في سنة 2006 اتخذ وزراء الثقافة العرب المجتمعون في مدينة مسقط قراراً يقضي بجعل القدس عاصمة للثقافة العربية لسنة 2009. وقد ترتبت على هذا القرار مجموعة من العقبات والمصاعب، أهمها أن القدس مدينة محتلة، الأمر الذي يعني أن من العسير جداً تنفيذ برنامج متكامل في هذا الشأن. لذلك توزع الجهد الثقافي الفلسطيني والإعلامي المرافق لهذه الاحتفالية على بعض العواصم العربية، ولا سيما رام الله وغزة وعمان ودمشق وبيروت وأبو ظبي، وتألفت «لجنة وطنية» لهذه الغاية في سنة 2007 برئاسة حنان عشراوي وعدد من كبار المبدعين الفلسطينيين أمثال محمود درويش. لكن محمود درويش سرعان ما استقال من عضوية هذه اللجنة ثم رحل عنا في ما بعد، وحدثت بلبلة إدارية إلى أن استقرت الأمور على ما استقرت عليه، وأعلن الدكتور رفــيق الحــسيني رئيس المجلس الإداري لاحتفالية «القدس عاصمة ثقافــية عربية» ان انطــلاقة هذه الاحتفالية ستكون من قلب القدس في 22/1/2009 مــهما تكن العقبات التي ستضعها إسرائيل. ثم استقال رفيق الحسيني لأسباب أخرى وفي هــذا الميــدان لنا بعض الملاحظات
أولاً، ردت إسرائيل على القرار العربي بأن أوعزت إلى جميع المؤسسات الثقافية الإسرائيلية بضرورة الاحتفال بمرور أربعين سنة على «تحرير» القدس، وشهدت دور السينما والمسارح وقاعات المحاضرات ومعارض الفن والساحات العامة والجامعات والمدارس نشاطاً استفزازياً متمادياً، وعمدت إسرائيل إلى إلغاء اسم «القدس» من لافتات الطرق وشاخصات الشوارع. ماذا فعل العرب والفلسطينيون بالتحديد؟ لا شيء، بل انتظروا سنة 2009 ليبدأوا العمل في ما أعدّوه من برامج.
ثانياً، انطلقت الاحتفالية من رام الله وليس من القدس، ما يعني أن القائمين على هذه الاحتفالية فشلوا في إرغام إسرائيل على قبول منطوق قرار وزراء الثقافة العرب.
ثالثاً، جاء العدوان الإسرائيلي على غزة في مطلع سنة 2009 ليجعل الاهتمام بهذه الاحتفالية باهتاً.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى حماية القدس والدفاع عن هذه المدينة أمر إيجابي حقاً، ولا بد منه قولاً وفعلاً. لكن لماذا القدس وحدها من بين جميع المدن الفلسطينية الأخرى؟ ربما لأن المدينة تتعرض للتهويد بطريقة متسارعة، وربما لأن المدينة تشكل نقطة تصادم تاريخية بين مشروع الاستقلال الوطني الفلسطيني ومشروع يهودية دولة إسرائيل. لكنني أعتقد أن ثمة ما هو أبعد من ذلك، أي الرمزية الدينية لهذه المدينة. فالقدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين لدى المسلمين، وهي للمسيحيين الإنجيل الخامس، وفي دروبها سار المسيح حاملاً صليبه، وفيها صلب ثم قام.
غير أن مشكلة القدس ليست مشكلة دينية على الإطلاق. وهذا ما وقعت فيه بعض النشاطات الثقافية والفكرية التي شددت على إسلامية القدس، أو على طابعها الديني الإسلامي ـ المسيحي. إن القدس قضية سياسية بالدرجة الأولى، أي قضية مدينة تحت الاحتلال. فلو كانت القدس مجرد مشكلة دينية لكان حلها سهلاً، أي أن يتم إعطاء الجميع، بمن فيهم اليهود، حرية العبادة. أما أن تكون قضية سياسية فهذا يعني أننا إزاء قصة شعب واحتلال واستيطان ونفي وتغيير هوية المكان. ثم أن تفكيرنا صار ينصرف، حينما نتكلم على القدس، إلى القدس الشرقية وحدها. فأين أصبح مصير الأحياء العربية في القدس الغربية مثل القطمون والطالبية حتى عين كارم، وهي أحياء عربية خالصة؟ هل لأن نسبة المسيحيين فيها كانت عالية، الأمر الذي يعني إهالة الركام على ذاكرتنا؟
هذه التساؤلات لم تلحظها احتفالية القدس كعاصمة ثقافية، بل اكتفت بالكلام التهليلي المكرور عن القدس كمدينة للتسامح والتعايش بين الديانات منذ العهدة العمرية التي وجهها عمر بن الخطاب إلى البطريــرك صفرونيوس. وما زلنا نردد هذا الكلام بينما أصبح عدد المسيحيين في مدينة المسيح يقارب الانقراض.