| 

في أي حركة لنا في القدس، تراقبنا عدسات المحتل، وعيونها الاكترونية، وعيوبها اللاأخلاقية. عدت لتوي الى القدس بعد يوم عمل طويل، وساعتي سياقة وزيارة لوالدتي في حيفا وسلسلة اجتماعات طويلة في «مدى الكرمل» وهو ملاذي الفكري النقدي الوحيد في بلادي. عندما وصلت الى باب الخليل في البلدة القديمة، حيث الطريق الى بيتي في حارة الارمن، منعني رجال الشرطة من الدخول، لأنهم قرروا ان يقيموا هناك احتفال الانوار. وراحوا ينظرون الى وجودي كوجود ملوِّث، والى جسدي كشيء يخلخل نظام الفصل العنصري، الذي يحاول، من خلال الاطار الحداثوي لتكنولوجيا «الأمن»، اختزالنا، لا بل ازالتنا من الفضاء المقدسي، كي يتمكن المستعمر من احتلال فضاء مدينتنا؟ يتناقشون معنا، لكن بحذر شديد. يراقبوننا، ويدمغون أجسادنا عند دخولنا وخروجنا، «خوفاً منا» أو بالأحرى خوفاً من ان تنكشف جرائمهم بحق شعبنا.
في احتفال الانوار الذي اختلقوه حديثاً محولين حارتي، حارة الارمن الى مزار، زادوا من مشقتنا كأهالي البلدة القديمة، وضاعفوا معاناتنا اليومية. فلمدة أسبوع كامل، يقوم فنانون إسرائيليون بوضع الانوار، والاواني، والاصنام المضيئة التي تتسلق الأسوار القديمة، وفيديوهات تعيد التاريخ ثلاثة آلاف سنة، وتلعب بالجغرافيا لتمحو تاريخي، وتمحونا عن الخريطة الكولونيالية. الكثير من الإسرائيليين اليهود، واليهود من الخارج، يزورون حارتنا ويجوبون غيتواتنا وأقفاصنا، ليتعلموا تاريخ القدس!!!
في هذا الأسبوع، منعتني الشرطة من الدخول الى بيتي. فوظيفة الشرطة الإسرائيلية وسياسات دولتها الاستعمارية تقوم على عزل جسدي وصوتي ووجودي على مرأى ومسمع اليهودي الإسرائيلي الزائر «لمقدساته» على أمل تجميل القدس بأضواء تجلب الإسرائيليين الخائفين الى البلدة القديمة لزيارتها والتمتع بجمالها، او بالأحرى لزيارتها والتغلب على الخوف الكبير الذي يلازم المستعمر عند «التنزه» في غيتوات القدس والتي تصرخ رافضة وجوده في فضاءاتها.
يطول حواري مع الشرطي في باب الخليل، ومن ثم ينضم الجنود الموجودون دائماً في المكان ليصرخوا بي ويأمروني بأن احرك سيارتي وإلا!!!، وأعود لأسالهم: «الى أين أذهب؟ فأنا أسكن في البلدة القديمة، وابنتي في انتظاري، وبطارية هاتفي النقال فرغت ولا وسيلة لي للاتصال بزوجي». لكن صوتي لا يصلهم، وسيارتي لا تحمل الاشارة نفسها الموضوعة على سيارات اليهود الساكنين في البلدة القديمة. ثم يمر يهودي يسكن الى جواري، فأستوقفه راكضة نحوه، واطلب من الشرطي ان يسأله ليؤكد له انه يسكن في الشارع نفسه الذي أسكن فيه. لكن اليهودي يرفض التجاوب، ويمر بي، كأنني غير موجودة، وكأن جسدي الذي وقف امام سيارته طالباً المساعدة، هو جسد غير مرئي. واستمر في الجدل مع الجنود ورجال الشرطة قائلة: «وين أروح.. وين أروح... بيتي جوا البلد». أنا أحاول اقناعهم ـ مع اني أموت من البرد ـ وهم يصرخون بي، ويشيرون بعصيهم وأسلحتهم بأن ارجع الى الوراء. عندها قررت ان احرك سيارتي لأسد بها الطريق الضيق الوحيد الذي يمكّن سكان البلدة القديمة من الدخول اليها بالسيارة. فأوقفت سيارتي في منتصف الطريق لأمنع اليهود أيضاً من المرور، واطفأت المحرك، وقلت لهم سأنتظر هنا حتى تسمحوا لي بالدخول الى بيتي... فأنا لست سائحة، وحقي في العودة الى بيتي يفوق حق السائح الغريب في التجوال في فضاءات كاذبة خلقها المستعمر ليخفي جرائمه. وعندها نظرت الى الوراء فرأيت طابوراً من السيارات، ورأيت جاري مع ابنته الحامل في شهرها الأخير يقفان ورائي في سيارته، وعيناه تطلبان مني التدخل، وجاري أبو صبري مع أولاده وزوجته يقول لي «جننونا يا جارتنا... شو ها العيشي، احكيهن يا جارتنا انتي بتعرفي عبري».
