/2010 ثابت الخطو فوق ثرى بلاده، رافعاً شارة النصر فوق رؤوس سجانيه.

*****
كان أشرف على التسليم وإنهاء صلاته عند فجر 31/5/2010، حين سمع أصوات الرصاص والانفجارات في الطبقة العليا من السفينة، فقرر ان يشمخ ولا يستسلم. قيدوا يديه خلف ظهره، وأرغم على الجلوس فوق الأرض طوال تسع ساعات امضاها مع رفاقه في الطريق الى ميناء أسدود. كانوا اربعة غيره التحقوا بأسطول الحرية، وشدوا الرحال الى غزة: محمد زيدان ولبنى مصاروة وحنين الزعبي وحماد أبو دعيبس، لكن الإسرائيليين اختطفوهم، ثم انحرفوا بمسار الباخرة نحو أسدود. وكان ذلك برهاناً جديداً، ولو رمزياً، عن ان إبرة البوصلة يجب ان تتجه دائماً الى فلسطين، وإلا صار الأمر انحرافاً حقيقياً.
*****
طيب هذا الرجل. هكذا يبدو بابتسامته الوادعة، وبعينيه الواثقتين، وبسماحة وجهه. لكن خلف ذلك كله هناك شخص شديد على عدوه كالسيف، صارم في مواقفه الى حد القساوة كخشب السنديان في وعر أم الفحم، جارح في نقده كشجر الصبر النابت في تلال الجليل. وهذه الصفات قلما اجتمعت لرجل دين ممن أدمنوا التجهم وإطلاق اللحى واعتمار العمائم الملتفة بعناية فوق الهامات. انه طراز مختلف حقاً، ولا نتذكر في هذا الميدان إلا قلة بينها مطران القدس الكاثوليكي هيلاريون كبوجي ابن حلب الشهباء، مدينة العلم والشجاعة والسماع، وكذلك مطران القدس الارثوذكسي عطا الله حنا إبن العروبة والتمرد على الاحتلال ونصرة الحق.
*****
ولد رائد صلاح أبو شقرا في مدينة أم الفحم سنة 1958، ودرس في مدارسها، ومال منذ يفاعته الى الأفكار الإسلامية التي بدأت تنتشر في صفوف فلسطينيي 1948 في ثمانينيات القرن العشرين المنصرم، بعدما كانت الأفكار اليسارية هي السباقة الى نشر الوعي القومي العربي بصيغته التقدمية، والرائدة في النضال ضد النظام السياسي الإسرائيلي، ولا سيما ضد العنصرية وعدم المساواة، وفي سبيل الاعتراف بالعرب كمواطنين متساوي الحقوق بالآخرين، فضلاً عن الاعتراف بهم كمجموعة ذات حقوق قومية وثقافية معاً، والاعتراف بهم كسكان أصليين لفلسطين التاريخية. وقد كان للتيارات القومية واليسارية المختلفة الفضل في كشف الطابع الكولونيالي لدولة إسرائيل، وفي تفكيك الرواية الإسرائيلية عن حرب 1948 وفضح زيفها، وفي بث الوعي في صفوف اليهود والعرب معاً في ان نكبة 1948 هي شوط دموي لا مثيل له في سياق المشروع الاستعماري في فلسطين والذي بات واضح الملامح تماماً منذ سنة 1967 فصاعداً على الأقل.