استمرت محاولاتي، في مواجهة الصراخ والاسلحة. والعيون الغاضبة تحاصرني، وثارت ثائرة رجال (ونساء) الأمن علي لأني اعيق السير، اقصد أعيق دخول اليهود بسياراتهم الى بيوتهم «آمنين»، وما عدت اسمع إلا صوت صفارات سيارات الشرطة، وصراخ الأمنيين، وعربدة الجنود ونعتهم لي بكلمات نابية. وفجأة صرخ بي أحدهم: نساء مثلك (يقصد نساء فلسطينيات) يجب ان يواجهن الكعوب التي تسقط على رؤوسهن حين يضربهن رجالهن قبل ان ينتعلن الكعب العالي الذي تلبسينه يا متخلفة. (مفغرت... مفغرت).. وخلال لحظة، اخذوا مني مفاتيح السيارة، وحركوها الى جانب الطريق، وطلبوا من جيراني التوقف جانباً، وكالعادة في أنظمة الفصل العنصري، سمحوا لسيارة أجرة إسرائيلية تقل متدينين يهوداً بالدخول، وسمحوا للمستوطنين اليهود، أصحاب التأشيرات، بالدخول، وابقونا بأجسادنا التعبة الى جانب الطريق، مدموغين بإشارات الـ«خطر»، معزولين، منهكين، محاولين بكل الطرق، ومستعملين جميع المناورات المقبولة وغير المقبولة في انتظار... الدخول الى بيوتنا. بعد هذا العقاب الطويل، طلبوا مني ومن جيراني سلوك طريق آخر، أي العودة الى الوراء، والالتفاف من باب النبي داود. استغرقت هذه العملية ما يقارب الساعة، مع ان المنطقتين تبعد الواحدة عن الأخرى 4 ـ 5 دقائق مشياً. عدت لأشرح مرة أخرى لرجال الشرطة الواقفين بباب النبي داود اننا أخذنا اذن الشرطة من باب الخليل. ومع هذا، لم يسمحوا لنا بالدخول في سياراتنا، وتعبنا من اللف والدوران. فأبقينا السيارات خارج أسوار البلدة القديمة، وحملت اغراضي، وكتبي، ومشيت الى بيتي منهكة غاضبة. ولم يكن المشي سهلاً، وكنت أتألم لرؤية مجموعة من اليهود يمشون بـ«أمان» يحملون أطفالهم على اكتافهم، وأنا لا أستطيع ان أحمل نفسي على قدميّ.
وصلت الى بيتي في ساعة متأخرة (حوالى 12,15)، وكان زوجي قد تعب من الانتظار فنام، ونمت بلا حراك. ولكن الكولونيالية لا تنال من يومنا في صحونا بل تصل الى نومنا أيضاً. فبعد ما يقارب الساعة صحوت على صوت زوجي وهو يصيح من شباك غرفة نومنا على المارين أمام عمارتنا، وهم يغنون، ويطبلون، ويصيحون بالعبرية: «عم يسرائيل حي... عم يسرائيل حي» (أي شعب إسرائيل حي)». بالطبع ازعجهم صراخ زوجي احتدوا وزادوا صراخهم، وذهبنا معاً لننام على الأريكة في المكتبة، بعيداً عن أصواتهم. وما ان اغلقت عيني مرة أخرى، إذا بهم يغنون من جديد: «دافيد ملك إسرائيل حي حي في كاييم...» ويقتحمون نومي، فما عدت اسمع، ولا افقه، ولا ارى، ونمت كالميتة.
هذه فقط ثلاث ساعات من يومي في القدس فكيف لو كان الحديث عما يقارب الثلاثين عاماً. كفلسطينية في القدس مكاني محتل، وبيتي مربع لاستيطانهم، ويومي مختزل لتأمين رفاهيتهم، وزماني محدد بحسب جدول أعمالهم، وجسدي مباح لعيون جنودهم وشرطتهم.
في كل يوم في قدسي، أرى، أعيش، وأعي أن الفلسطيني في نظر الصهيونيين، هو خطر أمني يمشي على ارجل حتى عند موته. فحتى عند موت ابن عمتي الذي يعيش في منطقة سميراميس والتي فصلها حاجز قلنديا عن القدس، مع انها جزء من القدس، قرر الجنود فتح التابوت وتفتيشه واعادة التأكيد على قوتهم اللاأخلاقية. فالموت وفقدان عزيز، لا يعنيان لهم شيئاً، وموتنا يثمن فقط عند زوالنا كلياً، لأن جسد ابن عمتي الميت الذي احتاج جثمانه الى اذن كي يجتاز حاجزهم ليودع احباءه الذين لم يتمكنوا من توديعه في المقبرة في القدس؛ جسده الميت هذا يحدثنا عن كولونياليتهم، ويسرد لنا بصدقية صوت المعاناة الفلسطينية الذي يحتفظ بصدى الحياة في الجسد الميت.
جسد الفلسطيني الميت، تماماً كجسد الفلسطيني الحي يعتبر في نظرهم عدواً، وإرهابياً، ومخيفاً، وخطراً على أمن الدولة اليهودية. لذا، أوقفونا على الحاجز، بطوابـــيرهم الحمقاء التي تتفقدنا وتفندنا كحملة بطاقات هوية بألوان مــختلفة. وتمر الأيام، وفي كل يوم نقصُّ قصصاً جديدة، عن تحدي المقدسيين لغيتوات الفصل. في القدس اليوم تحدد السلطات الاحتلالية، لكن من دون تصريح، ان حارتي لليهود وحدهم، وان مدينتي، لليهود وحدهم، وان شوارعي وخطواتي محدودة، لأنها لليهود وحدهم. في القدس يُحدد مسلكك وامتدادك الاجتماعي والجغرافي والسياسي والتاريخي، وتُبتكر حيل تضيق المساحات والفضاءات وتحدد التراخيص والتصاريح، لتبتلع مكاننا وفضاءنا ونومنا وحياتنا وكراماننا. في القدس، نمر عبر طوابير التفتيش، كأن الأمر مسألة عادية، فنحن نعيش ونموت تحت الاحتلال، وتمارس ضدنا سياسات التطهير العرقي بحجة ان الفلسطيني لا يحترم القانون، ولا يطلب رخصة بناء، ويسكن عند أهله من دون اذن، ويقبر احباءه أينما يشاء، وان الفلسطينية المقدسية ترتدي الحجاب او الملابس ذات الطابع الغربي والكعب لـ«تخيف» المستعمر، وانها تعمل وتدرس وتواجه القوى الكولونيالية لا لأنها مقاومة، انما لأنها مقموعة. كما ان على الفلسطينية المقدسية ان تحدد ساعة الولادة، فلا يمكن في القدس الولادة من غير تعريض الجسد للكشف الكولونيالي، وهذا مستحيل من دون الاتفاق على الوقت، والمكان والزمان والطريقة، وربما نوع المولود، من دون ترخيص مسبق. فعملها، ومسلكها وولادتها، كلها غير قانونية. وإذا حدث ان وطئت قدماها مكاناً غير مرخص تعرضت للعقاب والإقصاء. فحتى قفص الحركة في السجن المقدسي، محدود. فالمساحة العرقية المعدة لنا، على الرغم من شـــرذمتها إيانا، ومنعها لنا من مشاركة بعــــض الأفراح والأتراح، فرقــت بين حارات البلدة القديمة ورأس العمود، وطردت أهـــالي الشيخ جراح، وهجمت على المنازل في سلوان وبيت حنـــينا وزعيّم والولجة وغيرها، ووضعت أهالي صور باهر والشيخ سعد في غيتوات، رغماً عن سياسات الحيز الكولونيالية الزاعمة ان القدس «لليهود فقط»، ورغماً عن سحب الهويـــات، والطرد والاقتلاع اليومي وشحة أماكن العمل، زادت حيل المـــراوغة ومهارات شل النظام الكولونيالي. وجاء أهل القدس، في مواجهاتهم اليومية، بطرح أساليب فردانية لانقاذ ما تبقى من يومهم، ومن جغرافيته المخترقة وتاريخهم المسلوب، ولمواجهة سياسات تهويد القدس.
في كل يوم، وعلى صوت أذان مساجد سلوان ورأس العمود التي اسمعها من غرفة نومي، وصوت اجراس كنيسة دير الزيتونة الأرمنية الواقعة أمام شباك مطبخي، والتي تملأ مكاني كزماني اصراراً على ان «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». استيقظ لابدأ ولنبدأ يوماً جديداً، يوماً جديداً لحماية جغرافيتي، وتاريخي، ويومي..... لأن القدس لن تكون «لليهود فقط»، فهي كانت وستبقى مدينتي.

*نادرة شلهوب كيفوركيان مديرة برنامج الدراسات النسوية في «مدى الكرمل: المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية» ـ حيفا.