مهما يكن الأمر، فإن رائد صلاح الذي مال الى الفكر الإسلامي يافعاً، اختار ان يدرس الشريعة في جامعة الخليل التي التحق بها شاباً في سنة 1976. وفي سنة 1981 اعتقلته السلطات الإسرائيلية بتهمة الانتماء الى «أسرة الجهاد»، ثم وضع في الإقامة الجبرية بعد إطلاقه، وكان أحد الناشطين البارزين في الحركة الإسلامية في فلسطين التي أسسها عبد الله نمر درويش. لكن هذه الحركة سرعان ما دب الانشقاق فيها سنة 1996 بعد اعتقال مؤسسها الذي راح بعد إطلاقه يدعو الى الانخراط في النظام السياسي الإسرائيلي، والانضمام الى انتخابات الكنيست، والاكتفاء بالدعوة الى الإسلام سلمياً، بعدما كان نصيراً للكفاح المسلح. وعلى قاعدة هذا الموقف أسس درويش «حركة الشباب المسلم» التي تبنت التعايش السلمي مع اليهود الإسرائيليين، فيما كان رائد صلاح يعتنق أفكار الاتجاه المعارض الذي لا يعترف بالكيان الإسرائيلي على الإطلاق، ويدعو الى عدم الانخراط في نظامه السياسي.
عمل رائد صلاح في مجلة «الصراط» الإسلامية الشهرية بين سنة 1986 وسنة 1988، ثم كافح لإنشاء «مؤسسة الأقصى لرعاية المقدسات الإسلامية» التي جهدت في الدفاع عن الحرم القدسي، وعن المسجد الأقصى بالتحديد، وكان المبادر الى حث فلسطينيي 1948 على الذهاب الى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى في مسيرات شعبية تحمل الرايات والبيارق الداعية الى حماية المسجد من المحاولات الإسرائيلية للسيطرة عليه. وقد تمكن مع رفاقه من إعادة إعمار المصلى المرواني وإضاءة ساحات الحرم القدسي وبناء وحدات صحية في باب حطة وفي باب الأسباط، وعمل على إحياء دروس المصاطب في كل يوم ثلاثاء. وقد خشيت السلطات الإسرائيلية هذا الجهد المتراكم والمتمادي، فعمدت الى التضييق عليه، ومنعته من مغادرة بلدته أم الفحم. ومع ذلك ظل يجد طرائق للمشاركة في التظاهرات المناصرة للقدس، وقد أصيب بعيار ناري في احدى هذه التظاهرات سنة 2000. ومع ذلك تمكن من الفوز في الانتخابات البلدية في أم الفحم في دورات 1989 و1993 و1997.
أثار رائد صلاح حنق السلطات الإسرائيلية، فمنعته من السفر سنة 2002، ثم اعتقلته في 13/5/2003، وكانت التهمة تقديم العون المالي لحركة حماس. واعتقل مجدداً في سنة 2007، وفي سنة 2009 منع من دخول مدينة القدس، فانصرف الى العمل في جهد متضافر لفك الحصار عن غزة.
وفي هذا الميدان انضم، مع عضوة الكنيست حنين الزعبي ومحمد زيدان رئيس لجنة المتابعة العربية والشيخ حماد أبو دعيبس من النقب والناشطة لبنى مصاروة، الى أسطول الحرية الذي انطلق من ميناء انطاليا التركي الى قطاع غزة حاملاً على متن سفنه الست موقفاً سياسياً ضد إسرائيل، وأطناناً من المساعدات لأهالي غزة.
لم يصل أسطول الحــرية الــى غـزة، لكن همجية الجيش الإسرائيلي هــي التــي وصــلت الى اسماع العالم وأبصاره، فقد تلقت وحدات من هذا الجيش أوامر أصدرها أيهود باراك وغابي أشكنازي بالتصدي لأسطول الحرية ومنعه بالقوة من التقدم نحو غزة، وكانت النتيجة 9 شهداء وعدد من الجرحى، وفضيحة مدوية كشفت خوف إسرائيل من أعلام الحرية. وقد اعتقل رائد صلاح وحُكم بالسجن خمسة أشهر. وفي 25/7/2010 ذهب بنفسه ليمضي «عقوبته»، وعلى باب السجن ودّع والدته وأصحابــه قائــلاً: «سنــدافع عن المسجد الأقصى حتى من داخل السجون، وإن الســجن لن يزيدنا إلا قوة».